ليس من الغريب أن يحنّ كبار السن لسنوات صباهم و شبابهم و أن يقضي الكثير منهم الساعات الطوال متحدثاً عنها و عن محاسنها و أن يقارن بينها و بين الأيام الحالية مفضّلاً "أيام العز" في كلّ شيء, لكن عندما يحنّ شابٌ لماضٍ لم يعشه و لا يعرف عنه شيئاً إلا صورةً ورديّة رُسمت في الثقافة الجماعية و يتعصّب لهذا الحنين فربما نكون أمام ظاهرة نفسيّة - اجتماعيّة تستحق الوقوف أمامها و دراستها.
لا يمكن البحث عن سبب واحد و مباشر لوجود هذه الصّورة الورديّة المثاليّة للماضي أمام "وحشيّة" الحاضر و "ظلام" المستقبل, فهذه الحالة على الأغلب هي نتيجة تراكميّة لمجموعة عوامل اجتماعيّة و ثقافيّة و اقتصاديّة و سياسيّة, و تجدر الإشارة خصوصاً إلى أزمة الهويّة و ضياع البوصلة و فقدان كيان معياري أخلاقي و قيمي مميّز و واضح المعالم (و لا أنسى الدّين هنا, لكن حتّى نموذج التديّن الدارج شعبياً يتّصف بالماضويّة), و لا شكّ أن للمنهج الدارج في قراءة التاريخ الخالي من النظرة النقدية دورٌ في منح صفة قداسة و طهارة لهذا الماضي الذي يتكوّن فقط من كم هائل من الإنجازات و الانتصارات و الأمجاد, و لهذا فمن الطبيعي أن يتّجه الفرد و المجتمع إلى هذا الماضي بحثاً عن "معيار" يقيس عليه و يشعر بالأمان بوجوده.
من المهم الوقوف أيضاً عند قيام فعاليات اقتصاديّة بأكملها على هذه الصورة الورديّة للماضي, تغذّيها كاستثمار و تتغذّى من أرباح هذا الاستثمار, مثل الإنتاج الإعلامي (التلفزيوني خصوصاً), أو إعادة إحياء طقوس و عادات كانت منقرضة منذ عقود, خاصّة تلك المرتبطة بالمظاهر الاحتفاليّة في المناسبات الاجتماعية و التي أصبح وجودها من أساسيات الاحتفال و لها شركاتها و مكاتب تعهداتها, و كمثال آخير على هذا يمكننا أن نشير إلى ظاهرة إدراج الكثير من الوسائل الإعلامية الالكترونية زاوية مخصصة لـ "أيام زمان" تُنشر فيها مقالات و أخبار و صور قديمة و تلقى إقبالاً و رواجاً, و من السّهل ملاحظة طغيان لغة التحسّر و الأسى على تلك الأيام في تعليقات القرّاء عليها, أيّاً يكن الموضوع المطروح.
إنّ قوّة وجود هذه الصّورة الورديّة المثاليّة للماضي في الثقافة الجماعية قد أدّى إلى بناء مجموعة المعايير القيميّة و الأخلاقية و المفهوم المثالي للذات و المحيط و العلاقة بينهمها (السوبر أنا في نظريات التحليل النفسي) انطلاقاً من هذه النظرة التقديسيّة للماضي الافتراضي, و وجود مفهوم عقائدي حول الماضي و القناعة بأنّه يشكّل حلاًّ مقبولاً لأزمة الهويّة يساهم في تقوية التعصّب لهذه الصّورة و اعتبارها مصدراً وحيداً للقيم و رفض أي تشكيك فيها و الامتناع عن أي تغلغل نقدي في مقاربتها, و عدا عن الانفصال النفسي و الفكري عن الحاضر و احتقاره (و هي النتيجة المركزية الأخطر لهذا التقديس للماضي) فإن هذه الظاهرة تسبب إدماناً مرضيّاً على جلد الذات (و الذات هنا لا تقصد الإنسان الفرد فقط و إنما تشمل المجتمع ككل) و تحميلها كلّ مسؤوليّة "الحال المزري" لليوم, فأي محاولة للبحث عن أصول المشاكل في الماضي و وضع احتمال أن "هذه الأوحال من تلك الأتربة" و التشكيك بورديّة و مثالية هذا الماضي مرفوضة, و هذا ما يؤدي إلى مقاربات خاطئة و منقوصة لكثير من المشاكل باعتبارها وليدة "اليوم" فقط (و اليوم قد يكون الحداثة ككل, قد يكون نظاماً سياسياً, قد يكون إيديولوجيا, قد يكون ظروفاً اقتصادية أو سياسية أو بيئية.. الخ).
