2012/10/28

عن احتجاز فداء عيتاني

فداء عيتاني

-->
يُحسب للواء "عاصفة الشمال"، والمتمركز في أعزاز، أنه تمكّن مما كان يبدو مستحيلاً: ابتكار طريقة مبتذلة لاستخدام مصطلح "أمن" لم يسبق أن استخدمها النظام الفاشي في سوريا. لدى اللواء "مكتب أمن إعلامي" مختص، على ما يبدو، بمراقبة عمل الصحفيين، وقادر على "وضعهم تحت الإقامة الجبرية" السابقة لـ"الطرد من الأراضي السوريّة" متى ما اعتبروا أن هكذا "إجراءات" ضروريّة لـ"أمن الثورة". التمثيل العملي لهكذا استنساخ للعقليّة واللغة الأمنية- البعثيّة جاء باحتجاز الصحافي اللبناني فداء عيتاني.

هنا، عادةً، يأتي ذكر مناقب ومميزات فداء عيتاني الإنسانيّة والمهنيّة، وهذا خطأ. صحيحٌ أن فداء عيتاني صحافي ممتاز، وذو مواقف صلبة وقوية، وذو خطاب متصالح مع نفسه بشكل يمنحه الثقة للخوض في بيئات عدائيّة لمن هم مثله، وعمله في سوريا يشهد له بإحساس إنساني بمعاناة الشعب السوري تحت نيران النظام الفاشي، لكن هذا الكلام غير ذي معنى هنا: لنفترض أنه صحفي سيء، أو ذو خطاب مهتز، أو حتى متصيّد أخطاء لتوظيفها سياسياً. أﻻ يستحق أيضاً أن يعمل بحرّية في بيئة ثورة ضد نظامٍ معادٍ لكلّ أشكال الحرّيات؟ حرّية العمل الصحفي ﻻ تحتاج لشهادة حسن سلوك من أحد، وﻻ ترتبط بمدى انسجام خطاب هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك مع الخطاب الرسمي. يستنسخ من يقع في هكذا خطأ منطق النظام باصطفاء وسائل الإعلام المسموح لها بالعمل في سوريا حسب وﻻئها له أو لحلفائه.

أما تلميع وتبرير "التوقيف" بمصطلحات برّاقة، على طريقة ناجي طيارة على قناة العربية أمس، والإشارة إلى ضرورات أمنية للثورة أو ما شابه ذلك من بهلوانيات لفظيّة فهو إهانة لقلوب وعقول من سئم أصلاً التبرير بنفس "الضرورات" في مواجهة إسرائيل ومؤامراتها لتبرير جرائم من هذا النوع وأسوأ. سئمنا!

فداء عيتاني هو أحد معتقلينا في سجون الظلم والطغيان، هو بمثابة مازن وحسين ومنصور وكلّ رفاقهم في السجن. فالسجانون، على ما يبدو، يشتركون بالعداء لحرّية العمل الصحافي. الحرّية لهم جميعاً، والحرّية أيضاً لبعض هؤﻻء السجانين، ولكل مبرريهم واعتذارييهم، فهم أسوأ أنواع الأسرى، ﻷنهم أسرى "العقل الأمني" اللعين.






2012/10/23

لافروف العنقودي


-->
ﻻ شعب في سوريا. هناك "أكثريّة" وحشيّة متوحّشة، بدائية الطباع وعنيفة، تسنّ أسنانها لالتهام "أقلّيات" دينيّة وعرقيّة مذعورة. وحده الأسد، بطل الحرب الشعواء على هذه "الأكثريّة"، هو الضامن لوجود هذه "الأقليات". أي، من زاويةٍ أُخرى، على كلّ منحدر من أقلّية دينية أو عرقيّة، وعلى كلّ صاحب اهتمام أو حساسيّة بضرورة حماية حقّ "الأقليات" في الوجود أن يدعم، أو أن يصرف النظر عن، القوّة العسكريّة العمياء بمواجهة البشر، مدنيين كانوا أم مقاتلين. أن ﻻ يرفض سلوك الإبادة الجماعيّة والتهجير الفاشيّ المنفلت. إن لم يتصرّف بهذا الشكل وأصرّ على معارضة الأسد جذرياً فهو واحد من خيارين: إمّا غبيّ أحمق، أو طائفيّ مقيت يحقد على"الأقليات" ويريد فناءها.

لافروف.. الأسد أو لا أحد، الأسد أو نحرق البلد!

