18 آب 2010

شظايا .. XIV

El_sueño_de_la_razón_produce_monstruos

إنّ أوهى أنواع الهويّات و أقلّها صموداً و ديمومةً هي تلك المبنيّة على الكراهية, و لا يعود هذا الكلام إلى نزعة رومانسية نحو الحب بل لأن هذه الهويّات الكارهة لا تقف على أساسات الذات و إنما تتعلّق بشمّاعة الغير و ما تكره فيهم, و هذا يعني أنّها تربط مصيرها بهذا الغير الذي تكره.

عندما يكون المرء أبيضاً لكرهه للأسوَد, صغيراً لكرهه للكبير أو جنوباً لكرهه الشمال فإن عليه أن يتساءل (و يخطط) مَن سوف يكون لو غاب الأسود, مات الكبير, أو مُسِح الشّمال..

...

ماتَ من الجّوع.. فكرّموه بتسمية مطعمٍ فاخر باسمه..

...

أيّ قضيّة لا تضع على رأس أولوياتها غير القابلة للتأجيل مشروع إنسانٍ حي و حر و حيوي و محب للحياة, ذو حقوقٍ تسمحُ له بأن يبني لنفسه تلك الحياة التي يحبّ أن يحيا ليست قضية فاشلة فحسب و إنما يجب أن تُحارب و يحارب معها أيّ ظرفٍ أو عاملٍ يجعلها تسود و لو ثانيةً واحدة في ساعة التاريخ.

...

ليس صحيحاً ما يُقال عن أنّ الإنسان قبل التطوّر التقني كان أبسط و أقل تعقيداً و أسمى مشاعراً. لقد كان معقّداً و بسيطاً و سامياً كما هو الآن, خسيساً و شريراً و نذلاً كما هو الآن, نبيلاً و كريماً و طيّباً كما هو الآن.. الفارق هو أن التطوّر التقني و العلمي منحَ الإنسان أدواتٍ أقوى و أكثر فعاليّة كي يمارس ذاته, فصارت الأعشاب و التعاويذ أدويةً كيميائية و شعاعيّة, و أصبح الحصان طائرةً نفّاثة و ورق البردي بريداً الكترونيّاً.. و أيضاً أصبح السّيف رشّاشاً أوتوماتيكيّاً و الحجر قنبلة عنقوديّة و الشتيمة و اللعنة غاز خردل.

الوحشيّة التي كانت تجعل الفأس الحجري يهشّم جمجمة هي ذاتها التي تدمّر مدينة بقنابل موجّهة بالليزر.. أي أن الإنسان, رغم العلم و رغم التقنية, ما زال على غباء سكّان الكهوف, أي أنه ما زال على تلك "البساطة".

...

التاريخ سردابٌ طويلٌ مظلم.. مليءٌ بالتحف الثمنية و مسكونٌ بالأفاعي السّامّة.

….

اللوحة: غفلة المنطق تُنتج الوحوش (فرانثيسكو دي غوجا)