من المرجح أن أغلب مستخدمي شبكة الفيسبوك و متابعي المواقع الإخبارية العربية قد علموا بـ "قضيّة" صفحة مدّعي الألوهية على شبكة الفيسبوك و ما أثارته لهجته الباردة و كتاباته المُقلّدة بشكل متهكّم للنصوص الدينية (القرآن خصوصاً) من ردود أفعالٍ إن كانت في صفحته نفسها أو بإنشاء صفحات مضادّة أو حملات أو غيرها من الأمور, و يبدو أنه تم إغلاق هذه الصفحة أو قرصنتها أو أن صاحبها قد أغلقها بنفسه لكن لا أعلم تماماً ما حدث بها.. و صراحةً لا يهمني كثيراً.
لا أريد أن أدافع عن صاحب هذه الصفحة و أرجو أن يكون هذا الأمر واضحاً جداً.. أعتقد أن "حركته" ليست إلا رغبةً سطحية بالاستفزاز المجّاني و إشباع نرجسية من نوع معيّن بمشاهدة الآلاف من الأشخاص يستشيطون غضباً على ما يفعله بهدوء و برود شديدين متحصناً بهويّة مجهولة. أعتقد أنّ التطرّق لمسائل معيّنة داخل حدود الفكر الدوغماتي (إن كان ذو طابع ديني أو غير ديني) قد يكون خرقاً للمألوف و المسلّم به لكنه ضروري, أو دعنا نقول أنه لا يمكن تجنّبه. لكنني في هذه الحالة لا أرى إلا استفزازاً مجانياً دون أي مبرر من أي نوع باعتقادي. لكن موقفي السلبي من هذا الشخص و من فعله السخيف لا يعني أنني أريد أن يتأذى أو أن أرى رأسه معلّقاً في ساحة عامّة كما ينادي البعض بدموية منقطعة النظير..
من وجهة نظر تحليلية لا يستحق هذا الشخص الوقوف عنده كفرد, هو بحد ذاته ليس أكثر من حالة واحدة و منفردة, ما يستحق النظر و التفكير (و القلق) هو ردّ الفعل على ما فعله هذا الشخص, لقد ثبُت مرّة أخرى أنه – للأسف – يسهل اللعب بنا و بأعصابنا و بعواطفنا ببساطة بالغة... لقد تمكّن شخص واحد من العبث و الاستخفاف و الاستهزاء بآلاف الأشخاص الذين فعلوا تماماً ما كان يريد منهم أن يفعلوا, بل أنهم ربما ساعدوه أكثر بكثير مما كان يحلم.
لا يعني هذا الأمر أنني لا أتفهّم مشاعر الكثير من الأشخاص الذين ساءهم أن يقوم شخصٌ ما بإدعاء أنه الله, هذا أمر عاطفي إيماني يسهل فهمه (و التضامن معه إلى حد كبير أيضاً).. أنا هنا لا أحاكم العواطف و المشاعر بل أنتقد تصرّفات تفتقد للعقلانية و المنطقية برأيي, و ربما نستطيع تبرير الحكم على لا عقلانية و لا منطقية التصرّفات فقط بالقول بأنه من المسلّم أن هذا الشخص كان يريد لنفسه و لحركته الشهرة و الانتشار.. أليس كذلك؟ و مَن حقق له هذه الشهرة و الانتشار؟ الإجابة على هذا السؤال ستكون الدليل على غوغائية ردود الفعل.
لم أدخل صفحة مدّعي الألوهية هذا إلا مرّة واحدة بعد عشرات الدعوات للانضمام (و جميع الدعوات من أشخاص يدعون لمحاربتها و ليس لدعمها), و بطبيعة الحال لم أشترك بها, فقط ألقيت نظرة على ما يُنشر فيها و كانت تلك النظرة كافية كي أقرر الهرب.