جوهرة ﻻفروف الأخيرة حول أن الأسد هو "ضامن لأمن الأقلّيات في سوريا" ليست عزفاً منفرداً جديداً من نوعه، وهي، باتساقها مع النظرة اﻻستشراقيّة السافرة للعرب عموماً والسوريين خصوصاً، وتصالحها الكامل مع أعفن نظريات "صراع الحضارات" الامبرياليّة، متصالحة مع ذاتها. ابتزاز "أبناء الأقليات" بمصيرهم، وابتزاز الجميع باسم "الأقليات" ليس جديداً، كما ليس جديداً سفور التحذير من "دولة سنّية" في سوريا (ما توصيف ﻻفروف وسادة الكرملين "للدولة" الحاليّة إذاً؟). إنه نفس منطق من يقاتل "النظام النصيري" ويحقد على "المجوس والصفويين"، ومنطق هؤﻻء الآخيرين طائفي وسفيه ومعادٍ لكل ما يمكن أن تعنيه سوريا معافاة بالحد الأدنى، لكن أيّ شرعيّة تمتلك موسكو و"حلفاؤها"، معارضين سوريين أم "إصلاحيين" كانوا، للنظر إليهم بازدراء ومن علو؟ مالفرق بين شرعنة العنف المنفلت ضد "أقلّية" و"أكثريّة"،هذا بفرض أن عنف النظام هو نحو "الأكثريّة" بوصفها كذلك؟ أيّ نظرة ديمقراطيّة يمكن أن تُرجى أصلاً ممن يتحدث عن "أقليات" و"أكثريات" دينية وعرقية كتوصيفات سياسيّة؟

ليس الحديث عن إشكاليّة الطائفيّة وخطرها هو الجريمة، فالمسألة الطائفية هي أحد أكبر التحديات التي تواجهها سوريا اليوم، وستواجهها في السنوات المقبلة، بل اعتبار حرب الإبادة "حلاً"، لأنها أيضاً طائفيّة، ولعلّ طائفيتها، ياللمفارقة، هي أقلّ موبقاتها



بالمعنى الرمزي، ليست مصادفةُ أن تصدر سموم ﻻفروف الجديدة مع تقريرٍ مصوّر لـ هيومن رايتس ووتش (الفيديو أعلاه) حول استخدام جيش النظام للقنابل العنقوديّة (السوفيتية الصنع)، المحرّمة دولياً وذات النتائج المدمّرة ضد المدنيين، نتائج قد تمتد لعقودٍ وعقود. فالمنطق، الحقير والتحقيري، الذي ينطلق منه ﻻفروف ﻻ يُنتج، كترجمة عمليّة، إﻻ سلوك المحتمين بعباءة ﻻفروف الذي نراه، أكان نظام القهر واﻻستبداد الفاشي، أو اعتذارييه من مختلف مدارس الحجج والتبريرات الزائفة.






2012/10/12

الفاشيّة إن تكلّمت: العشوائيات في سوريا مثالاً..

مشاع الأربعن- حماة (عدسة شاب حموي)

بيّنت إحصائيّة رسمية نشرها المكتب المركزي للإحصاء في سوريا عام 2007 أن 50% من السكن الإجمالي في سوريا عشوائي، وأن 45% من سكان دمشق يقيمون في "مناطق مخالفات"، وكذلك 35% من سكان حلب و42% من سكان حمص، وإن لم يكن الرقم مهولاً بما فيه الكفاية فهناك إحصائيّة أخرى نُشرت في مسودّة الاستراتيجيّة الوطنيّة للإسكان الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية تقول أن مناطق السكن العشوائي في سوريا قد تزايدت بنسبة 220% في الفترة ما بين 1994 و2010. مرّت خمس سنوات ونيّف منذ الإحصائيّة الأولى، وملاحظة وتيرة التزايد في الإحصائيّة الثانية تجعلنا نتوقّع بسهولة أن غالبيّة السوريين يقيمون اليوم في عشوائيات، وعلينا أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار أن تردّي الأحوال الاقتصاديّة في نصف العقد الأخير كان الأقسى والأعمق منذ عقود، بالإضافة إلى أن انتكاس الاقتصاد الزراعي في غالبية مناطق سوريا عموماً ومنطقة الجزيرة خصوصاً أدى إلى حركة نزوح تُقدّر، بتفاؤل، بمئات الألوف، توجه عمومها نحو أحزمة الفقر في المدن الكبرى.

