21 آذار 2010

فلسطين: الاحتضار الإعلامي لقضيّة ..

فلسطيني 

لا أخفي أنني شعرتُ بالأسى عندما قرأتُ رأي القدس العربي يوم أمس, فليس من السّهل لأيّ مناصرٍ لقضية الشعب الفلسطيني أن يقرأ افتتاحيّة الصحيفة "المستقلّة" ذات الخط التحريري الأقوى بما يخص القضية الفلسطينية و هي تهنئ نفسها على أن قناتين عربيتين قد قررتا بثّ مسلسل تركي "أغضب إسرائيل" (!!) ألف مبروك على الانتصار العظيم للقضية بالنجاح في بث هذا المسلسل في شاشات الجماهير العربية (ربما يحتاج العرب إلى إعادة تعريف و تثقيف بالقضية الفلسطينية ؟!) و نتمنّى قريباً برنامج مسابقات ربما يكون محتواه حول أسماء المستوطنات الصهيونية في الضفّة الغربيّة, فطريق الألف ميل يبدأ بخطوة, أو بمسلسل .. !

لست أنوي السخرية من افتتاحية القدس العربي أو أتهكّم على محتواها, بالعكس تماماً.. أهنئهم على أنهم وجدوا شيئاً إيجابياً يكتبونه حول القضيّة الفلسطينية حتى لو كان على أسلوب الغريق الذي يتعلّق بقشّة, و لا ألومهم على ذلك لأن أيّ مؤمنٍ بقضيّة يجب أن يبحث عن الأمل في انتصارها تحت حجارة البراكين الهامدة لو اقتضى الأمر... و لعلّ الكلام عن حال القضيّة الفلسطينية بإيجابية (حتى لو كان بإيجابية نسبية) هو في حدّ ذاته انتصارٌ للأمل و الحياة.. الحياة ضمن ضباب الاحتضار البطيء في هذه الحالة.

ربما تكون نظرتي متشائمة جداً فيما سأقول, لكنني بمتابعة الإعلام (البديل و غير البديل) هذه الأيام بخصوص الغضب الشعبي على الاعتداء الصهيوني المتجدد على القدس و أهلها لست أرى إلا أكواماً من الملل و السأم و البرود.. أغلب وسائل الإعلام تغطّي الخبر "فضّة عتب" كما يقال باللهجة العاميّة, و الكثير منها ينحو باتجاه الجانب السياسي من اجتماعات و تصريحات و سفريات و غيرها أكثر ما يسلّط الضوء على ما يهم فعلاً: الفصل الجديد من معاناة الأبرياء تحت وطأة الحديد و النار المنسكب فوقهم من المعتدين, و هذا النوع من التغطية هو عامل جديد من عوامل صناعة اليأس ( وهو قطاع صناعي فعّال و ناجح جداً في "الاقتصاد" العربي", و فقط في هذا القطاع يوجد تكامل اقتصادي عربي و سوق مشتركة عربية) لدى مجمل الشعوب العربية المعنيّة بشكل أو بآخر بالقضية الفلسطينية.

لا يمكن اليوم لوم الإنسان العربي على يأسه, لا أستطيع الآن أن أنظّر إنشائياً و ألعن "الشعوب المتخاذلة و النائمة".. هذا ليس عدلاً, بل ربما يجب أن نشكر الشعوب العربية على أنها ما زالت تتأثر و لو قليلاً لما يحدث في الأراضي المحتلّة.. ماذا نطلب من المواطن الذي يعاني بشكل خانق من كلّ أنواع الضائقات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الفكرية.. و ما هو أهم: ماذا نطلب منه لفلسطين إن كان قد حُقن عقله بأنّ كلّ تلك الضائقات التي يعانيها هي بسبب "القضية الفلسطينية" ؟

كلّ مشاكل أمّة العُرب تأتي من القضيّة الفلسطينية, هكذا يلقنوننا كلّ يوم منذ عقود. لقد عملت الأنظمة العربية المختلفة, و تعمل, منذ زمنٍ بعيدٍ جداً على إلصاق كل هزائمها و تخاذلها و فسادها و نهبها و تسلّطها و قمعها بالقضيّة الفلسطينية, فحين أقرأ أحياناً بعض الآراء بخصوص عبئ القضية الفلسطينية الاقتصادي و السياسي على الدول العربية أشعر أنني إن صدّقت هذا الكلام سوف أعتقد أن من يملك الفيلات و المزارع و أساطيل السيارات الفخمة و الطائرات النفاثة هو الغزّي أو المقدسي.. أو ربما ابن مخيّم الشتات !

