لا ينوي هذا النص مناقشة تفاصيل مواد الدستور الجديد، فقد تكفّل نصّ سابق بشرح وجهة النظر في عدم جدوى ذلك، بل يقصد البحث في مواد النصّ الدستوري الوليد، بشكلٍ غير ديمقراطي، عن تعبير النظام عن المشهد السياسي الذي يريد، هذا إن صدّقنا أن الدستور سيطبّق أصلاً بشكل نزيه وصادق، طيلة العقد المقبل، على الأقل.
يقول الدستور، في المادّة 34 منه:” لكل مواطن حقّ الإسهام في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة وينظم القانون ذلك"، لكن نظرة سريعة في موادٍ أخرى تشير إلى أن حقّ المواطنين في ممارسة السياسة في وطنهم ليس واحداً متساوياً، وليس فقط بسبب النقطة الأولى من المادّة الثالثة، والتي تقول "دين رئيس الجمهوريّة الإسلام" وإنما أيضاً بسبب شروط أخرى ذات طابع سياسي، أقلّ ما يُقال عنها أنها ﻻ تُراعي واقع وظروف العقود الأخيرة في سوريا، وأهم هذه المواد هي المادة 84، والتي تشترط في المترشّح لمنصب رئيس الجمهوريّة أن يكون متمّاً الأربعين من عمره، من أبوين سوريين بالولادة، متمتعاً بحقوقه المدنيّة والسياسيّة وغير محكوم بجرم شائن ولو ردّ اعتباره، أن ﻻ يكون متزوجاً من غير سوريّة (السوريات ممنوعات من الترشّح للمنصب إذاً؟)، وأن يكون مقيماً في الجمهوريّة العربيّة السوريّة لمدّة ﻻ تقل عن عشرة سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشّح. قد يقول بعض المدافعين عن الدستور أن هذه الشروط موجودة في دساتير دولٍ كثيرة، ومنها دول عريقة الديمقراطيّة. هذا صحيح، وبالذات ﻷنه صحيح يُفترض، إن تم العمل بحسن نيّة، أﻻ تكون شروط الدستور السوري كشروط الدستور الفرنسي أو الأمريكي، على الأقل لمدّة زمنيّة انتقاليّة، فمواطنوا الدول المذكورة لم يعانوا من تهجيرٍ ونفي لأسباب سياسيّة كما عانى الآلاف من السوريين. بالتالي، يبدو البند الأخير (السنوات العشر) وكأنه موضوعٌ لمنع ترشّح أي معارضٍ مقيمٍ في الخارج طيلة عقدٍ على الأقل، في حين يتكفّل بند "غير محكوم بجرم شائن" بمنع ترشّح أي معارض داخلي، فأيّ معارضٍ "حقيقي" تجاوز الأربعين من عمره ولم يحاكم، ولو لمرّة واحدة على الأقل، أمام محكمة أمن الدولة العليا أو محكمة الجنايات؟
لا تقتصر التقييدات والتعقيدات على منصب رئاسة الجمهوريّة فحسب، فالمادّة 152 تقول:”ﻻ يجوز لمن يحمل جنسيّة أخرى، إضافةً للجنسيّة العربيّة السوريّة، أن يتولّى مناصب رئيس الجمهوريّة أو نائبه أو رئيس مجلس الوزراء أو نوّابه أو الوزراء أو عضوية مجلس الشعب أو عضوية المحكمة الدستوريّة العليا". يتم التغاضي، مرّة أخرى، وبسوء نيّة مطلق، عن الظروف السياسيّة للبلاد، عن آلاف المبعدين والمهجّرين القسريين أو المقيمين في الخارج لأسباب اقتصاديّة وأخذوا جنسيّة البلد الذي أقاموا به لتسهيل حياتهم، أو لأسبابٍ سياسيّة عقّدت تعاملهم مع السفارات السوريّة، والتي لطالما تعاملت معهم على طريقة "راجع الجهات المختصّة داخل القطر" قبل تجديد جواز سفر أو تسجيل زواج أو ولادة، أو حتّى وفاة. هذا البند، غير الموجود، مثلاً، في دساتير الأغلبيّة الساحقة من دول أميركا اللاتينيّة (والتي يُفترض أنها تشبهنا وتشبه ظروفنا) يبدو وكأنه وُضِع لمنع المعارضين المقيمين في الخارج أيضاً من محاولة الحصول ولو على مقعد نيابي. اللوائح الداخليّة الناظمة لمجلس الشعب ستتكفّل، غالباً، بتعقيد الأمور على "المغضوب عليهم" الداخليين.