ليس في السكن في العشوائيات ما يغري، ولا شطارة في القول، إنسانياً قبل كل شيء، أن الإقامة في مناطق منعدمة الخدمات وسيئة البناء وصعبة الوصول، بالإضافة إلى عدم استقرار أي وضع قانوني فيها، ليس خياراً يمكن للمرء أن يتمسّك به في حال وجود خيارات أفضل. هناك بنية اقتصاديّة كاملة جُبلت على الإفقار العام لصالح إثراء نخبة سياسيّة- أمنيّة- عسكريّة- اقتصاديّة وإدامة هيمنتها على المجتمع الراكض خلف لقمة عيشه، وأن يقيم أكثر من نصف السوريين في مناطق عشوائيات ليس إﻻ نتيجةً لهذه البنية الإفقاريّة للنظام الحاكم في سوريا، وسكان العشوائيات هم ضحايا الظاهرة وكل ما تفرزه وليسوا المشكلة. لكن، بطبيعة الحال، ووفق طبائع النظام السوري، ﻻ مكان لمقاربة اقتصاديّة- اجتماعيّة إنسانيّة لواقع ملايين عريضة من السوريين حيث يكون من المستطاع اﻻتكال على عقليّة ومنطق "الهندسة اﻻجتماعيّة" بأسوأ المعاني الفاشيّة للمصطلح. العشوائيات ظاهرة خطيرة لما تُفرزه وليس لأن وجودها نتيجة لواقع اجتماعي-اقتصادي جائر وممتد زمنياً، مبني بجهود ممنهجة لنظام حكم استبدادي متأبّد. بهذا الشكل نجد تعبيراتٍ لألسنة حال عقل النظام من طراز ما طالبت به الصحفيّة هيام علي قبل أكثر من عامٍ في موقعها "سيرياستيبس"، المعروف بكونه أحد أكثر المنابر الإعلاميّة سفوراً في إظهار وﻻءٍ فاشيّ للنظام بمواجهة المجتمع. على طريقة "المكتوب باين من عنوانه"، بيّنت الصحفيّة في عنوان مقالتها مطالبتها بـ "تسوية الرمل الفلسطيني وكل ما يشبهه في سورية بالأرض"، وأضافت في متنه أن هذا الحي اللاذقاني عبارة عن "سكن عشوائي متراكم فوق بعضه البعض بطريقة بشعة غير منظمة تفصلهُ الزواريب والممرات الضيقة, تفوح منه رائحة الفقر والبطالة ومعها تبدو رائحة " التحشيش" منتشرة بطريقة لافتة”، ما جعله، وأمثاله في مدن سوريّة أخرى، منطلقاً “للعمل المسلّح ضد الدولة”. الحل؟ تسويته، وأمثاله في مدن سوريّة أخرى، بالأرض. لم لا؟

قد يعتبر البعض أن هذا الكلام ليس إلا منطقاً مغالياً لصحافيّة متحمّسة، لكننا نجد نفس العقليّة في خطاب “مؤسسات الدولة” وتعبيرها عن ذاتها، ففي ملخص توصيفي لدراسة لوزارة الإسكان حول الظاهرة نشرته وكالة “سانا” الرسميّة الشهر الماضي يبدأ الاستهداف التجريمي، مرّة أخرى، من عنوان المادّة: العشوائيات استجرّت الموارد والطاقة بشكل جائر. ليست المشكلة في أن هناك منظومة سياسيّة- اقتصاديّة حرمت ملايين السوريين من إمكانيّة الحصول على احتياجاتهم بشكل كريم، بل أن هؤﻻء السوريين ﻻ يموتون بصمت دون إزعاج، بل يحاولون الحصول على ما يحتاجونه بصورة “غير قانونيّة”. يبدأ النص، ونذكّر أنه منشور في وكالة الأنباء الرسميّة، بالحديث عن خطر العزل الاجتماعي للتجمعات العشوائيّة، لكنه يظهر ككلام حقّ يراد به باطل عندما يُشار، بمقاربة أمنيّة صرفة، أن خطر هذا العزل اﻻجتماعي يكمن في “انحدار المستوى الأمني والأخلاقي” و”تحول هذه المناطق إلى مجتمعات وتجمعات ذات بيئة وقيم اجتماعية منعزلة عن البيئة والقيم الاجتماعية العامة للمجتمع.” وليس في أثر اﻻنعزال الاجتماعي على سكان العشوائيات أنفسهم، والذين سيعاملون دائماً وأبداً كغرباء خطرين على “مجتمع” ليسوا منه. وتتابع الدراسة حديثها عن مخاطر الظاهرة بأفكار من قبيل “التجمعات العشوائية أخذت أشكالا وتوزعات سكانية ضمن جزر مغلقة تحمل هوية وخصائص مناطقها ومجتمعاتها الأصلية وتؤهل لأشكال من الانغلاق الاجتماعي والعزل السكاني ضمن محيطها الجديد”، وﻻ شك أنها أفكار يجب أن تُدرس، لكن ليس قبل دراسة أصول وجذور الظاهرة الاقتصادية بعمق، وإﻻ سيكون إيرادها مشابهاً للاستخدامات المشوّهة، عنصرياً وطبقياً، لمصطلحات مثل “ترييف المدينة”. وﻻ تظهر المعاناة المؤسِسة للعشوائيات وقاطنيها إﻻ، باختصار، في المقطع الأخير من النص حين يذكّر المحرر أنّ “الشرائح الأعظم من هذه الأسر هي أسر مكافحة ارتضت في سبيل تأمين لقمة العيش وفرصة العمل والتعليم أن تهجر مناطقها الأساسية لتستقر في هذه العشوائيات وفي ظروف قاسية” رغم ما يوحيه توصيف هذه الأسر وخصائصها في العشوائيات “من حيث تجاوزها القانون والاعتداء على الأراضي الزراعية وعلى أملاك الدولة والاستجرار الجائر وغير النظامي لموارد المياه والطاقة إضافة الى بعض مظاهر التردي الأمني والأخلاقي في هذه المناطق”.