لنترك العاطفة جانباً لدقائق و نحلل المسألة بشكل عقلاني:
أولاً: تجاوز عدد المشتركين في هذه الصفحة الآلاف العشرة على ما أعتقد (إن لم يكن أكثر), و بإقرارٍ ممن قادوا حملات الاحتجاج كان أكثر من 80% من المنضّمين إليها هم من المستنكرين و الرافضين, و كان هذا واضحاً لمن دخلها و قرأ ما يُكتب فيها. السؤال هو: ألم يفكّر هؤلاء الأشخاص أنهم باشتراكهم في هذه الصفحة يزيدون عدد أعضائها و بالتالي يرفعون شهرتها و ظهورها لدى مستخدمي هذه الشبكة الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم؟
ثانياً: هذه ملاحظة تخص "لغة" الذين دخلوا ليعبّروا عن استيائهم.. هناك الكثير ممن كتب اعتراضاته بطريقة حضارية و مؤدبة, إن كانت من وجهة نظر دينية أو لم تكن.. لكن الغريب و العجيب في الأمر هو الكم الهائل من الأشخاص الذين دخلوا ليشتموا بشكل فضائحي جنسي قذر جدير بمشاجرات السكارى في المواخير الرخيصة.. هل يعقل أن المتفوّه بهذا الكم الهائل من القاذورات يعتقد أنه "يدافع" عن الذات الإلهية؟
ثالثاً: بالتوازي مع هذه الصفحة تم إنشاء العديد من الصفحات المضادّة لصفحة مدّعي الألوهية, و أحدها حسب ما قرأت تجاوز عدد أعضائها العشرون ألفاً, و بطبيعة الحال تشير جميع هذه الصفحات بشكل واضح في عنوانها إلى الصفحة المسيئة.. و بالتالي هي دعاية مجّانية تماماً و فعّالة جداً !
لم أكتشف "النووي" و لم أخترع جديداً بتحليلي البسيط هذا.. لقد كان هناك الكثير من العقلاء الذين دعوا لعدم الإنجرار في الاستفزاز لأن هذا هو بالضبط ما يريده صاحب الصفحة, و أفضل طريقة لإفشال ما يريد هو تجاهله بشكل كامل.. أعتقد أنه من المنطقي التفكير أن عقيدة المؤمن تقول أنّ الذات الإلهية أكبر و أعظم و أقدس بكثير من أي كلامٍ بشري, و لن توضع على المحك أو تكون محلّ تهديدٍ إن جاء أحدهم و فتح صفحةً على الفيسبوك لا يستغرق إنشاؤها أكثر من ثوانٍ.. يجب الترفّع عن هكذا أمور و الامتناع عن منحها أهمية لا تستحقها إطلاقاً, لأن نتائج رد الفعل الأعمى بغضبه و اللاعقلاني ستكون أسوء بكثيرٍ من الفعل نفسه.
من المؤسف أن تتسبّب حركةٌ مثل هذه بهذا الحجم من رد الفعل على فيسبوك (نتحدّث عن عشرات الآلاف من الأشخاص المشتركين في الشبكة الاجتماعية) في حين لم تلق قضايا أخرى و لو جزءاً بسيطاً جداً من هذا الاهتمام, و بعض هذه القضايا قد يكون لها طابع ديني أيضاً مثل حملة التضامن من أجل حماية الأقصى, و التي لا يصل عدد أعضائها إلى نصف عدد أعضاء أي صفحة من اللواتي اهتممن بـ "القضية الكبرى" هذه, أو مجموعة كسر الحصار على غزّة.. أو غيرها من القضايا الإنسانية التي ينفع فيها فعلاً التضامن و الحشد و التجمّع.. ماذا فعلوا حين تجمّعوا حول هذه القضية غير مضاعفة شهرة و انتشار النزعة الاستفزازية لهذا الشخص ؟
