10 نواران 2010

تخيّل نفسك مكانه ؟!

تُقال عبارة العنوان عادةً عندما يُراد تبرير تصرّفٍ دون الدخول في تقييم صحّته من عدمها لأنّ التقييم المنطقي أو الأخلاقي لن يكون لمصلحة الفاعل. و تُقال عادةً للدعوة لتفهّم فعل غرائزي أو وحشي أو بربري جاء في سياق غضب شديد أو ما شابه.. و رغم أنها عبارة تتكرّر بشكل اعتيادي في أحاديثنا حول قضايا مجتمعاتنا الشائكة إلا أننا سمعناها في الأيام الأخيرة بشكل مكثّف عن الحديث عن قضية بلدة كترمايا اللبنانية.

يُفترض أن من يقول العبارة لا يتّفق مع الفعل (أو أنه لا يريد إظهار اتفاقه مع الفعل) لكنه يعتقد أن ظروف الفاعل يجب أن تكون عامل تفهّم و تسامح معه لأنه لو وجِد في مكان الفاعل لربما اقترف نفس الفعل, و أحياناً يُعمم هذا الافتراض و يُسلّم أن أي إنسان عادي سيقوم بما قام به هذا الفاعل (الذي يُفترض أننا لا نتفق مع فعله).. الغريب و المؤسف هو أن قطاعاتٍ كبيرة من المجتمع تتقبّل هذا المنطق و تدافع عنه, نفس المجتمع الصلب في قسوته على "نزوات" أو "خطايا" بعرفه يتسامح مع قاتل أو مجرم.. نفس المجتمع الذي قد يوصم فتاةً دون رحمة بالعار مدى الحياة (هذا إن بقي لها حياة) لأنها ارتكبت "جريمة" العشق الممنوعة في ألواح المجتمع الحجرية "يتفهّم" أن يقتلها والدها أو شقيقها أو عمّها أو ابن عمّها أو أو أو.. باسم الشرف, بل لدينا ما هو أدهى و أمر في أنّ القانون في معظم الدول العربية يخفف حكم القتل في حالة الغضب و خصوصاً إن كان "بقصد شريف" حيث يتحوّل الحكم إلى وسام تشريف اجتماعي لن يحلم به أي عامل أو معلّم مخلص لعمله و تتحوّل محاكمات هؤلاء إلى أعراس الشرف المغسول بالدم.. و ربما تكون هذه الحالة هي الأكثر سطوعاً في سماء عدالة الغوغاء لكن سيف الحاكمين بالعدل الغرائزي لا يتوقف عند هذا الغمد الدموي.

الكثير ممن يقترفون الجرائم (بمختلف أنواع الجريمة) لا يشعرون بالذنب و يبررون أفعالهم وفقاً لما يرون أنها "ظروفهم", و ربما يجدون الآلاف من الذين "يتفهّمون" ظروفهم و يدعمون فعلهم بحجّة أنهم "وضعوا أنفسهم مكانهم".. حالات مثل جرائم الشرف و الثأر و شجارات العشائر و القبائل و أيضاً الفساد و النهب و السرقة (مال الدولة مستباح و حلال ع الشاطر) تجد الكثير ممن "يتفهّمونها", رغم أنها لا تحمل أدنى مقوّمات المنطق الإنساني و لا تحترم عرفاً و لا قانوناً و لا شعورياً سامياً من أيّ نوع.. هل يعني هذا أننا يجب أن نتسامح معها؟

أجل, ارتكاب الحماقات هي صفة بشرية بامتياز... لكن هل تتحوّل الحماقة إلى "شرعية" لأننا ربما قد نرتكبها إن وجدنا أنفسنا في ظرف معيّن؟

إن كلّ الشؤون الخاصة بسلطة القانون و شرعية الحقوق و الحرّيات هي أمور لا تحتمل النسبية و التساهل و التسامح معها, و التغاضي عنها و تبريرها و التسامح معها هي شراكة أخلاقية في الجريمة.. لا يجب تقديم أي سند من أي نوعٍ لمن يضع همجيته و وحشيته أمام أعراف المدنيّة إن كنا نريد أن نبني مجتمعاً منطقيّاً مع معاني المجتمع الإنساني السامي.