ما هو السّر الذي يجعل ملايين الأشخاص يترقّبون تنبؤات الأخطبوط بول؟
لعلّ الكثيرين في مختلف أنحاء العالم قد لاحظوا كيف توجّهت الماكينات الإخبارية و الإعلامية عند منتصف اليوم لتنقل على الهواء مباشرة ما سيقرره أخطبوطٌ في ألمانيا بخصوص نتيجة مباراة كأس العالم النهائية بين منتخبي اسبانيا و هولندا و كيف اهتمّ الملايين بما "تنبأ" به الأخطبوط.
على ما يبدو قرر الأخطبوط أن الفوز سيكون من نصيب المنتخب الاسباني مما يدلّ على أنّه ذوّاقة في فن كرة القدم و يفهم بأصول اللعبة الجماهيرية الأولى.. و إن جاءت نتيجة المباراة بما يؤكد رأي السيّد الأخطبوط فهذا يعني أن هناك آلاف المعلّقين الرياضيين و "الخبراء" الذين لا داع لوجودهم و يمكن الاستغناء عنهم و وضع أخطبوط مكانهم.
إن عدت إلى الجدّية قليلاً فسأقول أنني أعتقد أن كلّ هذه الضجة الإعلامية ليست إلا مجرد مرح و مزاح.. أو ربما أحاول أن أعتقد هذا كي لا أضطر للتفكير في أنّ هناك من أخذ نبوءة الأخطبوط على محمل الجد.. ليس من المستغرب أن نعتقد أن الكثير من الأشخاص قد صدّقوا هذه الابتذالات بكل جدّية و أعطوها أهمية لا تستحقها.. يكفي أن نرى إحصائيات الملايين السنوية التي ينفقها الناس في جميع أنحاء العالم على الشعوذة و قراءة الطالع و السحر و غيرها من الخزعبلات كي نؤكد ذلك.
ربما يحتاج الإنسان أحياناً إلى الاعتقاد أن هناك أشياء "إيجابية" قد تحدث له خارج سياق المنطق الجاف, و قد تكون هذه الحاجة سبباً لإنفاق مئات الملايين من الأشخاص مليارات من الدولارات سنوياً لشراء بطاقات يانصيب رغم أن فرصة الفوز في الجائزة الكبرى مشابهة لاحتمال اصطدام نيزك بالكرة الأرضية خلال الـ24 ساعة المقبلة.
من تعقيدات العقل البشري أنه قادر على إذهال نفسه بنفسه.. و لعلّ في هذا التعقيد جزءٌ كبيرٌ من عظمته..
...
عند كلّ مناسبة رياضية كبيرة يعود النقاش حول العادة السورية شبه المتجذّرة في تعليق أعلام المنتخبات المختلفة على الشرفات و النوافذ و زجاج السيارات لدرجة أنّ كلّ حيّ سوري يتحوّل بفضل هذه الأعلام إلى "حي سفارات" طيلة فترة البطولة.
تتراوح الآراء عادةً بين مدافع عن ترويحٍ عن النفس بتشجيع منتخب دولة من الدول طالما أن منتخبنا الوطني بعيد عن هذه المسائل و بين من يكاد يطالب بمحاكمة هؤلاء الشبان بتهمة الخيانة العظمى!
لا شك أنه من الجيّد أن يُدرس الموضوع سوسيولوجياً, و ليس من المستغرب أن يتم التفكير في علاقة هذه العادة شبه الفريدة من نوعها بشكل من أشكال أزمة الهوية.. النقاش مطروح و مطلوب بلا شك لكن لا أعتقد أنه من يعطي الأمر أهمية كبيرة و يربطه بانعدام الوطنية و ضعف الانتماء للوطن مصيبٌ في رأيه. يجب الأخذ بعين الاعتبار أن جزءاً كبيراً من هذه الأمور لها علاقة بالدخول في جو مختلف عن الروتين الرتيب المعتاد و "استعارة" انتصارات من الآخرين في ظل غياب الانتصارات الذاتية في مختلف المجالات.