لم تبق هذه المسألة حبيسة حدود الفيسبوك بل وجدت صدى في وسائل الإعلام الإلكترونية المختلفة, و بعضها وسائل كبرى مثل موقع قناة العربية و غيرها, و قد نستطيع أن ننتقد تطرّق هذه الوسائل الإعلامية (الكبيرة منها على الخصوص) لهكذا مسألة, لكن نستطيع أن نبرر هذه التغطية بالتفكير في أنها مسألة وجدت صدىً لدى جانب من الرأي العام و بالتالي يجب تغطيتها. لكن طريقة تغطية الخبر من قبل أغلب الوسائل الإعلامية هي المشكلة, و لا أتحدّث عن لغة منحازة أو لا موضوعية أو غيرها من الأمور التي قد يختلف تقييمها باختلاف القارئ.. أتحدّث عمّا يمكن اعتباره تحريضاً على القتل, و سأشرح قصدي:
منذ يومين قام موقع مصري متطرّف و طائفي بنشر هويّة مفترضة لمؤسس الصفحة مبيّناً اسمه الكامل و صورته و اسم صديقته و صورتها و مكان دراستهما, و أشاروا إلى أنهم "إلحاديون" و "ناشطون من أجل التنصير" (لا أعلم كيف يمكن أن يكون نفس الشخص إلحادياً و داعياً للتنصير ؟!) كما قالوا عنهم أنهم من الداعين للتطبيع مع إسرائيل, و في سياق النص أقحموا اسم رجل أعمال قبطي شهير لا أدري ما علاقته بالموضوع من أصله.. لعلّ إيراد اسمه كان مجرّد "بهارات" لتقوية التحشيد الطائفي الذي ينادي به هذا الموقع كما ذكروا أسماء أشخاص آخرين يُفترض أنهم "شركاء" في الحملة التنصيرية و الإلحادية ( !! ). و انتشرت هذه المعلومات باستخدام كلّ الوسائل الممكنة من بريد الكتروني و شبكات اجتماعية و مدوّنات و غيرها.. و الطامة أنّ الكثير من الوسائل الإعلامية (التي يفترض أنها مهنية) ساعدت في نشر هذه المعلومات, و من بينها موقع قناة العربية (و هي ثاني أكبر وسيلة إعلامية عربية!) حيث أنها لم تنشر اسم الشاب و صديقته لكنها ذكرت اسم الموقع الذي يشهر بهما بشكل واضح و صريح, و يكفي نسخ اسم الموقع و استخدام غوغل أو أي محرك بحث آخر للوصول بسهولة إلى هذا الموقع و معرفة كلّ شيء عنهما.
قرأتُ مساء أمس رسالة مفتوحة كتبها هذا الشاب المُتهم, و فيها ينفي أيّ علاقة له بالصفحة من أساسها و يؤكد أن إدراج اسمه ناجم عن محاولة انتقامية لأذيته بسبب مسألة سابقة على إنشاء هذه الصفحة من أساسها, و أنه تعرّض خلال اليومين السابقين للكثير من المتاعب و التهديدات. لا أستطيع أن أعرف إن كان هو صاحب الصفحة أم لا, لكن بغض النظر عن ذلك أعتقد أنّ كلّ الوسائل الإعلامية التي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في نشر صورته و اسمه و مكان دراسته مسئولة أخلاقياً (و ربما جنائياً) عن أيّ أذيّة قد يتعرّض لها هذا الشاب أو صديقته.. و هذا ما أتمنى ألا يحدث.
اعتباراً من هذا الاتهام الأول تصدر اتهامات أخرى لأشخاص مختلفين, ففي حين يؤكد هؤلاء أن هذا هو المسئول يُتهم أشخاص آخرون أيضاً جهاراً أو تلميحاً, في حين يؤكد أحد الأشخاص من الأردن أنه هو من قام بقرصنة الصفحة و مسح محتوياتها و إغلاقها و أنه لم يتمكّن من معرفة هويّة صاحبها ( و أعتقد أنه يستحيل تقنياً معرفة هوية صاحبها ما لم يصرّح هو بذلك أو قام موقع فيسبوك برفع السرّية عن هذه الهويّة, لكنني لا أمتلك الكثير من الخبرة في هذه المجالات ).
