05 آب 2010

أوراق كَفَر نصر ( 1 ): البلدة

Joseph_Minton_Disturbance2

-1-

لا تكلّف نفسك عناء البحث عن كفر نصر لأنك لن تجدها في أيّ مصوّر أو خريطة, فقد حملت متاعها و سكّانها و أحزانها و رحلت عن جميع الخرائط ذات يوم. أو طُردت منها. أو لم تُقبل فيها أساساً.. تتناوب الرّوايات حسب درجة سُكر و عمق اكتئاب البلدة أو أبنائها عند تكرار الرّواية.

لا شيء يجاور كفر نصر إلا تلّة جرداء و بائسة فشلت في الهرب من جارة الشؤم أسوةً بكلّ الغابات و الأنهار و الوديان و البحار و الصّحارى. و لم يكف التلّة المسكينة همّاً بجارتها البغيضة بل كان عليها أن تتحمّل حسراتها و آهاتها على عدم توفيقها بجارِ ذو قيمة كنهرٍ أو غابة, أو على الأقل بادية شهيرة بدل تلك التلّة العفنة و البشعة. كم تمنّت التلّة أن يشقّها زلزالٌ و يفتتها حجارةً تنهار على الجارة الشمطاء و تدفنها إلى الأبد.. أو معجزةً تحيلها بركاناً لتصبّ حممها الناريّة على البلدة و تحيلها تماثيلاً سوداء متفحّمة و تصير متحفاً يقصده الزوّار و السيّاح.

-2-

لا يمشي الزمن في كفر نصر بل يزحف على بطنه المشققة كثعبانٍ عجوزٍ يحتضر. لا ساعة تعمل فيها و لا تقويمٌ يصيب. لا أيامٌ لا أسابيعٌ لا فصول.. إلا فصول مسرحيّة النكبات الأزليّة.

لاقمراً يطلّ عليها و لا نجوم.. لم تستطع الشمس أن تتجنّبها بالكامل لكنها لا تشعّ عليها إلا ببقايا ضوءٍ يمرّ فوقها غاضّاً بصره و حابساً أنفاسه, ثم يرحل مسرعاً ليترك مكانه لظلامٍ منه الليلُ براء.

-3-

قعدت البلدة عقوداً بلا اسمٍ, فلا أحد يقصدها و نادراً ما يخرج منها أهلها, و حين يذهبون لبلداتٍ أو مدنٍ أخرى لا يحتاجون للتعريف عن أصلهم لأن "شؤمهم في وجوههم". لكنّ أهلها قرروا يوماً أن يختاروا لها اسماً مميّزاً (و لسبب هذا القرار قصّة ستأتي) و اجتمعوا للتشاور حول الأمر. لم يعرفوا في البداية أين يبدؤون بالبحث حتّى وصل فخري و طالب بأن يكون اسمها مركّباً و أن يبدأ بـ "كَفَر" كالبلدات المحترمة حسب رأيه, لم يعترض أحدٌ على طلبه لأن أحداً لم يكن يملك رأياً آخراً و لأنهم فضّلوا عدم معارضة فخري في كلامه, فأهل البلدة يتحدّثون عن ولعه بالسحر و معرفته بتعويذات تسلّط النحس على من يريد.. لم يكونوا متأكدين إن كان من الممكن أن يوجد نحسٌ أكبر من الذي ولدوا عليه لكنهم قرروا عدم قطع الشكّ باليقين, و عدا عن ذلك كان فخري صاحب الحانة الوحيدة في البلدة و كان يسمح بالسُكر "على الحساب" لمن يعتبره صديقاً.

حسناً.. ليكن ما يريد فخرى, لكن كفر ماذا؟ لا يوجد شيء مميّز في البلدة إلا التلّة.. عندها اكتشف الأهالي أن التلّة البشعة التي يكرهونها و يكرهون جوارها هي سمتهم المميّزة الوحيدة, لكنهم رفضوا الاعتراف لها بهذا الفضل لأن كرههم لها أكبر من أيّ رغبة بالصراحة و المصارحة.

لم يكن لديهم أفكار..!

بعد لحظاتٍ طويلة من الصمت الثقيل صاح معلّم البلدة بحماس: "لنسمّها كفر نصر !"

