24 آب 2010

أوراق كفر نصر ( 3 ): أبو فخري

BrokenByJosephMinton

-1-

أبو فخري هو صاحب الورشة الوحيدة لصناعة الأواني الفخارية في كفر نصر, و هي مهنةٌ ورثها أباً عن جد و قدّمت له, عدا عن وضع مادّي أفضل بكثير من غالبيّة أهالي البلدة الذين يعتمدون في رزقهم على انتظار غمامةٍ تائهة علّها تروي حقولهم العطشى, قدّمت له اسم ابنه البكر, فحين كان يافعاً كان أقرانه الغيورين من غناه يسمّونه "أبو فخّار" و يستمتعون برؤيته يغضب و يبكي رافضاً هذه التسمية, لكن رأيه تغيّر بعدما كبر و عرف أن الفخّار هو مصدر رزق كبير, و لذلك اشتقّ من حروفه اسم أول أبنائه.

-2-

بعد أكثر من عقدين من تسلّمه شؤون الورشة بعد وفاة والده اكتشف أبو فخري في إحدى زياراته للعاصمة أنّ تجارة الأواني الزجاجيّة و البلاستيكيّة أرخص كلفةً و أسرع ربحاً من صناعة الفخّار و بيعه, فحوّل الورشة إلى متجر مستلزمات منزلية من أواني و أدوات مطبخ, و كان يستجرّ بضاعته من أحد تجار الجملة الذين يتعاملون مع الصنف الرخيص و يبيعها في البلدة بضعف سعرها للسكان الذين أقبلوا على شراء البضاعة الجديدة بحماسٍ و أعجبوا بنوعيّة الأواني الجديدة و اعتبروا وصولها تطوّراً كبيراً في البلدة باعتبار أنها قادمة من العاصمة.

بعد أقل من سنتين على افتتاح المتجر اكتشف أبو فخري أنّ هناك ربحاً أكبر يمكن أن يأتي لو يبدأ باستجرار الأواني الزجاجية و هي مليئة.. بالمشروب! و لذلك بنى قاعةً كبيرة بجانب المتجر و افتتح بها حانةً و كلّف ابنه الأكبر فخري بإدارتها, و ازدهر المشروع الجديد بسرعة رهيبة, ما جعله يترك المتجر القديم لابنائه الصغار و يجلس على كرسيه الأشبه بالعرش في الحانة.. كان قد أصبح أغنى أغنياء البلدة.

-3-

ذات مساءٍ فُتح باب الحانة, التي كانت مليئة كالعادة, و دخل أبو فخري عارياً كما ولدته أمّه, و فوجئ الحضور بهذه الطلّة الغريبة فجعلوا ينظرون إليه بدهشة و بصمت و هو يتجوّل بين الطاولات و عيناه تلمعان بشدّة و على فمه ابتسامة توحي بمزيجٍ من الغموض و البلاهة..

وصل إلى "عرشه", لكنه لم يجلس, و استدار نحو الحضور و بدأ يشتم غباءهم الشديد و جنونهم في اختراع جدّ لم يكن له وجود فقط من أجل تحميله مسؤولية ما يجري لهم من نكبات, و بعد أن انتهى من الحديث إليهم بصيغة الجماعة بألفاظٍ فاحشة لم يسمعها أحدٌ منه قبلاً همّ بتناولهم فرداً تلو الآخر بالشتم و بتذكيرهم بأسباب حياتهم البائسة, و لم يكد ينتهي من "ضحيته" الأولى حتى طارت الكؤوس و الزجاجات و الكراسي تجاهه و كأنها أقلعت بإيعاز صفّارة خفيّة, و لم تزل تنهال عليه قطع الأثاث و الأواني حتّى أسلم الرّوح..

-4-

فور تأكّد روّاد الحانة من وفاة أبو فخري تحت ضرباتهم و رجماتهم التفتوا نحو فخري و شرعوا يعزّونه و يشاركونه حزنه و ألمه, و سرعان ما اتفق الجميع على أن العجوز كان ممسوساً و لم يكن هو الذي يتحدّث بل أحد الشياطين الرجيمة, و لذلك كان قتله أفضل ما يمكن فعله له. ارتاح الجميع لهذا الاستنتاج و شربوا نخب أبو فخري حتّى قبل أن يرفعوا عن جثّته بقايا الكراسي المتكسّرة.

اتفق رجال البلدة على دفن أبو فخري في الطرف الآخر من التلّة بدل المقبرة من أجل عدم منح فرصة للشيطان الذي ركبه لإقلاق أرواح المدفونين, و خلال فترة زمنية بسيطة تحوّل أبو فخري في أذهان أهل القرية إلى ولي و صاحب كرامات, فبنوا سوراً حول قبره و طلوه بالأسود و الأبيض و شرعوا يزورونه التماساً لشفاءٍ أو إنجابٍ أو رزق, و أصبح لفخري هيبة إضافية عدا عن غناه و امتلاكه للحانة بأن اعتبروه صاحب قدرات سحرية بفضل قدرته على الاتصال بوالده.

-5-

لم تدم أسطورة أبو فخري كثيراً, فعندما بدأ أبو نصر بالحديث عن انتسابه لذريّة نصر نسي الجميع أبو فخري و كراماته, لكن عادة زيارة القبر و التبرّك به لم تنقطع إلا أنه لم يعد قبر أبو فخري بل أصبح قبر نصر, الجد الأكبر.. و حين اختفى "الخواجة" و نسيه أهل البلدة أٌهمل القبر و تحوّل بعد ذلك إلى مزبلة, أسوةً بمقبرة البلدة, و بذاكرة أبنائها..

الجزء الأول: البلدة

الجزء الثاني: الخواجة

اللّوحة: Broken- Joseph Minton