إن نفس المبدأ في الانجرار العاطفي اللاعقلاني و البعيد عن المنطق وراء أي استفزاز مهما كان مصدره و دون تقديرٍ و تفكير في أن مقصد هذا المُستفز و غايته هي أن ننجرّ خلفه قد أساءت كثيراً لصورة المسلمين في العالم أجمع, فمنذ تفجيرات الحادي عشر من أيلول و عمليات لندن و مدريد و غيرها و اغتيال المخرج السينمائي الهولندي تيو فان غوغ على يد متطرّفين إسلاميين, ثم أزمة الكاريكاتيرات الشهيرة و هناك من احترف التشهير ضد المسلمين و وصفهم بأنهم عنيفون و يعتقدون أن أيّ شيءٍ يعتبرونه "استفزازاً" هو مبرر مقبول للانجرار في العنف, و لكي "يثبتوا" كلامهم يقومون ببعض الأعمال الاستفزازية مثل فيلم "فتنة" للسياسي العنصري الهولندي التافه و القذر غيرت وايلدرز, لقد قام بتسجيل هذا الفيلم و محاولة تسويقه لكي يستفز المسلمين و يقوموا بتهديده و مهاجمته كي يبدو كضحيّة ( انظروا يا هولنديين, أنا الهولندي مثلكم أحتاج في بلدي لكتيبة حرّاس لحمايتي من بطش هؤلاء المسلمين الذين يريدون التحكّم بكل شيء و إخراس ما لا يعجبهم في حين يطالبون لنفسهم بالحرّية المطلقة, و الذين لا يفهمون أن هذه أرضنا.. هل فهمتم الآن لماذا أريد أن أطردهم من هولندا ؟ ). إن أفضل دعاية انتخابية لهذا العنصري المقرف هي بالتحديد محاولات أذيته أو تهديده, و هو يعرف تماماً هذا الأمر و لذلك يحاول دائماً افتعال المشاكل لكي يظهر في الوسائل الإعلامية كضحيّة لهؤلاء "المتطرّفين".. لو تم التفكير بعقلانية في حالة هذا الكريه أو غيره لتم التوصل إلى أنّ أفضل طريقة لمجابهته هي تجاهله و عدم المشاركة في إشهاره و اعتباره كما هو حقيقة: مجرّد حشرة عنصرية.. و لما كان قد وصل إلى ما وصل إليه, لقد قوّى خطابه و نمّى حزبه الشعبوي العنصري بناءً على خطاب معادي للمسلمين, و حين يحتاج "لتأكيدٍ" على كلامه يقوم باستفزاز المسلمين فيرد عليه الكثيرون تماماً كما خطط و أراد ( و للأسف لا يسمع الكثير من الغاضبين نصيحة الذين انتبهوا لهذه اللعبة القذرة في أن لا ينجروا خلف الاستفزازات, بل أنهم يعتبرون هذه النصيحة إساءة أيضاً ), و هكذا دواليك...
عودةً إلى مسألتنا... لقد قام مؤسس الصفحة بإنشائها لأنه كان يعرف أنه سيتمكّن من استفزاز الكثيرين و السخرية منهم, و نجاحه المبهر سيشجّع الكثيرين على القيام بنفس هذه الحركة.. و الحقيقة أنني أعتقد أنه سيكون من المفيد أن تتكرر هذه الحركة أو أمور مشابهة كثيراً, لأنه اعتباراً من حدّ معيّن سيكون الأمر مملاً و متكرراً و الناس سيتوقفون عن الانجرار وراء الاستفزاز المجاني, و سيقلع هؤلاء عن هذه الأفعال لأنهم لن يجدوا من يستشيط غضباً منهم.. و بالتالي تنتفي المتعة ! و يبقى علينا بعد ذلك أن نتعلّم و نتدرّب على الانتقاء العقلاني للمسائل و القضايا, أيٌّ منها يستحق أن ننخرط فيها و نناضل لأجلها بصوتنا و فعلنا, و أيٌّ منها لا نحتاج للانتصار فيها إلى أكثر من تجاهلها و اعتبارها غير موجودة ..
..