08 آب 2010

العام الثاني بعد درويش

mahmoud_darwish_press2

تحلّ الذكرى الثانية لرحيل محمود درويش في التاسع من آب الجاري لتعيد تأكيد تلك المقولة عنه بأنه شاعرٌ بقامة وطن, ففي حين غاب الشاعر في ضباب الموت و انتقل من وضعه كملحمة حيّة إلى أسطورة يترنّح الوطن محاولاً الهروب من سكرات الموت بين عثرات التجاهل و النسيان و العجز و الخيانة و يمشي مساقاً في طريق التصفية قرباناً للمصير الجبّار الذي كانت فلسطين رقماً شاذاً عن حساباته يجب مسحه و إنهاؤه.

لا يمكن إحياء ذكرى رحيل شاعر فلسطين دون المرور بأسى على حال تلك الأرض التي بنى مدنها و قراها و زرع بياراتها و مزارعها في وجدان أبناء اللجوء الذين كانوا يرون في مخيّلتهم السحرية عن طريق شعره ذاك الوطن الذي ينتظر عودتهم مفتوح الفؤاد و مرفوع الرايات.. مات الشاعر و غُيّب الوطن و ما زال اللجوء لجوءاً..

تصل الذكرى الثانية لوفاة محمود درويش إلى انسداد الأفق و ابتعاد المستقبل و فشل محاولات الهروب إلى خبايا قصائده للبحث عن وطنٍ كان يجب أن يكون رغم كلّ شيء, لكنه لم يكن بسبب كلّ شيء. الشعب الفلسطيني اليوم يعاني انقسام قيادته و نخبته و ضياع حقوقه بين محتلِّ غاشم لا يرحم و شقيقٍ أشقّ تحملاً من عدوِّ حاقد.. لقد كان الأمل ملجأ اللاجئين و مهرب الحالمين فأقام الواقع حاجزاً عسكرياً في الطريق إليه و جرّد العابرين من جوازات سفرهم إلى المستقبل, حتى لو كان مستقبلاً متخيلاً.

كانت فلسطين قضيّةً واحدة صعبة و لكنها بدل أن تُحل انقسمت إلى عشرات القضايا شبه المستحيلة, أصبح الخبز اليومي قضيّة, حصّة المدرسة قضيّة, المشي في الشارع قضيّة, الحياة بحدودها الدنيا أصبحت أمّ القضايا! هذا عدا عن معاناة الشتات الفلسطيني الذي يعاني ضيافة الأشقاء و عطفهم و حنانهم و تمسّكهم بحق عودتهم إلى ديارهم فقط لجعل إقامتهم جحيماً يجب أن يشكروا عليه.

ليست هذه الطريقة هي الأفضل و الأجمل لرثاء أحد أهم شعراء القرن العشرين, لكنّ الواقع اليومي حبس الحلم في زنزانات المستحيل و كبّل الكلمات بسلاسل التشاؤم اللزجة كالدم المراق في ملحمة العذاب المتجدّدة و المزمنة. إن القضيّة تطرد اليوم أبناءها من حولها أملاً منها في أن يهربوا من المصير الذي تُساق إليه, متجاهلةً أن مصيرها هو مصيرهم مهما هربوا و ركضو وراء الأشجار و الصخور و أحلام اليقظة و المنام.

تدريجياً نبدأ الحديث عن درويش كذكرى تبتعد.. و عن فلسطين ككوكبٍ من الخيال العلمي.. لكننا ما زلنا نتحدّث..!

كلّ سوداوية الواقع و كل تشاؤم الواقعية لا يمكنهما أن يمنعا حقيقة أن فلسطين ليست مجرّد حسابٍ يُصفّى, و أن الإنسان الفلسطيني و من ورائه الملايين الذين نالت كرامتهم الجنسية الفلسطينية سيصمدون ما دامت كلمة الصمود ابنة لغة الضاد.

لروح درويش تحيّة.. و لأرض فلسطين سلامٌ..

..

مصدر الصورة