لختم المراجعة السريعة للمواد المساهمة في "تنظيم" الحياة السياسيّة المستقبليّة المفترضة، نشير إلى أن المادة 153 تمنع تعديل أيّ حرف في هذا الدستور قبل مرور 18 شهراً على إقراره. أي أن خطّة السلطة ﻷي تسوية سياسيّة مع المعارضة قائمة على عدم تحريك أي حرف في هذا الدستور خلال هذه المدّة على الأقل، أي أنها تريد تنظيم اﻻنتخابات النيابيّة والرئاسيّة المقبلة طبقاً لهذا الدستور. هذه هذ النوايا الطيّبة الحسنة لمحاورة المعارضة لدى السلطة..
قد يبدو أن ما قيل حتى الآن يكفي لبناء تصوّر حول نوايا النظام بما يخص "اﻻنفتاح" السياسي، لكن هناك المزيد! قد نعتقد، منطقيين، أن المشاركين في وضع هذا الدستور هم، على الأقل، ممن تنطبق عليهم المادة 153، أي سوريين لا يحملون أيّ جنسيّة أخرى، لكن بحثاً صغيراً في الأخبار المتعلّقة بمشروع الدستور سيوصلنا إلى أن هذا ليس فقط غير صحيح فحسب، بل أن هناك عضواً غير سوري في الفريق الذي أعدّ دستوراً يقيّد الحقوق السياسيّة لعشرات، أو ربما مئات الآلاف من السوريين. إنه سليم جريصاتي، وزير العمل اللبناني الحالي ضمن كتلة الجنرال عون، الذي كان يُشار إليه كـ "ظاهرة صهيونيّة" قبل سبع سنواتٍ فقط، وأصبح الآن ركناً من أركان "الممانعة".
السوري يتعرّض، قبل أن يخوّل له أن يمارس السياسة في بلده، لفلترة قاسية طبقاً لدستور شارك في صياغته شخص غير سوري، وعلاقته بسوريا قائمة على انتمائه لتكتّل سياسي لبناني حليف للنظام! هذه الحقيقة ترينا، مرّة أخرى، ما كان الكثيرون منّا عارفين منذ زمنٍ طويل، أي انصراف النظام بالكامل عن أيّ همّ خاص ببناء داخلٍ وطنيّ سوري قائم على التعددية واتساع الطيف، إذ يُسمح للبناني الحليف للنظام ما يُمنع عن السوري الذي، ربما، لا يكون حتّى معارضاً. هذا الواقع المخجل هو مأسسة وشرعنة لما يجري إعلامياً في ساحة بروباغندا النظام منذ زمنٍ بعيد، حيث تتوافد شخصيات لبنانيّة وغير لبنانيّة من كلّ حدبٍ وصوب لمطالبة السلطة السوريّة بسحق وعفس وفرم وتقطيع "المتمرّدين" في حين يقبع المعارضون السوريّون في السجون فقط ﻷنهم خارج سرديّة السلطة ومشاريعها. أو، في الحالة الأكثر هزلاً ومأساوية، أن يُحاكم نشطاءٌ وناشطات ذوو ذخرٍ طويل في العمل الوطني النقي بتهمة "إثارة النعرات الطائفيّة" بشكل متعسّف وظالم وعشوائي وغوغائي في حين، على سبيل المثال لا الحصر، يجول وئام وهاب في البلاد نافثاً خطابه الطائفي المقيت بمباركة السلطة وبين موسيقى طبول إعلامها. فها هو يعلن عن إنشاء توأم لحزبه اللبناني الطائفي في سوريا، ويقول:”حزبنا سيبقى مع محور اﻻعتدال في سوريا، وطالما بقي الدروز في هذا العالم فالحزب باقٍ".
حقّاً، لقد عبّر النظام، مرّة أخرى، عن ذاته وعن سوريا التي يريد. وهي ليست، إطلاقاً، سوريتنا جميعاً..
..