26 نيسان 2010

أفراح و أوابد.. متاحف و أعراس

DSCN2720

يحكى عن أغاثا كريستي, كاتبة الروايات البوليسية الأشهر, أنها عندما سُئلت عن سبب زواجها من ماكس مالون (و هو عالم آثار بريطاني له فضل كبير في اكتشافات أثرية عظيمة شمال سوريا و العراق, و رغم ذلك يكاد لا يعرفه أحدٌ إلا كزوج أغاثا كريستي) أجابت أنها تتزوّج من عالم آثار لكي تزداد أهميتها لديه كلّما تقدّمت بالعمر ( ربما بناءً على ذلك نستطيع أن نعتبر أن زوج الشحرورة صباح الأخير قد تزوّج إهرامات الجيزة.. أو الماتشوبيتشو؟!).

إن أراد خطيبان أن يطبّقا نظرية أغاثا كريستي فربما يكون من الجيّد لهما أن يتزوّجا في متحف.. و هذا قد يفسّر الإقبال على إقامة حفل الزواج في متحف دمشق التاريخي و تجاوب وزارة الثقافة مع هذا الإقبال ( الخبر ), فأغاثا كريستي مسموعة النصيحة, فبفضل إقامتها في سوريّة قد أصبحت "بنت البلد" إلا ربع.. و ربما تظهر في أحد أجزاء باب الحارة المقبلة !

...

اعتبرت إحدى الموظفات في مديرية الآثار أن إقامة هذه النشاطات هو أمر إيجابي للتعريف على الأوابد الأثرية السوريّة, و كدليل على كلامها ذكرت أن مدرّج بصرى لم يكن معروفاً للكثيرين قبل أن تقوم هيفا وهبي بتصوير فيديو كليب فيه..

عند قراءتي لهذا المثال أدركت أنّ أبناء الرّقة قد خسروا فرصة من ذهب عندما لم يتبرّع أحد من "أخوة هدلة" بتصوير فيديو كليب للنجمة الساطعة سارية السوّاس خلال إقامتها و عملها في مدينة الرّقة منذ سنوات.. لربما كنا بهذا الشكل سننقذ سور الرّقة و قصر البنات و الرّصافة و غيرها.

لنعد قليلاً إلى الجدّية.. كلام الآنسة أو السيّدة الموظفة صحيحٌ لو أننا نتحدّث عن آثار في كوريا الشمالية أو تايلاندا و تظهر في فيلم سويدي, أجل في هذه الحالة سيكون أمراً إيجابياً جداً أن يتعرّف الجمهور السويدي على هذه الآثار البعيدة.. لكن هل من المنطقي أن نعتمد (و لو جزئياً) على فيديو كليب لهيفا وهبي من أجل إشهار مدرّج بصرى؟ جمهور هيفا وهبي من محيطنا القريب جداً, و أن يتعرفوا على بصرى من أغنية لهيفا له معنى واحد و هو أن هناك تقصير في الدعاية و التسويق ثقافياً و سياحياً.. عدا عن ذلك, لا أعلم إن كنت أريد أن يزور بصرى أحد الذين عرفوها فقط بفضل كليب هيفا وهبي, خصوصاً إن كانت لزيارة هؤلاء ضريبة على شكل "ذكرى" محفورة على جدران و أقواس و أعمدة عمرها قرون.

...

هناك عشرات البيوت الجميلة في دمشق القديمة نجت من الهدم أو النسيان بفضل "موضة" المطاعم و الفنادق. ما زال بيت أبو خليل القباني على مهبّ الرّيح (و نتمنّى أن تكلّل جهود الغيورين على تاريخ دمشق بالنجاح و يتحوّل هذا البيت إلى متحف). قصّة (أو ملحمة) إنقاذ (أو شبه إنقاذ) بيت يوسف العظمة و تحويله إلى متحف تشبه سيناريو فيلم رعب أو فيلم سوداوي من تلك التي "يقترفها" لارس فونتيير أحياناً.. و الآن سوف يتحوّل متحف دمشق التاريخي إلى صالة أفراح؟