باعتبارها، رفقةً بالأرياف، بيئة أكثر فئات الشعب تضرراً من نهج النظام السوري على مدى العقود الماضية، كانت مناطق العشوائيات والأحياء الفقيرة في أطراف المدن مسارح أبرز الحركات الاحتجاجيّة منذ لحظات الثورة الأولى، كما كانت منطلقاً للمقاومة المسلّحة ضد حملات عسكريّة منفلتة العنف بقصد معاقبة هذه البيئات الحاضنة ككل، ويبدو تكاثر الحديث الاستعدائي عن “العشوائيات” في وسائل إعلام النظام بوصفها مصدر مشاكل “أمنيّة وأخلاقيّة” وليس بكونها تعبيراً عن وضع اقتصادي واجتماعي سيء لقطاعات واسعة من السوريين مرحلةً جديدة ليس فقط لمعاقبة هذه التجمعات السكانيّة، بل لإنهاء وجودها أساساً والتخلّص من بُنى اجتماعيّة متماسكة تحتضن حركة احتجاجيّة قريبة جداً من مركز العاصمة أساساً، ومدن أخرى تالياً. فقد صدرت مؤخراً العديد من المراسيم الجمهوريّة والقرارات الوزاريّة الخاصة بـ”تنظيم” هذه العشوائيات، ويُكثر مسؤولون في النظام من التصريح للإعلام عن مُهل بحجم شهورٍ معدودة لتفكيك هذه التجمعات السكنيّة في دمشق وريفها، ولن نسمع منهم، طبعاً، أن الكثير من هذه التجمعات قد “فُكك” وأخلي من سكانه فعلياً بالمدفعيّة، وبالتالي ﻻ تبدو كل هذه المراسيم والقرارات في الواقع إﻻ قوننة رخيصة لوضع قائم عسكرياً وإجراءاً لمنع عودة المهجّرين إلى منازلهم. وليست الوعود بدورٍ للدولة في إيجاد البدائل إﻻ تعليباً شكلياً، سيما وأنها تأتي على طراز أحاديث الدكتور عمار يوسف، وهو باحثٌ في اﻻقتصاد العقاري تلجأ إليه بعض وسائل الإعلام الموالية بحثاً عن آراء مختصة في الشأن. يقول الدكتور يوسف في تصريحٍ له الشهر الماضي في “سيرياستيبس” (موقع الصحفيّة الوطنية هيام علي نفسه) أن توفير البديل السكني “إما عن طريق المواطن نفسه من مدخراته مع ملاحظة أنه إذا قامت الدولة بدعم ثمن الارض فلا يمكن أن تتجاوز تكلفة المتر المربع جاهز للسكن أكثر من عشرة ألاف ليرة سورية، أو عن طريق قرض بفوائد مخفضة بضمانة الشقة نفسها ”. أيّ ادخارات يمكن توقّع وجودها بحوزة مواطن قاطن في منطقة عشوائيات، خصوصاً مع الأوضاع الاقتصاديّة المتعمّقة في تأزمها في الوقت الراهن وفي هذه المناطق بالذات؟ وأيّ اقتصادٍ في العالم يمكن أن يتحمّل هذا الكم من القروض العقاريّة بضمانة الشقّة لأسر منخفضة الدخل حتّى العدم؟ لكن المتابع لقراءة شرح الدكتور الخبير سيجد أنه لم يضيّع كثيراً من الوقت في التفكير في بدائل جدّية وقابلة للتنفيذ، فأولوياته مختلفة تماماً:”من المؤكد أن التنظيم هو الحل الأمثل والإزالة هي الحل الوحيد لمشكلة السكن العشوائي وكلفة التنظيم والإزالة أقل بكثير مما أفرزته هذه المناطق من إرهاب ومن غوغائية وعدم القانونية والالتزام بل والأكثر من ذلك قلة الوطنية". ﻻ شك أنها وطنيّة "الأسد أو نحرق البلد" هذه التي يفتقدها الدكتور عند هؤﻻء الغوغائيين.


