28 تموز 2010

الأزمة الفيروزيّة: الأسطورة و الأيقونة و الذاكرة

fairouz

لو جئنا بشخص بعيد عن واقعنا و خصوصياتنا و جعلناه يرى حجم الصدى الإعلامي الناجم عن الصراع القضائي بين فيروز و ورثة الراحل منصور الرحباني بخصوص الملكية الفكرية لمسرحيات الأخوين رحباني و الحقوق (المالية و غير المالية) المتفرّعة عن هذه الملكية و التحركات "الافتراضية" في الشبكات الاجتماعية و المدوّنات و المواقع الالكترونية المختلفة, ثم أطلعناه على الوقفات التضامنية التي أقيمت في مدن عديدة و بحضور الكثير من مشاهير الأدب و الفن و الإعلام لما استطاع أن يفهم كيف يمكن أن تتحوّل قضية "رويالتيز" اعتياديّة ضمن عائلات الكثير من مشاهير المبدعين من موسيقيين و أدباء و فنانين تشكيليين في جميع أنحاء العالم (و هي ليست قضية استثنائية, بل أن الاستثناء هو ألا ينشب صراع بين أركان عائلة المتوفي) إلى ما يشبه قضيّة دولة, لا بل أن أغلب "قضايا الدولة" في منطقتنا لا تحلم بربع الصدى و التحرّك المرافق لقضيّة فيروز.

لا عجب, في هذا الجو, أن يُهاجم ورثة منصور الرحباني و يُمنحوا توصيفات قد تذهب بعيداً في مبالغتها أحياناً, و ليس فقط لأنهم "تجرأوا" على فيروز, بل أيضاً لأنهم تسببوا بانهيار الصورة الأسطورية المثالية للرحابنة, العائلة الموحّدة و المتماسكة و ما فوق البشرية في إبداعها و حضورها على مدى عقود طويلة, و التي نكتشف الآن "بسبب" ورثة منصور الرحباني أنهم ليسو إلا بشر لديهم مشاحنات و خلافات و نزاعات قد تصل إلى القضاء مثل أي عائلة عادية في مدن عادية و بأملاك عادية قد تختلف و تنقسم و تتصارع على وراثة قطعة أرض أو مقسم أو شقة أو دكّان. ليس غريباً أن يحقد البشر على من يُساهم في تقويض أساطيرهم, خصوصاً تلك التي تحمل جانباً جماليّاً.

كانت فيروز طيلة العقود السابقة تعبيراً عن إبداع الرحابنة, و هذا المفهوم الذي يشابه أيقونة مقدّسة في معبد تقوّض الآن لأننا يجب أن نتحدّث عن عاصي من جهة و منصور من جهة أخرى (و يُقيّم دور منصور في التاريخ الإبداعي للأخوين رحباني سلباً أو إيجاباً انطلاقاً من هوية و هوى من يقيّم أكثر من معرفته بتاريخ الرحابنة في أغلب الأحيان). و لم تُعتبر فيروز يوماً مجرد فنانة و لم تدخل مقياس التقييم الفني أو المقارنة مع قامات فنّية أخرى, بل أن تقييم فيروز أو مقارنتها بغيرها (يكاد يكون) من المحرّمات, و لم يحدث هذا بسبب إجماع كوني على اعتبار أداء فيروز و ألحان الرحابنة و أشعار سعيد عقل و غيره ممن كتبوا لفيروز قمّة الفنون الكبرى التي لا يقترب شيء إلى علوها, بل أن ما حصل إلى حد بعيد هو إرساء مسلّمة لا تُناقش بأن لفيروز مكان آخر تماماً, فن فيروز و غناء فيروز و لحن أغاني فيروز مختلف عن كلّ شيءٍ آخر. إنها لونٌ خارج الطيف اللوني و كوكب منعزل عن أي مجموعة كواكب و له وهجه الخاص و لمعانه المغاير.

قد يكون من الأسلم تقييم ظاهرة فيروز كمادة اجتماعية ثقافية شعبية (على الأقل في المشرق العربي و خصوصاً في بلاد الشام) أكثر من كونها ظاهرة فنّية. ففي لبنان كان فنّ الرحابنة المسرحي تعبيراً ببساطة نصوصه و عفويتها عن الصورة التي يرغب أن يرى فيها لبنانيون كثر بلدهم.. القرية الصغيرة و النبع و المختار, الصراع بين الخير و الحب و الجمال و الجشع و الشر و الخيانة و الكره. لم يكن هناك في قرى مسرحيات الرحابنة محاصصة طائفية و لا أجندات إقليمية و لا قوائم انتخابات بلدية و تكتلات و تحالفات. لقد رسم الرحابنة صورة رومانسيّة للبنان لم تتوقّف فقط عند اللبنانيين سواء كانوا مقيمين أو مغتربين, بل أنهم صدّروا هذا المشهد ربما بطريقة مشابهة إلى حدّ ما لصورة الزيتون و الليمون و شواطئ عكا و مزارع الجليل التي رسمها شعراء اللجوء الفلسطيني في الستينات و السبعينات لبلادهم.

لم تتوقّف هذه الصورة الرومانسية للبلد في لبنان بل أنها وجدت صدىً في مناطق كثيرة من سوريا أيضاً لتشابه الطبيعة الجغرافيّة و النسيج الاجتماعي و إن لم تأخذ طابع التعبير عن "الهويّة الكيانيّة" الذي قُرأ في لبنان (أو الأسطورة المؤسسة للقوميّة اللبنانية على رأي أسعد أبو خليل).