إلى جانب التعصّب لهذه الصّورة المثاليّة للماضي نجد انقطاعاً عن هذه المعايير القيميّة المعرّفة بالماضي, و قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقضاً بين التعصّب لمعايير قيميّة و الانقطاع عنها, لكن ما يحدث في الواقع هو أن هذا الانقطاع هو نتيجة قناعة بأن "الأصول" هي الماضي (كلّ النتاج الثقافي الوصفي للقيم الموجود لدينا الآن هو نتاج ذو لغة ماضوية), و الماضي لا يمكن أن يعود, أي أن هذه القيم هي "ما كان يجب أن يكون" لكنها ليست "ما يمكن أن يكون" اليوم, و لتبسيط و طفوليّة صورة الماضي دورٌ كبير في هذا لأنه يجعل الماضي "سهلاً و بسيطاً" أمام اليوم "الصعب و المعقّد و الخطير", و بساطة و طفوليّة صورة الماضي واضحة تماماً في نتاجها الثقافي الشعبي (المسلسلات التلفزيونية مثالاً و خصوصاً), و كلّما كان هذا المنتج الثقافي أقرب للصورة المتعارف عليها كلّما كان نجاحه (التجاري) أكبر, و في هذه المنتجات نجد دوماً أن المطلقات هي السائدة و لا يوجد أي شيء نسبي أو قابل للسجال أو يحتاج للتحليل أو التفكيك لمقاربته, لا يوجد أي نزاع ذاتي أو صراع فكري أو تناقض أو مفارقة, كلّ شيء واضح و صريح و بيّن و مباشر و بسيط, الخير هو خير مطلق و واضح , و الشر هو شر مطلق و واضح, و الصراع بينهما مباشر, لا يوجد أي خلاف أو اختلاف لا هدفي و لا إجرائي حول كيفيّة فعل الخير أو كيفيّة اتّقاء الشر أو منعه, أي أنّ الإنسان في الماضي كان يكفي أن يكون وفيّاً لذاته و قيمه كي يحصل بشكل آلي و سريع على "النهاية السعيدة" (في العمل, في الزواج, في العلاقات الاجتماعية.. الخ) و دون جهد كبير, أما اليوم فهذا غير ممكن, فإن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب, و إن التزم المرء بهذه القيم التي كانت كافية في الماضي في عالم اليوم فإنه سيغرق حتماً. هناك تناقض رأسي و مباشر في المفهوم الثقافي العام بين الـ "أنا المثاليّة" و بين ما يجب أن يفعله المرء اليوم ليعيش, و لهذا التناقض آثار خطيرة و مدمّرة على الإنسان إن كان بنظرته لذاته أو بعلاقته بغيره, هذا التناقض في المفاهيم يضع الذّات في مواجهة الحداثة و اليوم, و هذه المواجهة تتسبب في إدخال شعور خانق بالعجز و الاستسلام.
تحدّثنا في السطور السابقة عن الإدمان على جلد الذات و عن الشعور الخانق بالعجز و الاستسلام, و ليس غريباً أن نرى أن كلا الأمرين ينتميان لعناصر الاكتئاب المرضي إن كنا نتحدّث عن شخص واحد, هل نستطيع الحديث عن اكتئاب جماعي أو مجتمعي؟
لعلّ في إحدى جزئيات علاقة التعصّب الماضوي بالحداثة و منتجاتها, و هي الخاصة بعلاقتها بوسائل الاتصال و النشر الحديثة مفارقة ملفتة للنظر, فجزء لا يستهان به من التعصّب الماضوي قائم على احتقار منتجات الحداثة و تحميلها مسؤوليّة سرعة انهيار القيم و ازدياد صعوبة و تعقيد العالم بعيداً عن تلك البساطة المفترضة في الماضي, لكن في المقابل تساهم وسائل الاتصال الحديثة في نقل و تحريك الصورة المثالية للماضي و نشرها و ترسيخها (و الاستفادة اقتصادياً منها), كما تجدر الإشارة إلى أنه اختيار الحقبة من الماضي التي يُحن إليها تتبع عوامل كثيرة و يمكن أن تتبدل كتبدّل "الموضات", و قد يكون لهذا التبدّل أسباب ثقافية, عقائدية أو سياسية, فعلى سبيل المثال بدأت مواد سمعية - بصرية أو أدبية نوستالجيّة تجاه الحقبة العثمانيّة بالظهور تدريجيّاً مع تحسّن صورة تركيا لدى العرب بفضل مواقف أردوغان و حكومته, و لا يهم كثيراً أننا طوال عقود حمّلنا الحقبة العثمانية مسؤولية تخلّف العرب و تأخرهم الحضاري, كما يجب القول أن هذا "الحنين" إلى الماضي من عدمه لا يتمفصل عند فروقات إيديولوجيّة بعينها, ربما كان الأمر كذلك في ظروف أخرى يمكن البحث فيها عن تقدميين و محافظين أو حداثيين و رجعيين أو أيّاً يكن, لكن هذا لا يحدث في حالتنا, فلدينا قاسم مشترك واضح (بشكل عام) بين الإسلاميين و القوميين و اليساريين و غيرهم و هو أنّ لكلّ واحدٍ منهم ماضٍ محدد يحنّ إليه.
إن هذا التعصّب للماضي هو نتيجة لأمور يجب دراستها و تفكيكها و البحث في أصولها, و لم تبغ هذه السطور إدعاء مقدرتها على ذلك, كما أنّ لها نتائج هامة على سيكولوجيا المجتمع (و خصوصاً الشباب) و تعامله مع الحاضر و مجابهته بثقة و بناء المستقبل انطلاقاً من هذا الحاضر..