شعارات وطنيّة وإصلاحيّة

لم يكن من الممكن أن تغيب مسألة التطرّف الديني عن حزمة الموبقات التي يتم إلباسها للبيئة الاجتماعيّة للعشوائيات، ففي تعليقه على محاسن أحد المراسيم التشريعيّة الأخيرة الخاصة بـ"تنظيم العشوائيات" أشار محلل سياسي إلى أن هذه العشوائيات "شكلت بيئة حاضنة لفكر دخيل على المجتمع السوري لبس لبوس الفكر الديني مستغلاً الوضع الذي تعاني منه معظم هذه المناطق ودرجة الابتعاد عن الواقع والتدني في المستوى العلمي والمعرفي وانتشار البطالة عدا عن الآفات المجتمعية من تعاطي مخدرات وغيرها والتي أمنت مناخاً فعلياً لمن يريد أن يقوم بمثل هذه الإساءات المرفوضة اجتماعياً وأخلاقياً وقانونياً ودينياً". بطبيعة الحال تشكّل النزعات العدميّة الناتجة عن اليأس، ومن ضمنها التوجهات الدينية المتطرّفة، نتيجة محتومة لواقع العزل الاجتماعي الممتد، خصوصاً إن تم التعاطي معه بعنف من قبل السلطة، لكنّ الترويج لمفهوم أن التهجير القسري لسكان منطقة عشوائيات دون أي مقاربة اقتصادية واجتماعيّة وسياسيّة لواقع حياتهم يكفي لحلّ هذه النتيجة ﻻ يشبه إلا أحاديث نبيل فياض، المثقف العضوي للعلمانوية النخبوية اﻻعتذاريّة للنظام، عن "حل ثقافي" مرافق "للحل الأمني والعسكري".. كتابة عبارات لفولتير على براميل المتفجرات التي تلقيها الطائرات الحربية على هذه المناطق الفقيرة مثلاً؟

ﻻ يكتفي النظام وألسنته بالعنف المتوحش ضد المجتمع، بل يجتهد على تصوير نفسه كضحيّة لهذا المجتمع بوقاحة منقطعة النظير. المجتمع، إﻻ من رحمه القدر واﻻنتماء الطبقي، متخلّف وفقير وهمجي، أحياناً يكون أيضاً حشاشاً ولصاً ويبني لنفسه بيوتاً بشعة عمرانياً في مناطق غير جيّدة، والعنف ضروري لهندسة الأوضاع بصورة حضاريّة. “الشعب يريد ترباية من جديد"، يكتب الشبيحة على الجدران.
..



المقال منشور على موقع "الجمهوريّة" لدراسات الثورة السوريّة






2012/10/10

المجلس الوطني: منطقة سياسية منكوبة!


..

ﻻ محفز للتفاؤل بمستقبل المجلس الوطني، ولا دافع لإخراج الحديث عنه من دائرة الرتابة والملل التي دخلها منذ أشهرٍ طويلة، فكلام المجلس عن “إعادة الهيكلة” وعن “تفعيل الأدوار” وعن “اتباع الأساليب الديمقراطيّة في اختيار المناصب القياديّة” هو نفسه منذ ثمانية أشهر على الأقل، كذلك اﻻنتقادات التي يتلقاها حول مسيرةٍ متخبّطة وارتجاليّة ومليئة باللطخات المظلمة. المجلس جامد في مكانه منذ ما بعد إنشائه بفترة بسيطة، لكن السوريين، من بقي منهم على قيد الحياة، أصبحوا في زمانٍ ومكانٍ ومنطقٍ مختلفين.

ولد المجلس الوطني كمشروعٍ لمظلّة جامعة لمختلف أطياف المعارضة، كمحاولة لإنشاء مرجعيّة سياسيّة تغطّي العمل الثوري ضد نظامٍ إرهابيّ فاشي، وبعد غير قليلٍ من التلعثم واﻻرتجال بالعموميات العقيمة في حديثه عن النهج السياسيّ المتبع وكثيرٍ من الشعبوية المنتشية بتعبيرات دعم الشارع الثائر لما اعتبره الخيار السياسي الأكثر جذريّة ضد النظام والأقدر على دحره، قرر أن هناك معركة واحدة ضد النظام وهي مجلس الأمن، وكلّ ما عدا هذه المعركة ضجيجٌ خارج أوانه. هكذا، وبين البيانات والمؤتمرات الصحفيّة واللقاءات، ساد جوٌّ من الشلليّة التي بدت وكأنها تجهيزٌ للمواقع لما بعد السقوط “الحتمي” والمدوي والفوري للنظام بقرارٍ تحت الفصل السابع قادم ﻻ محالة غداً صباحاً. الكفاءة العمليّة والخطاب السياسي الداخلي وسياسات تدعيم العمل الثوري والإغاثي، ثم العمل على انضواء العمل العسكري تحت سيطرة ومرجعيّة القرار السياسي، كلّها كانت تفاصيل بانتظار المعركة الحاسمة. فيتو مزدوج روسي- صيني، ثم فيتو مزدوج آخر، ثم بحث يائس عن ساحة معركة خارج مجلس الأمن عن طريق مجموعة دول “أصدقاء الشعب السوري”، لكن وقائع الجيوستراتيجيا أقوى من قدرات المجلس الوطني كمجموعة علاقات عامة دوليّة، وهي ليست بالقدرات الكبيرة أصلاً.