كفر نصر يا مجنون؟ من أين نعرف نحنُ النصر؟ لم تنتصر البلدة في شيءٍ أو على أحدٍ في تاريخها كلّه, و لا يعرف أهلها انتصاراً و إن كان على مخداتهم, فحتّى الألعاب التي يمارسها الأطفال في أزقّة البلدة القذرة حوّرت قوانينها لكي يخسر الفريقان دوماً كي لا يتغيّر الجو على الصبية و يمرضون بالبهجة.

استمع المعلّم لاعتراضاتهم بتكشيرة ماكرة, و حين صمتوا أجابهم:" و منذ متى يعني النصر نصراً؟ إن هذه الكلمة لأسوء من الحرباء في تلوّنها, كما أنها توافق برضىً على استخدامها في أيّ مكانٍ دون التدقيق في المعنى. انظروا إلى آداب الشعوب.. أكثر الشعوب حديثاً عن الانتصارات في أشعارها و خطاباتها و في أسماء مواطنيها و شوارع عواصمها هي تلك التي تعبر الزمان قفزاً من هزيمة إلى هزيمة. المنتصرون لا يتحدّثون عن النصر لأنه أمرٌ اعتيادي و بديهي لديهم, و لا أحد يتحدّث عن الأمور الاعتيادية.. أم أننا نتحدّث هنا باستمرار عن شؤمنا و بؤسنا و سوء طالعنا؟"

الحقيقة لم يكن لأهل البلدة حديثٌ سوى عن شؤمهم و بؤسهم و سوء طالعهم, لكنهم لم يعترضوا على كلام المعلّم لعدم وجود اقتراحٍ آخر.. و أيضاً لأن المعلّم هو الوحيد الذي يتقاضى معاشاً من الحكومة في البلدة, و حين يغرق في السكر في الحانة فإنه يدفع ثمن الأقداح لمن يعتبرهم أصدقاءه.

-4-

بعد أيامٍ قليلة ذهبت قصّة اختيار اسم كفر نصر أدراج الرّياح المغبرّة المسمومة التي تعصف بالبلدة عند العصر.. ففي اليوم التالي لأول جلسة نواحٍ جماعيّة في الحانة كان أهل البلدة جميعهم مقتنعين أن أصل اسم البلدة يعود إلى "كفرَ نصر" (بفتح الرّاء) , و نصر هو جدّهم الأكبر المشترك, و قد كان شريراً زنديقاً و لذلك فقد عوقبت ذريته بالحكم عليها بالعيش في الشؤم محبوسين في بلدة الشؤم إلى الأبد.. لم يكن أحدٌ قد سمع أو تحدّث عن هذا الجدّ الأكبر قبلاً, لكن الأسطورة نالت تقبلاً و تبناها أهل البلدة بحماسٍ لأنها كانت تفسّر لهم سواد معيشتهم و تبرر لهم عدم محاولتهم تغيير واقعهم, و مع الوقت أصبحت أساساً للفخر بالنّسب و الاعتزاز بالقبيلة ذات المصير المشترك.

لم تمض أيامٌ كثيرة حتّى تمدّدت الأسطورة و شملت التلّة, ففي جلسة النواح التالية قرر المجتمعون أن التلّة هي رأس جدّهم الأكبر الشرير و الزنديق, و لذلك قرروا تسميتها "قَرعة نصر", و أصبحوا يحلفون بـ قرعة نصر, أو يلعنون قرعة نصر, حسب سياق الكلام.. لم يكونوا متأكدين من مشاعرهم تجاه الجد الأكبر.

كانت التلّة المسكينة تستمع لوعودهم و لعناتهم بصمت و هي تلعن قرعة آبائهم و أجدادهم و أجداد أجدادهم بنفس همّة لعنها لقرعات شجرة عائلة سوء حظها الذي رماها بجوار هؤلاء المجانين التعساء.

-5-

لا يتميّز أهل كفر نصر بكثرة الذكريات و جودة الذاكرة, فالنعمة الوحيدة المتاحة (و بوفرة) في هذا القبر المفتوح المسمّى كفر نصر... هي نعمة النسيان.

..

اللوحة: Joseph Minton- Disturbance