لقد قالوا لنا أن "الصراع" قد سبّب لنا الويلات و أن دعم الشعب الفلسطيني باهظ الثمن.. بل و قالوا أن "الفلسطينيين خونة و هم من باع أرضهم و يريدون أن نسترّدها لهم".. إنهم يطبّقون نظرية غوبلز, وزير البروباغندا النازية في الحرب العالمية الثانية, حين قال أن الكذبة تتحوّل إلى حقيقة إن كررناها ألف مرّة.. و لذلك نرى هذا السأم و الملل و اليأس عند قسم كبير جداً من الشعوب العربية: إن انتهى هذا الصراع (و نهايته هي التسوية الاستسلامية) فإن هذه البلاد الفقيرة و المتخلّفة و الجاهلة و الفاسدة ستصبح جنّات عدن في غضون سنوات قليلة... و هل نلوم الشعب المسكين؟ يريد أن يأكل! يريد أن يعيش!

إن ثمن الدخول في المنظومة الرأسمالية النيوليبرالية العالمية العابرة للدول و القارّات هو إنهاء العداء مع إسرائيل و القبول بشروطها النهائية (و لا نتكلّم عن مجرد اعتراف.. لأن الاعتراف موجود منذ لاءات الخرطوم) .. و من ينهي عداءه معها يضمن استمرارية نظامه مع كلّ ما يعني ذلك, و من لا يقبل بذلك فليرى ما حدث بنظام الطاغية العراقي (و إسقاطه غير الأخلاقي و لا الشرعي باقتراف جريمة إنسانية كبرى بحق الشعب العراقي لا يعني أنه لم يكن طاغية و ظالم من الطراز الرفيع), و لا يكفي لنظامٍ بعينه أن ينهي حالة العداء بما يخصّه و إنما يجب أن يعمل جاهداً على منع كلّ ما تصله يده من مقاومة للاستسلام.. هذه هي الصفقة التي أصبحت منذ فترة طويلة جداً أوضح بكثير من أن نقول عنها أنها مؤامرة.

الإعلام "الحرّ و المستقل" يقع اليوم في مأزق كلّما اضطر لنشر خبر عن اعتداء على القدس مثلاً.. لكن دائماً من الممكن طمس هذا الخبر بالحديث عن الشيطان الجديد.. إيران! كلّ مساوئ إسرائيل محاسن أمام نظام الملالي الشرير و الخطير جداً (و ليس هذا الكلام دفاعاً عن النظام الإيراني الذي لا أحمل له الكثير من المشاعر الإيجابية و بطبيعة الحال لا أعتقد أنه "يدعم" حركات المقاومة حبّاً بنا.. بل هي تبيان لطريقة صنع عدو جديد كخطوة مرحلية لغسل وجه إسرائيل من دماء ضحاياها القدماء ريثما يتم تجاهل ضحاياها الجدد) .. قد يشحذ شعراء "النيو عشائرية" ( و يمكن تسميتهم بليبراليي إيلاف و العربية و الشرق الأوسط ) أقلامهم الحادّة ضد كلّ شيء إيراني إن تحرّك ( عدا الكافيار الإيراني طبعاً ) و لكن يفضّل عدم انتقاد إسرائيل, و إن كان من غير الممكن انتقادها فدائماً يجب أن يتم ذلك بصيغة اعتذارية مثل الحديث عن أنه تم استفزازها من قبل حزب الله أو حماس ( و هؤلاء هم أدوات إيرانية.. لا ننسى ) أو أمور من هذا القبيل.

الخطاب "المعتدل و المنطقي" العربي اليوم هو التالي: إسرائيل لم تعد تريد أن تحتل الأراضي العربية, فقط تريد أن تعيش بسلام مع جيرانها.. عدوّنا المشترك هو إيران و رغباتها التوسّعية و تحركاتها السرّية لزعزعة الاستقرار في المنطقة و مخططاتها الشريرة لنشر مذهبها "الرافضي" ( و بالطبع لا يمكن إنكار أن لإيران مخططاتها التي لا تتوافق مع مصالحنا.. لكن أليست مقدرة الجميع على أن يخطط على جثثنا كما يرغب ذنباً من ذنوب الأنظمة العربية ؟ ), و لذلك يجب أن نتصالح مع إسرائيل لنتفرّغ لعدوّنا المشترك.. و هؤلاء الفلسطينيين يحرجوننا في مسعانا نحو السلام لأنهم لا يكفّون عن استفزاز إسرائيل بأمر من إيران و لذلك يضطر الإسرائيليون المساكين للدفاع عن أنفسهم أمام المعتدين الفلسطينيين.. و هذا الكلام هو "الحقيقة المطلقة" برعاية "بترول العرب للعرب", و من يعترض و لو على جزء منه ليس إلا "متشيعاً" ( و التشيّع في قاموس ليبراليّة التنك شتيمة ).

ربما لا يخطئ رأي القدس العربي كثيراً في مدحه لمسلسل تلفزيوني لأننا, للأسف و رغماً عنّا, لسنا إلا مجرّد مشاهدين سلبيين و صامتين لكلّ ما يحيط بنا..

و الحرّية لفلسطين و العزّة لشعبها