خسر المجلس الوطني معركته التي أرادها الوحيدة، ولكلّ هزيمة ثمن: انفرط عقد الهيئة السياسيّ، وهو عقدٌ احتاج لكثيرٍ من الجهد لتخيّل وجوده أصلاً. كثُرت النزاعات الداخليّة، وكثُر التعبير عنها خارج الأروقة بطرقٍ قليلة الرصانة. تزايدت الأنباء عن شخصياتٍ وجماعاتٍ مجلسيّة تعمل خارج إطار المجلس للحصول على وﻻءاتٍ خاصّة ضمن المقاومة المسلّحة، وازدادت وطأة رائحة المال السياسي والتبعيّة المصلحيّة لجهاتٍ إقليميّة خليجيّة وتركيّة، وهي رائحة لم تغب أصلاً منذ بدايات عمل المجلس. لم يعد من الصعب إيجاد تبادل علني للشتائم واﻻتهامات بين أعضاءٍ في المجلس الوطني على الشبكات اﻻجتماعيّة، أوتصريحات لأعضاء يعبّرون علناً عن جهلهم بما يفعله المجلس. انسحابات، تجميدات للعضويّة، عضو مكتب تنفيذي يستقيل وينشر رسالة مفتوحة فيها اتهامات خطيرة جداً للمجلس ككل ولشخصيّة أحمد رمضان بالذات (وليست أولى الاتهامات لرمضان، ولن تكون الأخيرة على ما يبدو) وحديث عن مبالغ مالية بحجم 20 مليون يورو يُساء التصرّف بها، وبعد أيام قليلة يعود هذا العضو عن استقالته وتعبّر قيادة المجلس عن ارتياحها لانتهاء “سوء التفاهم”. هكذا. بكل بساطة وبرودة. ﻻ تفسير، ﻻ شروحات، ﻻ شفافيّة ماليّة وسياسيّة، بل كثيرٌ من قلّة اﻻحترام للرأي العام السوري، الذي يعيش جحيماً ﻻ تعرفه إﻻ الشعوب المحتلّة.

والآن، ماذا الآن؟

يسوّق المجلس الوطني حلاّ مفترضاً لأزمته المزمنة بعنوان “إعادة هيكلة”، وهو التعبير الذي تزامن استخدامه مع جلّ سنةٍ هي عمر هذا الكيان السياسي، وقوام هذا العنوان هو رفع عدد الأعضاء من 300 إلى 600 عضو. أي، بتعبيرٍ آخر، عدد أعضاء المجلس الوطني سيكون أكبر من عدد أعضاء جلّ البرلمانات الأوروبّية، وأقل بـ22 عضو من عدد البرلمانيين الفدراليين الألمان. لماذا؟ كم مرّة سيجتمع هؤﻻء؟ كم مرّة اجتمع الـ 300 عضو الأساسيين أصلاً؟ أو لنبدأ السؤال من مكانٍ أعمق: ماذا فعل الـ 300 عضو، وأغلبهم لا نشاط سياسي فعلي له وﻻ عنده  دراية بما يُقرّر ويُنفّذ من قبل المكتب التنفيذي، المبني على توازناتٍ لم يجهد أحدٌ نفسه لشرحها للناس لتبيان مَن قررها وكيف ولماذا؟! ماذا كان نفع الـ 300 كي يكون من الإيجابي أن يصبحوا 600؟ تقول القيادة أن زيادة العدد ناتجة عن ضم عدد كبير من الفاعلين في الحراك الثوري، بالإضافة إلى عشراتٍ من القوى السياسيّة الجديدة وهيئات مجتمع مدني. خلال العام المنصرم لم يتمكّن الرأي العام من التعرّف على هويّة وعمل غالبيّة أعضاء المجلس، بما فيهم أعضاءٌ نافذون وفي مناصب القرار رغم انعدام المعرفة عامة بتاريخهم السياسي أو المهني أو توجهاتهم أو علاقاتهم الخارجيّة والداخليّة، بل أن الكثير من أعضاء المجلس ﻻ يعرف بعضهم الآخر، والآن سيتضاعف عدد هذا الضياع بشخصياتٍ ﻻ يعرف الرأي العام بعد، وليس ثمة ما يشجّع على تأمل أنه سيعرف يوماً، من هم، من أين جاؤوا، لماذا تم اختيارهم ومن اختارهم، هل هم كأشخاص وكهيئات سياسيّة مجتمع مدني واقع حقيقي أم تعليب خلّبي لتمويه إدخال المزيد من المحسوبين على جهات سياسيّة بعينها، كجماعة الإخوان المسلمين مثلاً؟ دون علنيّة ووضوح ونزاهة هذه المسائل ﻻ معنى لإعلان تغيير آليّة اختيار الشخصيات القياديّة من التعيين بالتشاور إلى اﻻنتخاب، حيث أنه ليس ما يضمن أن كلّ جماعة قد أمّنت كتلة من المحسوبين عليها تصوّت لمرشحيها بالأمر وليس بالقناعة، ما سيجعل اﻻنتخاب مجرّد مسرحيّة، وبعد كلّ ما سُمع وشوهد عن المجلس الوطني في العام الأخير ﻻ مكان، صراحةً، لافتراض حسن النوايا.