إن دور فيروز في رسم هذه الصورة الرومانسيّة الجميلة و المرجوّة للحياة و البلد قد منحها بحق صلاحية دخول قاموس اللغة الاعتيادية لدينا بحيث أصبح وصف أمر ما بأنه "فيروزي" كناية عن وصفه بالجمال و الحنّية, مثل "الصباح الفيروزي", و هو صباح مثالي متخيّل و كأنه قطعة من الجنة على الأرض, بجوّ جميل و قهوة طيّبة و بصحبة الحبيبة (أو الحبيب) و تحت عبق الياسمين (بالصيغة الدمشقيّة للصباح الفيروزي), و بالطبع بصحبة شدو فيروز. لا يهم أن نسأل عن عدد المرّات التي عاش فيها أحدٌ صباحاً فيروزياً حقيقياً إن كان قد عاشه أصلاً لأن هذه الصورة الجمالية و الرومانسيّة ليست تعبيراً عن واقع بقدر ما هو تعبير عن الأمنية, بنفس المبدأ الذي كانت فيه صورة قرى مسرحيات الرحباني تعبيراً بسيطاً و رمزياً عن البلد الذي يوقظ الحنين بالتحديد لأنه ليس تعبيراً عن الواقع (الحالي على الأقل).

من خصوصيات الظاهرة الفيروزيّة أيضاً أنه, رغم أن عصر تألقها و الموقع الزماني للسواد الأعظم من نتاجها يمكن القول عنه بأنه "زمن آبائنا", فإن الأجيال الشابة الحالية, التي ربما كانت في مرحلة الطفولة المبكرة أو لم تولد بعد عندما توفي عاصي الرحباني, نجدها أكثر تمسّكاً بالأيقونة الرمزية الفيروزية من آبائها, و لعلّ شعبية زياد الرحباني لا تعود فقط إلى فنّه الراقي و تجديده الفريد بل أن هناك أيضاً دورٌ لاعتباره, بشكل أو بآخر, استمراراً للأيقونة الفيروزية. في هذه الحالة لا يكفي الحديث عن دور فيروز في بناء مفهوم الجمالية في المشرق العربي الذي تحدّثنا عنه سابقاً, لا سيما و أن الجمالية, مثلها مثل الكثير من المفاهيم الأخرى (إن لم تكن جميعها), تخضع لتغيرات و انقلابات تتغيّر و تتبدل مع مرور الزمن و تغيرات المجتمع, و بعض هذه التبدلات قد يحدث بسرعة كبيرة و بشكل راديكالي. ربما نستطيع أن نفسّر ظاهرة التمسّك بالأيقونة الفيروزيّة لدى الأجيال الشابّة بأن الاستماع لفيروز, بشكل لا مباشر, هو تعبيرٌ عن الحنين إلى الطفولة.

أغلبنا يتذكّر أغاني و ألعاب (و مسلسلات و أفلام كرتون) من طفولته و ربما يحتفظ بها ككنز و يسترجعها في لحظات النوستالجيا, فآلية بناء الذاكرة لدى البشر انتقائية و تجميلية و كثيراً ما تربط الذكريات برموز (أغنية, صورة, الخ), و حضور فن فيروز الكثيف في فترة طفولة من هم اليوم في العشرينات أو الثلاثينات أو الأربعينات (في البيوت, التلفزيون, الإذاعة, المدرسة.. الخ) قد حوّلها بشكل لا مباشر إلى رمز جماعي في ذاكرة هذه الأجيال. ربما يحدث أمر مشابه مع أغاني مرسيل خليفة القديمة, خصوصاً النضاليّة منها و التي يسمعها الكثيرون و يحتفظون بها ليس فقط لمعناها العقائدي أو الإيديولوجي و إنما لشعبيتها و تواجدها في الإذاعة و التلفزيون أثناء فترة الطفولة و دخولها كرمز في آلية بناء الذاكرة.

حين نرى هذا التعاطف و التضامن و الغضب الجماهيري الواسع لأزمة فيروز و النزاع القضائي الذي تعيشه سنرى بسهولة أنه ليس نابعاً عن رؤية مختلفة لمواد قانون حماية الملكية الفكرية اللبناني أو الدولي و لا علاقة له بالاعتراض على الإدارة القضائية للأزمة, بل أن هناك رفضٌ لكلّ الأزمة من أساسها و اعتراضٌ على أن تُعامل فيروز كأي مواطن عادي و أن تُقحم في نزاعات تجاريّة. لعلّ الشعار الأبرز لحملة التضامن مع فيروز هو التأكيد على أن فيروز أكبر و أعظم و أهم و أقدس من أن تدخل في محكمة و أن يجرؤ أحدٌ على محاكمتها, و ربما لا يتعلّق الأمر فقط بحبّ فيروز و احترامها و التعاطف معها كإنسانة و فنّانة, بل أن الكثير منّا حين يرفض و يحزن و يغضب لأن تُعامل فيروز بهذا الشكل و تُمنع من الاستمرار في العطاء الإبداعي يقاوم وضع مفهومه و أمانيه و أحلامه الجماليّة و الروحانيّة و ذكرياته و ذاكرته في محك المحاكمة القضائية مثلها مثل أي نزاعٍ على آجار شقّة أو محل تجاري.

..

الصّورة