ليس على المعارضة السوريّة أن ترفض مبادرة الجامعة العربيّة المطروحة مساء الأحد، كما ليس عليها أن توافق. ليست مُطالبة بموقف ﻷن المبادرة، ببساطة، غير موجّهة إليها. كلّ عناصر تنفيذ بنود المبادرة بيد النّظام وحده، وإليه توجّه وهو المُطالب برفضها أو الموافقة عليها. لماذا تتبرّع المعارضة بالرفض عوضاً عنه وتجنيبه حرج رفضها؟ بالمقابل، لماذا ستوافق على شيء ليس بيدها تنفيذه؟
أحد أهم أجزاء مهارة استخدام اللغة السياسيّة هو معرفة متى يجب أن نصمت.
المبادرة المطروحة على الطاولة من قِبل الجامعة العربيّة هي، في الواقع، أقصى ما يُمكن أن يُطرح سياسياً، أكان "برعاية" الجامعة العربيّة أو الأمم المتحدة. المجتمع الدولي ليس بوارد "تدويل" القضيّة السّوريّة كما يريد بعض المعارضة وكما يرفض بعضها الآخر. لذلك، كان من الجيّد لو لم يتمحور العمل السياسي المعارض حول الاحتراب اللفظي بخصوص احتمال غير مطروح من قِبل القادرين على تنفيذه. بدل مطالبة الجامعة العربيّة بـ خطّة "ب" يجب علينا أن نطالب شقّي معارضتنا السياسيّة بفتح الأفق خارج جدل عقيم فعلياً، وقد أضحى، بحق، ابتزازي عاطفياً ومهين عقلياً.. من الطرفين.
اعتباراً من هذه المبادرة، بغض النظر عن قبول النظام بها أو رفضه (والأرجح، شبه المؤكد، أنها مرفوضة ومشيّعة باللعنات من قبله). علينا أن نعلم أننا، عدا تحوّلات مفاجئة ودراماتيكيّة في حسابات القوى الإقليمية والدولية لن تكون معاناة الشعب السوري أو مواقف قوى المعارضة جزءاً منها بأي حالٍ من الأحوال، لوحدنا. كلّما عجّلنا بالاقتناع بهذه الحقيقة كلّما وفّرنا على أنفسنا المزيد من الآﻻم. على المعارضة أن تعود إلى الداخل وتثبت نفسها على الأرض كقوى سياسيّة ذات فعاليّة وتأثير ومقدرة على الإقناع والتأثير (وليس المسايرة واستجداء التأييد) وأن تعمل على تجذير اﻻنتفاضة وتوسيع رقعة عملها لتشمل كلّ قطاعات المجتمع السوري في كل مناطق الجغرافيا السّوريّة وابتكار أشكال جديدة وفعّالة للمقاومة الشعبيّة ضد قوى القمع. ميزان القوى الفاعل في سوريا هو بين نظام استبدادي تسلّطي عنيف وقوى شعبيّة تريد القطيعة معه ومع كلّ ما مثّله خلال العقود الماضية. لكلا طرفيّ الميزان سياستها الإقليميّة والدوليّة، لكن الميزان الأصلي هناك، في الشارع، بانتظار الثقل الحاسم.
..