بعيداً عن هذه المسائل التنظيمية، والتي يؤشّر شغلها لشهور طويلة من “الإصلاح” لمدى فاعليّة المجلس الحقيقيّة، هناك أسئلة أهم يجب أن تُطرح: ماذا يعني المجلس الوطني سياسياً اليوم، أكان على المستوى الداخلي أم على مستوى العلاقات الإقليميّة والدوليّة؟ في الداخل لم يشكّل مرجعيّة سياسيّة ﻷنه لم يطرح خطاباً واضحاً يوماً عدا “إسقاط النظام”، وهذا بحد ذاته ليس برنامجاً سياسياً وعملياتياً، كما أنه لم ينجح كمجلس بفرض قيادة سياسيّة على العمل العسكري المعارض ككل وﻻ على أجزاء منه، رغم أن شهاداتٍ وتقارير تشير إلى أن لبعض أركان المجلس وقياداته أدوارٌ غير نزيهة في شراء وﻻءاتٍ ضيّقة، ولم ينجح حتى في بناء تنسيقٍ جدّي مع القيادات العسكريّة، والتي استشعر بعضها فراغاً سياسياً متاحاً لدرجة أنهم منحوا لأنفسهم صلاحية طرح مشاريع حكومات انتقاليّة دون المرور بالمجلس. أما بما يخص العمل الإغاثي فإن الضجيح والاتهامات والمشاحنات تغطي بشكل شائن على إحدى أسمى وأهم الواجبات الحاليّة تجاه الشعب المُعنّف. وليس الوضع خارجياً بأفضل، فالثقة بمقدرات المجلس في ساحات السياسة الدوليّة في انحدار شديد من أشهر، وأغلب سياسات وطروحات الدول الفاعلة دولياً لم تعد تمرّ بالمجلس الوطني ولو حتى بروتوكولياً. ﻻ شيء جذّاب سياسياً في هيئة يفترض أنها تفخر بانتزاع دورٍ تمثيلي شرعي للشعب السوري يقتصر عملها، في أغلب الأحيان، على أن تكون وفداً مرافقاً لذاك الوزير أو هذا الرئيس في تصريحاته ومشاريعه. إن طرحت تركيا فاروق الشرع كشخصيّة مقبولة لمرحلة انتقالية فالمجلس يقول أنه اقتراح جدير بالأخذ بعين اﻻعتبار، وإن طالبت قطر بتدخّل عسكري ضد النظام لدحره فالمجلس سيوافق إيجاباً أيضاً. ﻻ فرق!

يسخر الكثيرون من مقدرة المجلس الفائقة على إعلان المدن والمناطق “المنكوبة” في الداخل، ولعلّه معنيٌّ بأن يعلن نفسه منطقة منكوبة سياسياً. يؤسف القول أن اجتماع المجلس المقبل في الدوحة قد ﻻ يعني أحداً بشيء في الداخل، ولن ينتظره الرأي العام ولن يتوقع منه شيئاً خارج حزمة جديدة من التصريحات والوعود الفضفاضة والتعميميّة، والمؤسف الأكبر أن هذا الوضع مرشّح للاستمرار..






2012/10/01

رسائل المجلس الوطني إلى الأقليات: التصالح مع الإنكار.

نص منشور على موقع صفحات سوريّة
..