بالعودة إلى "منجزات" بلدية الرّقة خلال العقود الماضية (ربما منذ الخمسينات) سنجد أن جميع هذه "المنجزات" إما أن تتضمّن مسح مناطق أثرية (هدم أجزاء كبيرة من السور, ردم الخندق المحيط بالسور, انعدام أي معايير منطقية في التعامل مع الآثار و حمايتها من جهل الجهلة و بطش المتخلّفين.. الخ) أو تتضمّن قلع أشجار, و يمكن أيضاً أن يكون "الانجاز" بيئياً و أثرياً مثل مأساة بستان البلدية الذي دُمّر جزء كبير منه و قُطعت أشجار عمرها أكثر من سبعة عقود من أجل بناء مطعم و مقهى كان يمكن بناؤه في أيّ مكانٍ من الأرض الخلاء الموجودة في المحافظة, و التي تبلغ مساحتها أكثر من 19000 كم مربّع, أي تكاد تضاعف مساحة لبنان الشقيق الذي تتصارع عليه القوى العالمية.. لكن الإدارة المحلّية ارتأت أن المكان الوحيد الصالح لإقامة هذا المطعم و المقهى هو على أنقاض بستان له مكان مميّز في تاريخ الرّقة الحديث.

من المؤكد أن أغلبنا يعلم أن هناك ضرورات قهرية لا يمكن تجنّبها, لكن أليس هذا الاستخفاف المجّاني بمعنى تاريخنا و نفعه ليس فقط كذخر وطني و إنما كثروة اقتصادية و ثقافية و أكاديمية مؤسفاً؟ ألا يجب إعادة النظر فيه بدل هزّ الأكتاف و ترديد "الحيّ أبقى من الميّت" ؟

...

أشارت موظّفة دائرة الآثار أيضاً في حديثها لسيريانيوز أنّ الوزارة قد نظرت في ست طلبات لإقامة أعراس في سوق مدحت باشا, و أنّ الموافقة عليها قد أدخل إلى ميزانيّة الوزارة حوالي مليون ليرة.

نقطتان: لا أعلم شيئاً عن ميزانية وزارة الثقافة و لست أدّعي أنني أفهم في إدارتها, لكن هل يؤثّر هذا المليون إيجابياً فيها بشكل ملموس كي نستطيع أن نعتبر أن الفارق يستحق تحويل مبانٍ أثرية ثمينة إلى صالات أفراح و المجازفة بمقتنياتها و أثاثها؟ ألا يمكن تحسين الدعاية و التسويق و إقامة النشاطات الثقافية لكي يدخل هذا المليون الإضافي بفضل أمور لها علاقة بنشاط وزارة الثقافة و يتناسب مع خصوصيّة هذه الأبنية و تاريخها و مكانتها؟

النقطة الثانية: لو عمل معلّم ابتدائي كأستاذ جامعي فإنه سيكسب أكثر, و ربما لو عمل الأستاذ الجامعي كشرطي مرور فسوف يكسب أكثر, و لو عمل شرطي المرور كحارس كباريه (بالمفهوم الشرق أوسطي للكباريه) فعلى الأغلب سيكسب أكثر.. لكن المنطق (و أعتقد أننا نسعى في يوم من الأيام أن نكون منطقيين رغم الصعوبة الشديدة و كيد العذّال) يقول أن معلّم الابتدائي مكانه في المدرسة, و أستاذ الجامعة في جامعته, و شرطي المرور في دوريته أو قسمه أو مفترق الطرق, و حارس الكباريه... إما في مهنة أخرى أو في السجن.

...

من طباعنا, نحن المشرقيّون, أننا لا نتعامل إلا بالأطراف و النقائض, إما اليمين أو اليسار, الحرّ الخانق أو البرد القارص, السماء أو قلب الأرض, العشق المولّع أو الكره القاتل... صدر العالمين أو القبر, الخ..

و في علاقتنا مع التاريخ نستمرّ في هذه السنّة, إما أن ندفنه تحت غبار النسيان أو ركام الهدم أو تحت أساسات الباطون لمول أو بناء مكاتب حديثة.. أو نطمس وجهه بالبودرة و المساحيق و الألوان و نحوّله إلى عجوز متصابي بشكل قميء و مخجل..

للتاريخ وقار الشيوخ و هيبتهم.. يفخر في مجلسه الدافئ بندبة الجرح المؤلم, و يشير إلى أخدود الدمع الحزين, و يزهو بالجبين العالي.. لنعامله بوقاره, بحقيقته, بصورته, فلا يجب أن ننتظر منه أن يصبع عامل بناءٍ شاب يبني لنا عالمنا بينما نصفّق له, و عدم انتظار هذا منه لا يعني أننا يجب أن نغلق عليه باب مستودع الذكريات المنسيّة..

و عمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــار يا بلد ..

..

الصورة: منزل قديم لم تستطع حالته المرثي لها أن تخفي جمال هندسته و عراقتها- باب شرقي, دمشق (بعدستي - آب 2009)