أما بخصوص أزمة الهوية.. إن كانت المشكلة الوحيدة التي تواجه هويتنا هي أعلام المونديال فأبشّر الجميع بأننا بألف خيرٍ و عافية إذاً.
...
هناك نقاش حول مسألة الأعلام في اسبانيا أيضاً..
يعتقد الكثيرون أن المنتخب الاسباني يؤدي هذه الأيام بانتصاراته وظيفة اجتماعية-سياسية عجز عن أدائها السياسيون خلال سنوات طويلة, خصوصاً خلال السنوات العشر الأخيرة. من الملاحظ في هذه الأيام انتشار العلم الاسباني في جميع المدن و الأقاليم, حتى في بعض المناطق الإشكالية و المعروفة بوجود نزعة انفصالية كبيرة لدى قطاعات واسعة من سكانها مثل كاتالونيا و الباسك, و في أغلب دول العالم ستكون هذه الظاهرة طبيعية و أقل من عادية, لكنها ليست كذلك في اسبانيا لأسباب تعود لإشكالية العلم بحد ذاته.
إن العلم الحالي لاسبانيا هو علم الملكية, و هو العلم الذي اعتمده الجنرال فرانكو (عدا الشعار الذي يتوسطّه و هو شعار عائلة بوربون الملكيّة) بعد انتصاره في الحرب الأهلية الاسبانية (1936-1939) و لذلك لا يتمتع هذا العلم باعتراف جزء لا بأس به من الطيف السياسي (الجمهوري اليساري) الذي يرى فيه علم الحقبة الفاشية و علم الملكيّة, و يسهل رؤية علم الجمهورية الاسبانية ثلاثي الألوان في الكثير من التجمعات اليسارية و الجمهورية مثل الخطابات الانتخابية أو المظاهرات بدلاً عن العلم الرسمي. و قد زادت إشكالية العلم خلال الأعوام الأخيرة نتيجة الانقسام القطبي الحاد في الطيف السياسي بسبب سجالات حول تعديل مواثيق الحكم الذاتي في العديد من الأقاليم الاسبانية لدعم لامركزية الدولة و خصوصاً في الشؤون الاقتصادية و التعليمية و اللغوية, الأمر الذي اعتبره اليمين الاسباني تهديداً للوحدة القومية و جعله, بشكل أو بآخر, يستحوذ على العلم و يحتكره و ينصب نفسه كحامي حمى اسبانيا الموحّدة حول هويتها القوميّة التاريخية (والكاثوليكيّة) في وجه اليسار ذو التوجه الفيدرالي اللامركزي و المتعاطف مع الشعور القومي لبعض الأقاليم و خصوصياتها الثقافية و اللغوية.
يبدو أن المجتمع الاسباني قد رأى في منتخب كرة القدم عنصراً فعالاً لإخراج الرمز الوطني من دائرة الاستقطاب السياسي إن كان خلال كأس الأمم الأوربية منذ عامين أو في كأس العالم الحالي و تحويله إلى شكل من أشكال "رموز الانتصار" حتى لو كان ذلك بشكل مؤقت و متعلّق بانتصارات المنتخب, و أعتقد أن للأزمة الاقتصادية دوراً في هذا الحسّ الوطني الجامع أيضاً, فالشعور بعدم الأمان يساعد الناس على أن يلتمّوا و يتجمّعوا حول رمزٍ ما.. خصوصاً إن كان رمزاً يدل على الانتصار, حتى لو كان انتصاراً رياضياً.
...
في برنامج تلفزيوني خاص حول المباراة النهائية نزل المقّدم إلى الشارع ليسأل المارّة حول آرائهم و انطباعاتهم, و من جملة المارّة أوقف سيّدة سبعينية ليسألها حول المباراة فأجابت: " لا أحب الفوتبول لكن أريد أن يفوز ريال مدريد, لأن زوجي يشجعه و عندما يخسر الفريق يتعكّر مزاجه و يصبح لا يطاق و لا أريد أن أتحمّله, و لذلك ليربح ريال مدريد", و انتهى وقت المقابلة و لم يكن المذيع قد نجح في إقناعها بأن المباراة لا علاقة لها بريال مدريد.