" كلامي سيكون تعبيراً عن ألم أكثر مما هو سرد لرأي. كنت أتمنى لو تصرّف هذا القطّاع من اليسار الذي تقصد بنفس درجات النفاق الذي تتصرّف به قوى الإمبرياليّة العالميّة، التي ﻻ تتردد اليوم في دعم من ستخونهم صباح الغد وتحاول إخفاء احتقارها للشعوب. إن كانت الحسابات الجيوستراتيجيّة لهذا اليسار تقتضي منه التضحية بالشعب السوري فليقولوا ذلك بصراحة. لكنهم، كيسار، يحتاجون لخطاب أخلاقيّ الطابع لتبرير مواقفهم، ويعمدون لأجل ذلك إلى ما هو أسوأ: إنكار دكتاتوريّة الحكم في سوريا وإنكار وجود شعب يناضل ضد هذه الديكتاتوريّة، ولهذا الموقف البشع نتائج كارثيّة بحق. لقد اتّهمت مراراً بأنني أبرر، أسهّل، أو حتّى أطلب تدخلاً امبريالياً في سوريا فقط لأنني أصرّ على وجود انتفاضة شعبيّة حقيقيّة، وأسوأ ما في هذا الخطاب (والذي غالباً ما يُعبّر عن نفسه بطريقة قليلة التهذيب والهدوء) أنه يتجاهل بشكل كامل نتائج موقف هذا القطّاع من اليسار (بما فيه حكومات من أميركا اللاتينيّة) في سيرورة الانتفاضات العربيّة وفي النجاحات التي أحرزتها الثورة المضادة. يتصّرف هؤﻻء بأسلوب "النبوءة التي تحقق نفسها": ﻻ يساهمون بدعم الكفاح بالسلاح أو التمويل أو بالخبرات التنظيمية، وﻻ حتّى بكلمة تعاطف أو وقفة تضامن.. يتنازلون بشكل كامل عن الأرض وعن الخطاب التحرري ويجلسون منتظرين الحدث الذي سيسمح لهم بالقول: انظروا! ألم نقل لكم أن هؤﻻء هم جميعاً بيادق المخابرات الأميركيّة؟
قد يُقال أن دول أميركا اللاتينيّة ﻻ تستطيع التدخّل في المنطقة العربيّة إذ لديها من المشاكل والهموم ما يكفي، مثل تحصين منطقتهم وإنشاء مؤسسات قارّية (مثل سيلاك). لكن الواقع يقول أنهم، فعلياً، قد تدخّلوا، وقد جاء تدخّلهم بأبشع شكل ممكن: ضد الشعوب التي يُفترض أن تكون حليفة وإلى جانب أنظمة ﻻ تقلّ، أخلاقياً، عداوةً ﻷي يساري تحرري عن القوى الغربية المهيمنة. أنا مجرد فرد ضعيف ودون نفوذ، لكن دول أميركا اللاتينية تشكّل اليوم كتلة سياسيّة ضخمة ومستقّلة القرار لأول مرّة منذ عقود، وقد كان بإمكانهم المناورة والعمل على عرقلة محاولات إعادة التغلغل الاستعماري، لكنّهم لم يفعلوا. لقد انسحبوا من أرض الصراع وتركوها خاوية، وقوى الامبريالية، بالطبع، ستدخل إلى حيث يُسمح لها أن تدخل.
أعترف أنني كنت، للأسف، قد صدّقت مقولات تجديد اليسار انطلاقاً من أميركا اللاتينيّة، لكنّ الواقع يقول أن اشتراكيّة القرن الواحد والعشرين ﻻ تختلف بشيء عن اشتراكيّة القرن الماضي، لا سيما في الطريقة التي تُعامل بها رفاق سفرها المفترضين."
..