31 تموز 2010

سانتا تيكلا.. القداسة المتجددة

DSCN4590

طوال العصور و القرون امتلكت المرتفعات (خصوصاً تلك المطلّة على البحار و المحيطات) أهميّة عظيمة للحضارات و الشعوب التي سكنت مختلف أرجاء المعمورة ليس فقط لأهميتها الاستراتيجيّة و سهولة التحصّن بها و الدفاع عنها في وجه الغزاة بل أيضاً لأن الإطلالة على مساحات شاسعة من الأرض و البحر و عدم مقدرة العقل البشري آنذاك على تصوّر نهاية تلك المساحات دون معتقد غيبي أو سحري ساهم في بناء الميثولوجيّات الوثنية و جعل لتلك المرتفعات موقعاً هاماً في الديانات و المعتقدات الوثنيّة (و نستطيع الاعتقاد بأن قائداً عبقرياً في لحظةٍ من لحظات التاريخ أمر مشعوذيه أن يعظّموا من الشأن الروحاني لهذه المرتفعات ليضمن استماتة جنوده في الدفاع عن هذه المواقع الاستراتيجية تقرّباً من الآلهة).

لم يتغيّر هذا الشأن كثيراً بعد مجئ الديانات السماوية و حلولها محلّ المعتقدات الوثنية, فرغم أن النصوص الأساسية و المعتقدات الرئيسية لا تمنح القداسة إلا لمواقع و أماكن محدودة جداً إلا أن الموروث امتزج مع معتقدات الديانات الجديدة و ظلّ للكثير من المواقع المقدّسة القديمة أهمية "روحانية" في المعتقد الشعبي, فلو بحثنا في تاريخ الكثير من المواقع التي نجد فيها اليوم دلالات و رمزيات دينية مثل المقامات و الأضرحة و التماثيل و غيرها سنجد أنها كانت مقدّسة أيضاً أيام المعتقدات الوثنية, و قد تعود بعض الممارسات و العادات التي يُراد منها التبرّك أو العلاج إلى المعتقد الوثني إلا أن التبرير قد تحوّل إلى الديانات الجديدة. و موقع جبل سانتا تيكلا الذي جلبت بعض الصور منه هو مثالٌ عن هذا الأمر.

يقع جبل سانتا تيكلا في أقصى الجنوب الغربي لإقليم غاليثيا الاسباني و يبلغ ارتفاع قمّته حوالي 350 متراً و يطلّ مباشرة على المحيط الأطلنطي من الغرب و مصب نهر مينيو (الذي يفصل بين جنوب إقليم غاليثيا و شمال البرتغال) جنوباً, و للجبل تاريخٌ حافل يعود إلى العصور البرونزيّة حيث سكنته القبائل الكاسترنسيّة في قرى محصّنة عديدة ما زال بقايا بعضها موجوداً. و قد استوطنت القبائل الكاسترنسية (نسبةً إلى كلمة "كاسترو" الاسبانية العائدة إلى "كاستروم" اللاتينية, و هو الاسم الذي أطلقه الرومان على هذا النوع من القرى المحصّنة المقامة في المرتفعات) مناطق شمال غرب جزيرة إيبريا (أقاليم غاليثيا و أستورياس و كنتابريا و ليون بالإضافة إلى شمال البرتغال) منذ العصر البرونزي و حتى احتلال الرومان لإيبيريا حيث اندثرت هذه الحضارة و لم يبق منها إلا آثار قراهم و الكثير من الرموز و المنحوتات الحجريّة (بيتروغليفيّات). و قد كان جبل سانتيا تيكلا أحد أهم مرتفعاتهم الاستراتيجيّة- المقدّسة التي تحصّنوا بها و قاوموا الغزو الروماني خلال الحروب الكاسترنسيّة التي انتهت باندحارهم و استتاب الأمر للرومان. و رغم نهاية الحضارة الكاسترنسيّة إلا أن الأهمية الرمزية و الروحانيّة لمرتفعاتهم استمرت و إن أخذت أشكالاً جديدة, و عند وصول الديانة المسيحيّة إلى المنطقة سُمّيت الكثير من هذه المرتفعات و المواقع بأسماء القدّيسين و الشهداء المسيحيين و بُنيت الكنائس و المقامات في بعضها و منها سانتا تيكلا حيث شُيّدت كنيسة صغيرة يقصدها الزوّار للتبرّك و استجداء العون للشفاء من الأمراض المستعصية. لكن أهميّة الجبل السياحية لا تقتصر على الجانب الروحاني فالطبيعة الخلابة و الإطلالة الجميلة و الآثار هي أيضاً عوامل جذب قد تفوق في هذه الأيام أهميّة المقصد الروحاني.

سُمّي جبل سانتا تيكلا بهذا الاسم نسبةً للقدّيسة تقلا الأيقونيّة, أولى شهيدات المسيحيّة. و للقديسة تقلا مكانة هامّة في سوريا حيث عاشت و توفيت في مغارة في جبالها و حيث يوجد دير شهير باسمها يقصده الزائرون من جميع أنحاء العالم إن كان لأسباب دينية أو لمشاهدة التميّز العمراني لجانب من منشآته المحفورة في الصخور.

لا عجب في أن يتمتّع هذا الموقع الجميل بأهميّة عابرة للقرون, و ليس سبب الزيارة مهماً للاستمتاع بها.. فيوماً كان موقعاً استراتيجياً, ثم دينياً, ثم أثرياً... الخ. و لعلّ الجميل في زيارة الموقع في الصيف هو الوقوف على القمّة و التمتّع بالنسمات المنعشة القادمة بعنفوان من طرف المحيط و التي تمنح من يستسلم لها لحظاتٍ رائعة من الشعور بالحرّية.. !

..

الصورة: منظر مصب نهر مينيو في المحيط الأطلنطي مأخوذة من أعلى جبل سانتا تيكلا, الضفّة المقابلة للنهر تنتمي للبرتغال, في حين أن الضفة الشمالية (حيث التقطت الصورة) تنتمي لاسبانيا

في حال عدم التمكّن من مشاهدة الصورة في مشغل الشرائح أعلاه أو لمشاهدة المزيد من الصور الرجاء زيارة هذا الرابط