-1-
كم مضى عليه و هو يهرول في البرّية المقفرة؟ كم ساعةً مضت منذ أن فقد مطاردوه أثره؟ ما هذه البلدة القميئة النائمة على سفح تلّة رمادية جرداء؟
دفع باب الحانة دون أن ينجح في تجنّب النظر خلفه و كأنه يتأكد للمرّة الأخيرة أنه ضلل ملاحقيه, و حين أصبح داخل تلك الحانة القذرة تجمّد أجزاءً من الثانية عندما رآها مليئة بالرّجال.. أيّ حجّة سيستخدم لتبرير وجوده في هذه البلدة الضائعة من كلّ شيء؟ لا بأس.. ستسعفه البديهة بشيءٍ ما, و على كلّ حال لم يبد أحدٌ اهتماماً و لا انتباهاً للغريب الداخل.
جلس بجانب أول رجلٍ رآه منحنياً على قدحه يضحك و يبكي في آنٍ معاً, و بعد لحظة صمتٍ سأله:" يا أخ.. اعذرني فأنا مسافرٌ غريبٌ عن المنطقة, ما اسم بلدتكم؟"
كمن يرى كائناً مريخياً أخضر اللون بحلق الرّجل في الغريب و هزّ رأسه نافياً, و حين كرر الغريب السؤال عن اسم البلدة رفع الرّجل صوته كي يسمعه الجالسون على المنضدة القريبة و قال:" هذا الرّجل يريد أن يعرف اسم هذه البلدة, هل تمتلك هذه البلدة اللعينة اسماً؟"
هكذا بدأ الجدال حول ضرورة إيجاد اسمٍ للبلدة, و بقيّة القصة معروفة..
أصبح اسم البلدة "كفر نصر" و أصبح الغريب "خواجة" عندما أخرج من زوّادته قطعتين فضّيتين و طلب من صاحب الحانة أن يسقي الجميع احتفالاً باسم البلدة الجديد.
-2-
انخرط الخواجة في حياة البلدة بسرعةٍ ارتاح لها كثيراً, و ساعده على ذلك أن البلدة و سكّانها قد اعتادوا على غياب الأجوبة فلم يطرحوا الأسئلة.. و توطّدت علاقته بفخري الذي أجّره أحد بيوته الخالية عندما رأى ثروته الفضّية ثم أدخله شريكاً في الحانة لذكائه و نظرته التجاريّة الثاقبة, فقد اقترح الخواجة على فخري أن يُعلن للزبائن أنّ الحانة تقدّم قدحاً رابعة مجّانية بعد كلّ ثلاثة أقداح, و بنفس الوقت يرفع سعر القدح إلى الضعف و يخفّض كمّية المشروب إلى النصف بخلطه بالماء, و بهذا الشكل يحتاج السكارى لطلب مزيدٍ من الأقداح قبل أن يسقطوا على الأرض مغشياً عليهم, فالشرب دون الوصول إلى أعلى درجات السكر عارٌ على الرّجال.. لم يكن أحدٌ يذكر أصل هذا العرف المقدّس و لكن الخواجة استنتج أنّ لفخري يدٌ في كتابته في الأذهان.
بمرور الأيام ازداد فخري و الخواجة ثراءً بنفس الوتيرة العجِلة التي ازداد فيها أهل البلدة فقراً.. و قد احتار الرّجال في سبب نفاذ نقودهم بهذه السرعة الرهيبة, فالآن يشربون أربع أقداح بسعر ثلاثة فأين يذهب المال؟ و قد اضطر أغلبهم للاستدانة من الخواجة بفائدة عالية لم يعترضوا عليها لغياب البديل و لخوفهم على هذا القدح الرّابع الذي روّج الخواجة أنه مجّاني بفضله..
-3-
تزامن نسيان الرّجال أصل اسم بلدتهم و ظهور أسطورة جدّهم الأكبر نصر مع تبدّل اسم الخواجة, الذي لم يعد أحدٌ يذكر متى و كيف ظهر في القرية, تدريجياً إلى أبي نصر, و أصبح يلبس ثياباً بيضاء ناصعة بصفته حفيداً مباشراً للجد الأكبر نصر, و قد اقتنع أهل البلدة جميعاً أن أبو نصر هو الحفيد المباشر للجد الأكبر, أي ابن ابنه الوحيد, فباقي أبناء البلدة هم أحفاد نصر غير الشرعيين و ناتجون عن فسقه و فجوره و لذلك هم ملعونون, بينما أحفاد نصر من ابنه الشرعي الوحيد هم الناجون من لعنة النحس, و لم يعرف أهل البلدة أيضاً من أين جاءت زوجة أبي نصر التي لبست الأبيض الناصع هي الأخرى و نالت صلاحية تسخير نساء البلدة للعمل في بيتها متى ما شاءت.
كان أبو نصر كثير الحديث عن الجدّ الأكبر, يبجّله و يعظمّه أو يلعنه حسب ما يقتضيه سياق الخطاب, و قد ساهمت هواية فخري في السحر في منح أبي نصر سمعة القادر على شفاء الأمراض بقدراته الخارقة النابعة من نسبه الشريف.. لم يشف أحدٌ ببركات أبي نصر لكن لم يجرؤ أحدٌ على التشكيك بهذه القدرات..
