2013/07/15

غولدشتاين سوريّاً



نُشرت الصورة أعلاه قبل فترة في صفحة بشار الأسد على الفيسبوك، وهي إحدى الصفحات المؤيدة الأكثر شهرةً، إذ يقترب عدد "مُلييكيها" من النصف مليون. تحت الصورة، كتب مديرو الصفحة:”ضبط أسلحة وإلقاء القبض على إرهابيين في حيّ الميدان في بانياس"، وقد تلقّت هذه الصورة 619 “إعجاباً" حتى هذه اللحظة، بالإضافة للعديد من التعليقات المُناصرة والداعمة لهذه العمليّة ضد "الإرهاب"، من ضمنها تعليقات من يوغسلافيا والبرازيل! نجد أيضاً تعليقين أو ثلاثة يبدو أن سخريتها قد هربت من قوّة ملاحظة مُراقبي التعليقات، وفحواها واحد: أين الأسلحة والإرهاب في هذه الصورة؟

نلاحظ في وسط المشهد كمية من العملات المعدنية وبضعة عملات ورقيّة، بعضها، لبناني ومصري ويوناني، لم تعد قيد التداول في الأسواق. حجم وقيمة ما يُرى من العملات، بالإضافة لقِدم الكثير منها، يدلّ على أننا أمام مقتنيات أحد هواةِ جمع العملات. أما في الزاوية العُليا اليسرى فنرى جواز سفرٍ سوري يُجاور صوراً شخصيّة لرجل يرتدي زيّاً يشبه زيّ البحريّة، ما يتوافق مع عنوان الكُرّاس الموجود على يمين الصورة. عدا ذلك، هناك مجموعة صور تذكاريّة وبعض الصور الشخصية القديمة، بالأبيض والأسود، لشيوخ، ومقصٍ ذو مقبض برتقالي هو أشبه الموجود في الصورة للسلاح. أمام هذا المشهد ﻻ نجد مفرّاً من السؤال بإلحاح: ماذا جذب مديري صفحة يُتابعها حوالي نصف مليون مُستخدم لنشر هذه الصورة؟ وبماذا أُعجب 619 شخصاً؟ وعلى ماذا أعلن المُعلّقون تحيّتهم للجيش؟ ربما كان هذا المشهد الأخرق والعبثي أكثر منطقيّة قبل عامين، عند اندلاع الثورة السوريّة، حيث كان هناك حاجة لإسناد رواية النظام المُبررة لسلوكه القمعي الفاشي، لكن ماذا يدعو، بعد كلّ ما جرى، وبعد مئات، أو آلاف، مشاهد الأسلحة والرايات السود والعمامات والملثمين وكل الكليشيه "الإسلامي"، لاختلاق ما ﻻ يوجد في الصورة بهذه الطريقة السخيفة؟ إننا مجبرون على أن نذهب بالسؤال أبعد بقليل: هل هذا لرغبة تحريضية خاصة ضد بانياس، أو استعداداً مسبق لتصديق كلّ شيء "سيء" (بمنظور مؤيدي النظام) عنها؟ أﻻ يشبه هذا المشهد العجائبي مقطع رواية "1984” لجورج أورويل، حين يحتشد الموظفون أمام شاشةٍ ضخمة تعرض صورة "غولدشتاين" كي يشتموه ويعبّروا عن كرهه، ويتفاعل الجميع مع الشتم والكره وينفعل، رغم أنهم ﻻ يعرفون شيئاً عن غولدشتاين إﻻ أنه "عدو" و"خائن"، وﻻ يعرفون أساساً إن كان شخصيّة حقيقيّة أم لا؟

أقلّها، أعتقد، لو وضع أحد عناصر "الجهات المختصّة" مسدّسه أو رشاشه للتصوير بجانب هذه المقتنيات، لكان الناتج أقل احتقاراً لعقول مؤيدي هذه "الجهات المختصّة"!

المخيف، هنا، ليس أن يتصرّف موالو نظام فاشي وإجرامي بهذه الطريقة المهلوسة، فهذه حتميّة تكاد تكون بيولوجيّة الأصل والتفسير، بل أن ظروف العنف والمَقتلة المتواصلة، وطول أمد الصراع وعلوّ صوت "الضرورات" فيه، أديا إلى انتقال نفس العقلية إلى شطر كبير من جمهور الثورة: الاتهامات غير المُثبتة بالتشبيح أو العمالة للنظام، أو نزعة التعاطي مع أصحاب توجه سياسي مختلف أو منبت طائفي مُغاير وكأنهم "طابور خامس" وجدت طريقها، للأسف، إلى الإعلام الاجتماعي للثورة، وقد وجد هذا اﻻنتقال طريقاً سالكة بفضل عقمٍ سياسي ما زال مسيطراً، بقوّة عجائبية وغير مفهومة، على المشهد العام للثورة.

أما تكرار الإشارة إلى نتاج أورويل في نصوص الفترة الأخيرة فهي نتاجٌ للزمن "الأورويلي" أو "الكافكوي" الذي نعيشه أكثر من كونها حصيلة إعجابٍ أدبي ﻻ يُخفى
..