في سياقٍ شديد التعقيد كالحدث السوري الراهن، حيث ﻻ مكان واضح للمسألة الطائفيّة وﻻ معالجة سياسيّة فاعلة لها خارج إطاراتٍ تقفز بين الإنكار المطلق والتطبيع الكامل، ﻻ تفعل الرسائل والنداءات والخطابات المتكررة التي يرسلها المجلس الوطني للأقليات الطائفية أكثر من تكديس الغبار على الجمر المشتعل. ﻻ ندري إن كانت صادرة عن رؤية سياسيّة، أم أنها مجرّد إثبات وجود سياسي في ساحة إدارة ملف التماسك الأهلي في المجتمع السوري، أو هي محاولة لتطمين القوى الدوليّة التي وجدت في فكرة “حماية الأقليات” عنواناً جديداً يضاف إلى “انقسام المعارضة” و”الخطر الأصولي الإسلامي”، في قائمة مبررات الجمود العملي تجاه القضيّة السوريّة.

ما يتمنّاه المرء هنا، حقاً، هو أﻻ يعتقد أحدٌ في المجلس الوطني حقّا،ً أنه يحل إحدى أكبر العقد في الوضع الراهن بتوجيه رسائل مفتوحة، فكلّ الخيارات الأخرى تبقى، رغم خبث بعضها، أفضل من هكذا “براءة” طفوليّة.

تشبه هذه الرسائل، صيغةً، رسائل أخرى عديدة كتبها مثقفون وناشطون منتمون بالولادة إلى إحدى الأقليات، وكان بوسع القارئ أحياناً أن يستشف من هذه الرسائل محاولةً محمومة من قبل كاتبيها لتبرئة أنفسهم ودائرتهم الإجتماعيّة من تهمة كونها حاضنة اجتماعيّة للسلطة الحاكمة وإرهابها. بعض هذه الرسائل كانت تأتي رداً دفاعياً من قبل هؤﻻء المثقفين والناشطين على مزاودات واتهامات موتورة لبعض المهووسين الطائفيين.

التعبير الكامن عن حالة دفاع عن النفس في هذه الرسائل، جعلها جزءاً من مشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من حل.. مشكلةً لم يتسبب بها مثقفو وناشطو “الأقليات” بل كانوا ضحيتها الأولى. مشكلة تتغذى الآن بموضة رسائل المجلس الوطني والناطقين باسمه.

ﻻ قراءة مبشّرة لمخاطبة الطوائف من قبل أيّ هيئة سياسيّة، سيما وإن كنا نتحدّث عن هيئة تعتبر نفسها كياناً سياسياً يعبّر عن الشعب السوري بشكل فوق-إيديولوجي ويمثّله سياسياً بالكامل. لهذا التوجّه الخطابي خطايا عديدة، أهمها أنها تعامل جماعات أهليّة على أنها كيانات سياسيّة تتقلى خطابات من هذا النوع بوصفها كتلة متجانسة فكرياً وسياسياً، وهذا اعتراف بـ، أو على الأقل تصالح مع، تقسيم مجتمعي أهلي ﻻ يمكن أن يفضي، بأحسن الأحوال، إﻻ إلى ضرب من ضروب “ديمقراطيّة المحاصصة” على طريقة لبنان أو العراق. أهذا هو مستقرّ رؤية المجلس الوطني السياسيّة للتمثيل السياسي للمجتمع السوري؟ وإن لم يكن هذا هو المستقر فلماذا يدخل في هذا المنطلق أساساً؟

عدا عن هذه المعضلة الهامة، تمنح العقليّة المصدّرة لهذا النوع من الخطابات سنداً لمتهِمي الثورة السوريّة بالطائفية، فيبدو أن “السُنّي” غير مطالب بإثبات براءته من النظام حتى لو كان صامتاً، في حين يجب على أبناء الأقليات المعارضين أن يبذلوا جهداً مضاعفاً عنهم وعن بيئتهم الاجتماعيّة.

إن هذه العقلية هي أختٌ شقيقة للمنطق الأقلّوي اﻻبتزازي، وﻻ يمكننا إدانة أحدها دون الإشارة إلى الآخر، فهناك علاقة تغذية متبادلة بينهما.

المسألة الطائفية في سوريا اليوم هي التحدّي الأكبر، ليس فقط لاعتباراتٍ داخليّة بحتة وإنما أيضاً بسبب تمفصلها على التعقيدات واﻻنقسامات المحوريّة الإقليميّة، كما أنها المفتاح الأكبر لتحويل سوريا إلى ساحة صراع بحت بين محاور تبحث عن حرب بالوكالة، وهذه المسألة ﻻ تُحلّ ببضعة خطابات تبدو وقوداً أكثر من كونها ماء إطفاء.