-4-
ذات صباحٍ مغبر كالعادة وصل إلى القرية مرسالٌ مستعجلٌ من العاصمة طالباً مقابلة مختار البلدة, فأوصله الرّجال إلى دارة أبي نصر الذي كان يقوم بكل أدوار السلطة بالتشاور مع فخري, الذي ترك العمل في الحانة لأجراءٍ أوفياء و لبس هو الآخر الأبيض و استوطن مضافة الدارة جالساً على يمين أبي نصر. و سأل أبو نصر المرسال عن مراده فأخبره أنّ الحكومة الجديدة تنوي استثمار أموالٍ طائلة في المنطقة لتنميتها بعد عقودٍ طويلة من الإهمال التام, و أنها تطلب من مخاتير البلدات الحضور إلى العاصمة لكي يعرضوا متطلّبات بلداتهم و ما حولها من بنى تحتية و أبنية و غيرها, و فور نيل الموافقة على طلباتهم سيُمنحون المال اللازم لإقامة هذه المشاريع ليديروها بنفسهم و بهذا الشكل يساهمون في تشغيل أبناء المنطقة في هذه المشاريع.
سمع الرّجال كلام المرسال فانفجروا فرحاً و احتفالاً.. شاتمين التلّة الجرداء التي أكّدوا أنهم سيفجّرونها و يقيمون حديقةً غنّاء مكانها, و شكروا أبو نصر على هذه النعمة التي حلّت على البلدة بفضله و ببركته, و طلبوا منه الإسراع بالسفر إلى العاصمة كي يحصل على الأموال الحكوميّة بأسرع وقت ممكن, فاستجاب أبو نصر لمطالبهم و وافق على السفر بعد تمنّع متصنّع أراد منه أن يترجوه و يناشدوه و يمدحوه أكثر كي يوافق.
بعد ساعات قليلة فوجئ الرجال بوصول شاحنتين كبيرتين إلى دارة أبو نصر, نزل منهما بعض الشبّان الذين بدأوا بتحميل كلّ الأثاث و المتع و الكنوز الموجودة في الدارة, فذهبوا للاستفسار من أبي نصر فقال لهم:" هذه سياسة يا سادة, باشوات العاصمة ينتظرون أن يأتي إليهم مخاتيرٌ جهلة و فقراء يستطيعون الضحك عليهم بالملاليم, لكنني سوف أذهب إليهم بكامل حلّتي و مظاهر قدراتي لكي يعرفوا أنني لن أرضى بالفتات, و بهذا الشكل سيدفعون أكثر". أعجب الرّجال بحنكة أبي نصر و حكمته و تدافعوا راكضين إلى بيوتهم ليجيؤوا منها بكلّ شيءٍ ثمينٍ يملكونه للمساهمة في أبّهة موكب أبي نصر إلى العاصمة, و كان آخر العائدين بحملهم هو حمدي, الذي جاء راكضاً و هو يحاول ربط قشاطه الجلدي بعد أن اضطر لخلعه لـ "إقناع" زوجته بالتخلّي عن آخر أساورها.
بعد الانتهاء من تحميل كلّ الأمتعة انطلقت الشاحنتان خلف سيّارة سوداء فارهة قدمت هي الأخرى لتحمل أبي نصر و زوجته, و لحق كلّ الأهالي بالموكب حتّى خرج من البلدة, و كان أبو نصر يطلّ عليهم من نافذة السيّارة ملوّحاً بيده و واعداً بالعودة خلال أيامٍ قليلة.. أسبوع أو أكثر قليلاً.
-5-
انتظر أهل البلدة شهراً كاملاً عودة أبي نصر بأموال الحكومة و بأموالهم التي أخذها كي يرى أهل الحكم أنه لن يقبل بالفتات, و بعد اليوم الأربعين نسيه الجميع و عادوا إلى روتينهم الأزلي الكئيب, و خلع فخري اللباس الأبيض و طلّق زوجته و طرد الأجراء و عاد للعمل إلى حانته و ألغى القدح الرّابع المجاني و رفع سعر الأقداح و أضاف المزيد من الماء للشراب.
بعد أكثر من ستة أشهر على رحيل أبي نصر, و قبل الفجر بساعتين قال أحد الرّجال في الحانة:" يأتي على بالي منذ أيامٍ لقب الخواجة و لا أعلم لماذا.. هل يعني لكم هذا اللقب شيئاً؟".. تجاهله جميع الحضور الملتهين بأقداحهم و أحزانهم, لكن فخري رفع دلو ماءِ قذرة و أفرغه فوق رأسه صائحاً بوجهه:" قد شربت كثيراً و صرت تهذي, أغرب عن وجهي و انطلق إلى بيتك.. سكير!" و بصق خلف الرجل المسكين الذي خبط الحائط بوجهه قبل أن يجد الباب و يفتحه بصعوبة..
..
اللوحة: Joseph Minton- Delusion