حين تُتخذ الكراهية تجاه المختلِف (عرقاً, ديناً.. الخ) قاعدةً و أساساً لبناء العلاقة الإنسانية بين الأفراد أو الجماعات البشرية فإن مسير الإنسانية نحو عالمٍ آخر أكثر عدالة و منطقية يتعثّر.. و ما أكثر هذه العثرات و الكبوات في أمسنا و يومنا (و غدنا ؟).
ننفي إنسانية من نكره بشكل آلي حالما يتحوّل إلى هدف لكراهيتنا, نمسح فكرة أنه بشر مثلنا, نرفض أن له عادات البشر و مشاعر البشر و حماقات البشر.. يتحوّل في ذهننا إلى ما يشبه المسخ الكريه الذي لا يحمل أي صفة إنسانية, بل و ربما نعتبر أن محاولة إلغاءه و التخلّص منه هي قمّة الإنسانية ! يحدث هذا عندما نكره أفراداً لخلافنا معهم.. و الأمر ذاته, على نطاق أوسع بكثير, يحدث عندما نبرمج عقولنا و قلوبنا على الكراهية الجماعية.. عرق, دين, طائفة, قوميّة.. الخ. أفرادها ليسوا بشراً و بالتالي لا يستحقون أيّ شعورٍ إنساني تجاههم.
من المؤسف و المؤلم جداً أن تتحوّل الكراهية إلى شبكة علاقات ما بين الأفراد و الجماعات, أيّاً تكن صفاتهم و مواقعهم, و لكن عندما تترسّخ هذه الكراهية و تبني حواجزاً بين من يفترض أنهم شركاء في وطن واحد فإن المأساة تكبر حجماً و نوعاً لأنها تحكم عليهم جميعاً, كارهين و مكروهين (و غالباً ما تكون الكراهية متبادلة) بالغرق في بئرٍ عميق من التخلّف و التأخر.. لأن طاقات البناء قد تحوّلت إلى أسلحة هدم و تخريب..
لقد رأينا و نرى أمثلةً كثيرة في العالم.. لكن الإنسان للأسف لا يتعلّم من أخطائه خصوصاً عندما تلتف الكراهية حول بصره و بصيرته و تمنعه من رؤية شيء عداها.
لقد أبدعت تسليمة نسرين, ابنة بنغلادش التي لجأت بعيداً عن بلادها هرباً من سرطان الكراهية العمياء الفتّاك, عندما كتبت "العار".. لم تستطع ربما أن تكتبها بلغة أدبية محترفة و جمالية و لم تستخدم أسلوباً روائياً مميّزاً و خارجاً عن مستوى ما هو أقل من عادي.. لكنها نجحت في تصوير الآلية التي تفتت فيه الكراهية (الطائفية في هذه الحالة) الأوطان التي كلّف بناؤها و وضعها في طريق التقدّم و التطوّر الغالي و الثمين, و لعلّ نجاحها في هذا التصوير هو ما وضعها في دائرة الاستهداف لدى مدمني الكره, لأنها وصفتهم, و لأنهم يعتبرون أنفسهم الحقّ و الحقيقة و وكلاءً لله على الأرض اعتبروا رفض حقدهم الأسود إهانةً للدين الذي يحتكرونه و يختطفونه و يسخّرونه لمصلحة شهوتهم المرضيّة للأذى و الدمار و الظلام..
تروي "العار" معاناة عائلة هندوسية بنغاليّة خلال الأحداث الدموية التي بدأت في الهند عندما هدم متطرّفون هندوس مسجد بابري في مدينة أيودها الهندية عام 1992, و انتقلت الأحداث إلى بنغلادش عندما تعرّضت الأقلية الهندوسية إلى أعمال عنف دموية من قبل جماعات إسلامية متطرّفة انتقمت لهدم مسجد بابري في الهند. و من الممكن أن نعتبر هذه الرواية صرخة ضد الطائفية و التمييز الطائفي المخزي و وقفة شجاعة ضد كراهية الآخر, هذه الكراهية التي تدمّر كل شيء.. من الأوطان و حتى نفوس الأفراد, صغاراً كانوا أم كبار.
