من مفارقات التاريخ أن أغلب ضحايا سكراته كانوا من الذين لا يملكون ما يضحّون به, و لذلك لم ينتج عن عصرهم إلا الدماء. يبدو أن الزمن يلحّ في محاولته إقناع المنطق بأن قدر الفقير أن يكون كريماً حتى و إن لم يملك ما يتكرّم به.
شتّانٌ بين التضحية و الخسارة.. فالأولى وليدة نضال المظلوم, و الثانية نتاج قمارٍ أو مغامرة. تحدث هذه المساواة في زمن اللسان المكبّل, زمن الخسارات الهفوات, الهفوات الجرائم, الجرائم البريئة, البراءة القاتلة, القتل الشريف... نعم, لا عجب أن تصبح الخسارة "تضحية" عندما يمكنها أن تكون انتصاراً حين تريد ذلك, أو حين يريد الخاسرون..
لكن.. إيهما يحتاج الضحيّة أكثر, أن يُبكى "عليه" أم أن يُبكى "عنه".. أم أن الاختيار ترفٌ لا يليق به؟
للضحيّة لغةٌ قلّما يستخدمها, في حين يكثر من يتعلمها و يترجم إليها.. لغة الضحية شبيهة بالتسوّل: قليلٌ صادق يضيع بين كثيرٍ دجّال, و كلاهما خطيران بين أيدي المجرمين.
ضحيّةٌ تعتبر اختيار الجلاّد لها تشريفاً تسعى لأن تستحقه... ياللهجين المسخ بين الشفقة و الاشمئزاز!
....
"القافلة تسير و الكلاب تنبح"
يالها من عبارة مزعجة و خاصةً عندما تُستخدم بدون حساب و لا ضوابط تضمن الحد الأدنى من المنطقيّة. هي شعار التملّق و الزيف و النفاق. لا فرق بين "نباحٍ" و "نباح" لديهم... كلّ ما لا يُعجب, لا يريح, لا يسر... يقال عنه أنه نباحٌ و انتهت المشكلة. أيّ مشكلة؟ ليست إلا كلاباً تنبح يا سيادته.
عندما يحق للمُنتَقد أن يقرر أيّ النقد بنّاء و أيه نباح كلبٍ حاقد فلا عجب في أن يكاد الجنس البشري ينقرض و أن يعاني العالم من انفجار سكاني كلابي!
ليست المشكلة في استخدام نعت "كلب".. فالإنسان لن يتحوّل إلى كلبٍ حتى لو اجتمع كلّ منافقي الدنيا ليقرروا ذلك. المصيبة هي رؤية هويّة من يُفترض بإصرار أنهم "القافلة"...
....
"وفاة طفل إثر سقوطه في حفرة صرف صحي مكشوفة"
بعض الجاهلين بفن الخبر و الصحافة (راجع الفقرة الموجودة أعلاه) سوف يعتقدون أن الصورة المصاحبة لهذا الخبر في أي وسيلة إعلامية يجب أن تكون للحفرة التي وقع فيها الطفل, مرفقة بمخطط يوضح مكانها بالتحديد, و بهذا الشكل تقوم الصحافة بدورها في الإشارة إلى الخطأ و الضغط لأجل حلّه و محاسبة المقصّرين, و خصوصاً إذا كان للخطأ نتيجة فادحة كوفاة طفل..
يا لهؤلاء الجهلة. مَن الغبي الذي سينشر صورة للحفرة إن كان يستطيع نشر صورة لجثّة الطفل في مشرحة المستشفى مع خيار تقليبها و إزاحة الغطاء عنها لإظهار أكبر قدر ممكن من التفاصيل؟ الجمهور يريد رؤية جثث و دماء و يُقبل على مناظر الإصابات و الجروح و التشوّهات حتّى لو كانت خلقية.. "بلا سلطة رابعة بلا مسؤولية صحفية بلا بطيخ!"
المذكور عن خبر وفاة الطفل في حفرة الصرف الصحي حقيقي, و قد نُشر في موقع إخباري سوري شهير مصحوباً بعدّة صور لجثة الطفل في مشرحة المستشفى مأخوذة من زوايا عديدة. علّق على الخبر أكثر من أربعين قارئ و لم يعترض أيٌّ منهم على نشر الصور و لم يتساءل أحد عن مدى إنسانيّة نشر صور جثّة طفل توفي في حادث مؤلم و لا إن كان من حقّ ناشر الخبر اللعب على وتر الإغراء الصفراوي لكسب قرّاء متعطشين لرؤية هذا النوع من الصور أو إن كان التصوير في مشرحة المشفى قانونياً (كي لا نتحدّث عن الأخلاق).
في نفس اليوم.. و تحت خبر وفاة الطفل نُشر خبر احتفال تكريمي أقيم في المعهد الرياضي للبنات, و فيه نُشرت صورة للوحة فنّية للطالبات. كان هناك تسع تعليقات, من بينها ثلاثٌ معترضة على الصور "غير المحتشمة".
ما هذا "الاحتشام" الذي لا يشمل الاعتراض على جعل صور جثّة طفل "فرجة" كقرود حديقة الحيوان؟!
....
للمهووسين بإظهار كم هم صريحون و واضحون و مباشرون: بإمكانكم إن أجهدتم أنفسكم قليلاً أن تصلوا إلى أعلى درجات القسوة في الصراحة دون أن تدخلوا في نطاق الوقاحة و الإهانة. و يمكنكم التجربة و التدرّب على أنفسكم في البداية للتأكد من النتائج.. قبل أن تتصارحوا على غيركم.