بتصويت بلدية نيويورك ضد منح الصّفة التاريخية لأحد المباني القريبة من "المنطقة صفر" أوائل الشهر الجاري مُهّد الطريق لمشروع المجمّع الإسلامي المزمع إقامته مكان هذا البناء بكل ما يعني ذلك من رمزية إن كان للموافقين أو للمعترضين, فالآراء تدرّجت بين دعم القرار و مدحه بوصفه خطوة هامة في طريق المصالحة بين جميع الديانات في الولايات المتحدة و بين رفض سارة بالين و باقي أعضاء "حزب الشاي" التي يمكن وصفها بالمتطرّفة و الهستيريّة في إبراز كرهها للإسلام و المسلمين دون أي لفٍّ أو دوران, و رغم أن النظرة الأولى للمسألة قد توحي بتمايز قطبي السجال و وضوح طروحاتهم و نواياهم إلا أنه قد يكون من المفيد البحث عن معاني ممكنة لهذا المشروع قد لا تكون ظاهرة للوهلة الأولى.
لا يتعلّق الأمر بالتشكيك بالنوايا (أو بأغلب النوايا) تجاه إيجابية إقامة مشروع المجمّع الإسلامي في هذا المكان بالذات بكل ما يعنيه ذلك, لكن قد يكون من المفيد التساؤل إن كان هذا المشروع هو الطريق الأمثل لإرساء ثقافة التسامح بين الأديان, خصوصاً بعد الحملة الإعلامية و الثقافية الشرسة التي تعرّض لها الإسلام و المسلمون طيلة السنوات السابقة من ربط عضوي للإسلام بالإرهاب و اعتبار كلّ مسلم مشروع إرهابي حتّى و إن ثبت العكس. هناك خطاب واضح المعالم (و ينال تأييداً من جانب كبير من الجمهور المسلم) يتحدّث عن المشروع كتمثيلٍ لطيّ صفحة الخلاف و إرساء دعائم التسامح و السلام مع الإسلام بعد الأعوام العصيبة السابقة. لن نسأل إن كان هذا الخطاب حسن النوايا أم لا, لكن يجب أن نفكّر بعمق إن كان خطاباً مفيداً للإسلام كدين و للمسلمين كمجموعة إنسانية باعتبارنا نتحدّث عن مسجد بوصفه الرمز الجامع للإسلام و المسلمين.
عندما نسلّم بصحة الحديث عن "طيّ صفحة" فإننا نقبل ضمنياً أن هذه الصفحة التي يريد الجميع أن تطوى كانت مفتوحة مع الإسلام كمفهوم شامل (أي ليس فقط كمجموعة معتقدات و مجموع المؤمنين بها باختلاف درجات التزامهم بهذا الإيمان و إنما كل الدائرة الحضارية المحيطة به, دون استثناء الأقليات الدينية المسيحية و غير المسيحية المقيمة في العالم الإسلامي), أي أن الإسلام هو من فجّر مبنى التجارة العالمي و حافلات لندن و قطارات مدريد (و جميع المسلمين بالتالي مسؤولون عن ذلك), و يزداد هذا المعنى وضوحاً عندما نسمع من يتحدّث عن التسامح و هو يقصد الصفح أو السماح. ألا يمكن اعتبار موافقة السلطات على إقامة هذا المجمع الإسلامي في هذا المكان بالذات و كأنه إعلان صفحٍ عن الإسلام و المسلمين على ما اقترفوه على بعد أمتارٍ قليلة من هذا المشروع ؟ إلا يمكن اعتبار قبول خطاب الصفح هذا (حتى لو كان موجوداً للاستهلاك الداخلي فقط) و كأنه قبول بالتهمة بشكل ضمني و بالتالي اختصار كلّ ما حدث في العقد الماضي إلى هجومٍ للإسلام على "الحضارة الغربية" ردّت عليه الولايات المتحدة و حلفاؤها بالدفاع عن أنفسهم بحروب أفغانستان و العراق (و حروب أخرى عبر الوكيل الإسرائيلي, رأس حربة الغرب المسيحي- اليهودي في صراعه مع الإرهاب الإسلامي حسب توصيف المحافظين الجدد) و الآن ستمدّ الولايات المتحدة يد الصفح و السماح لهذا المعتدي و إنهاء النزاع؟