يحتوي النص على العديد من القفزات إلى الماضي حيث تشرح بعضاً من تاريخ بنغلادش و الحركة الوطنية التي نجحت في انتزاع استقلال البلاد من الباكستان بفضل جهود أبنائها من المسلمين و الهندوس و المسيحيين و غيرهم.. الجميع عمل بجدّ و سعادة من أجل بناء الوطن و السير فيه نحو التقدّم قبل أن تنتقل عدوى الطائفية و الكره الطائفي البغيضة و تنخر في بنيان هذا الوطن الجمعي.
لعلّ الرحلة الداخلية القلقة و المهلوسة لسورنجان, الشاب البوهيمي النزق, في البحث عن منطق لفهم لماذا يجب أن يتحمّل ويلات و تبعات عمل إجرامي قام به متطرفون هندوس في الهند لم يهتموا أو يكترثوا لما يمكن أن يحصل لهم كأقلية هندوسية نتيجة أفعالهم.. و طريق هذه الرحلة الداخلية قلقٌ متأرجح تتجاذبه الحماسة و اليأس, الصمود و الهرب, المحبة و الكره, التسامح و الانتقام, الشك و اليقين, الطائفية كوسيلة دفاع عن الذات و احتقارها بالتشبّث بالوطنية.. كلّها ثنائيات تزيد من حيرة و ضياع سورنجان الذي "أراد أن يكون إنساناً فحسب, فمنعوه و أجبروه على أن يكون هندوسياً" على حدّ تعبيره في إحدى لحظات اليأس..
لا تمسّ الرواية أيّ جانب عقائدي لأي دين كان كما أنها لا تربط أحداث العنف بالفكر الديني كفكر و إنما بممارسات متطرّفة تتخذ من اسم الدين و قداسته سلاحاً بيدها في وجه من يعترض عليها, و اتهامها بشتم الدين كذبٌ ليس جديداً على الموتورين الهستيريين الذين يمنحون لنفسهم حقّاً إلهياً بمصادرة الدين و الحديث باسمه و تحويل من يقف بوجههم إلى عدو للدين لأنهم لا يعرفون المنطق و لا يفهمون المقارعة الفكرية و لا يتقنون إلا لغة سفك الدماء و سنّ الخناجر و السيوف, و سلطنة هؤلاء يجب أن تنتهي على يد من يدين بهذا الدين الذي يجرؤون على نصب أنفسهم متحدثين باسمه لأن المتديّن يحبّ دينه و معتقده ما يكفي كي لا يسمح بتركه بيد بعض المجانين المجرمين المقرفين. و لا أتحدث عن الدين الإسلامي فقط بل أيّ دين أو معتقد أو حتى إيديولوجيا. عندما يبرر أحدٌ لمجرمٍ جريمته بناءً على أنه قام بها "من أجل الدين أو الطائفة أو المعتقد" فإنه شريكٌ له, و هو يهين دينه بنفسه و ليس من ينتقده.
تعرّضت تسليمة نسرين كالعادة إلى المنع و القمع و التهجّم و دعوات القتل, و ليس هذا بجديد في عالمنا للأسف. هناك من بنى مجده كسادن لمعبد الكراهية و يجب أن يحافظ عليها ليبقى له مكانٌ قيادي و سيحارب من يقف بوجه سمومه بكلّ الوسائل المتاحة, حتى لو اضطر الأمر إلى الإلغاء و القتل بإسم الله و أديانه. لكن إثارة "مشاعر" هؤلاء المتوحشين الظلاميين ليست إلا دليلاً على أنها ضربت في الوتر الصحيح, و أتمنى أن يستمرّ الكثيرون في الضرب عليه و أن تجتمع جهود جميع الإنسانيين بمختلف أديانهم و معتقداتهم و عقائدهم و إيديولوجياتهم من أجل مكافحة سرطان العنصرية و الطائفية الهدّام و إحلال التضامن الإنساني و التسامح و التكاتف من أجل التقدّم مكانه.
..
الصورة: تسليمة نسرين (المصدر)