لا ينفع هذا الخطاب و نتائجه في تبرئة الإسلام من إرهاب تنظيم القاعدة و توابعه (لنتذكّر أن ضحاياهم من المسلمين هم أضعاف ضحاياهم من غير المسلمين) بل أنه يساهم في تعزيز التهمة على الإسلام و المسلمين ككل و بمباركة جمهور إسلامي واسع, و أيضاً يساهم في تبرئة المحافظين الجدد و سياساتهم تجاه المنطقة العربية و الإسلامية التي تسبّبت بمئات الألوف من القتلى و ملايين اليتامى و الأرامل و مشوّهي الحرب و دولتين مدمّرتين بشكل كامل و دون أي أفق مستقبلي إيجابي بالحدّ الأدنى و اعتبارها جزءاً من صراعٍ مع الإسلام خلال فترة عصيبة على الجميع تنتهي بمصالحة على شكل مجمع إسلامي على بعد أمتارٍ فقط من المنطقة صفر, الرمز الأبرز الذي استخدمه المحافظون الجدد لنيل المباركة الشعبية لسياسات و هجمات عسكرية ترتقي (أو تنحدر) إلى مصاف أبشع الجرائم ضد الإنسانية. هل الولايات المتحدة هي المخوّلة أخلاقياً بالصفح و طيّ الصفحة؟
لا شك أن المسلمين الأمريكيين بحاجة إلى تحرّكات ترفع عنهم وصمة الإرهاب التي حُكموا بها على مدى السنوات السابقة, لكن إنشاء مجمع إسلامي في منطقة ذات رمزية معيّنة بشكل معزول دون أي سياسات أخرى لا يكفي, بل ربما يكون له تأثير معاكس, فجزءٌ من الموافقين يرفقون موافقتهم بما يشبه المنّة, و المعترضون يستمرون بأبشع شعارات الإسلاموفوبيا لتبرير رفضهم. لا يمكن حلّ هذه المعضلة دون التصدّي بشكل مباشر للأسباب التي أدت لنشوئها و ترسيخها من إجراءات إدارية و أمنية تمييزية و خطاب إعلامي عنصري و متطرّف في كراهيته الصريحة للإسلام و حقن الرهبة من الإسلام من المسلمين في الثقافة الشعبية عن طريق السينما و التلفزيون و غيرها, وهنا يجب ألا ننسى مسؤولية النخب الاقتصادية العربية ذات الاستثمارات الإعلامية التي لم تكتفِ بعدم الاستثمار في خطاب إعلامي عصري و حضاري و نافع إن كان للاستهلاك الداخلي أو الخارجي بل استثمرت ملايين الدولارات في ذات الوسائل الإعلاميّة التي تظهر عليها سارة بالين و أمثالها للعربدة و الزعبرة ضد الإسلام و المسلمين و للترويج لصراع الحضارات, هذه ليست نظرية مؤامرة و إنما صفقات علنية و واضحة و بيّنة تستحق أن توضع إشارات الاستفهام (و التعجّب) حولها.
لا شك أنّ من حقّ مسلمي أميركا أن يبنوا المجمعات التي يشاؤون, و من حقّهم أيضاً أن يمارسوا شعائرهم بكل الحريّة التي يكفلها الدستور الأمريكي, و أهداف الكثير من الشخصيات الإسلامية البارزة في إدخال الإسلام داخل منظومة التعايش المشترك نبيلة و تستحق التنويه و الشكر, لكن ربما علينا أن نتساءل إن كان الدخول في جدال حول رمزيّة المكان من عدمها مفيدة لهذه النوايا, ليس فقط من جهة إمكانيّة قراءتها كإعلان صفحٍ أمريكي على ذنب لم يقترفه الإسلام بل كان الإسلام ضحيّته, و إنما أيضاً لأن آلية هذا الجدل و إصرار بعض الأًصوات الإسلامية على معركة الوجود الرمزي بشكل خاص يكاد يكون حصرياً قد تحوّل بناء هذا المجمع من قضيّة بحث عن تعايش مشترك و تآخي بين الأديان إلى مجرد نزاع "جكارة و جكارة متبادلة".
..
الصورة: مجسّم مشروع مجمع قرطبة الإسلامي في مانهاتن, نيويورك (المصدر)