لم أنته في المقالة السابقة من الحديث عن الأحزاب الدينية و إمكانية وجودها من عدمها في نظام ديمقراطي تعددي, و هي مسألة معقّدة و مركّبة و مطوّلة.. و لا أقصد بهذا أن الإجابة عن السؤال تتم بـ "نعم" أو "لا" و أن التقرير هو الصعب فقد أجبت عن رأيي الشخصي في هذا الأمر في النص السابق.. المسألة عميقة جداً و تتخطّى بأميال تلك الشؤون التقنية – الشكلية التي يتوقف عندها النقاش عادةً من اسم الحزب أو لهجة خطابه أو تركيبة هيكله الداخلي و غيرها من الأمور.. إن الإجابة الشاملة يجب أن تصل إلى عمق الفكر الديني و لا تقف عند السطح.
نذكّر أننا نتحدّث عن خطاب ديني يريد أن يدخل في السياسة و الديمقراطية و ليس أن يستملكها, أن يتعايش مع الغير انطلاقاً من الشراكة الحقيقية و ليس من "المنّة" أو التفضيل على الآخر بالسماح بالوجود, خطاب ديني لا يحتكر لنفسه الحقّ و الحقيقة و اللفظ بل أنه يمنح فكر ينطلق من مبادئه و قناعاته التي لا تستخدم لغة الإلغاء (لا جزئياً و لا كلّياً, و لا مباشرةً و لا إيحاءً ) مهما اختلفت و تصادمت مع غيره.. يطرح مشروع موضوعي متكامل و يرافع عنه أمام مشاريع أخرى و يحتكم إلى إرادة الشعب الحرّ المسئول الواعي لمصالحه و الباحث عن تقدّمه الحضاري ككل. لكن هل هذا الفكر الإسلامي المنفتح و التعددي موجود اليوم؟ صراحةً أنا أعتقد أن بذوره هي الموجودة, و قد ولدت مع ولادة فكر التجديد الفكري الإسلامي عند جمال الدين الأفغاني, و ربما هناك عوامل سياسية و اقتصادية و فكرية جمّدت هذا المجهود الإصلاحي و أوقفته عند حدّ معيّن ربما لا يتجاوز الخطاب الإنشائي في بعض المواقف.. لكن البذرة موجودة, تحتاج للرعاية و تحتاج للعمل و تحتاج لوقت.. وقت طويل جداً يجب أن نحسبه بالعقود و ليس فقط السنوات, و هي بذرة يجب أن تنمو و تزهر داخل المؤسسة الدينية (و أقصد بالمؤسسة الدينية مجموعة رجال الدين و المفكرين و الأكاديميين الإسلاميين).. و أعتقد أن هناك عددٌ لا يستهان به من المفكرين الإسلاميين الإصلاحيين, و ربما يعانون من أن خطابهم لم يتحوّل بعد إلى منهج فكري متكامل بل ما زال مجموعة آراء و دراسات منفردة أو شبه منفردة, كما أنه خطاب عقلاني أكاديمي غير جماهيري على عكس أصناف أخرى من الخطابات ذات الطابع الديني التي تنجح, بأسلوب سطحي و شعبوي و مهيّج للعواطف بشكل مجّاني و فارغ في أغلب الأحيان, في حشد الجماهير حولها بأساليب مختلفة.
قبل أن أدخل في وصف هذه الخطابات الدينية الأخرى عليّ أن أشير إلى أنني لا أدعو لخطاب ديني "تقدمي" و لا أبغي أن يتحوّل رجال الدين إلى منظرين للماركسية اللينينية أو الليبرالية.. الخطاب الديني سيبقى محافظاً و تقليدياً و ذو مبادئ راسخة, و أنا أعتقد أن مجرد إلباس الخطاب الديني بدلة أوربية الطراز لا يعني شيئاً, و لا أنوي الدعوة إلى ذلك.. الدين و المبدأ الديني سيبقى كما هو أساساً, فقط أدعو لأن يتكلّم هذا المبدأ الديني لغة اليوم, و أن يرى تحديات اليوم كما هي و أن يواجهها بأساليب العصر.. انطلاقاً من هويته و مبادئه و منطلقاته..
يعاني فكر التجديد الإسلامي من هيمنة تيارين أساسيين على الخطاب الديني و اختطافهما لكل مبادئ الدين و مصطلحاته (و ما ليس من مبادئ الدين أيضاً).. و التيار الأول يتصف بخطاب متقوقع, منغلق.. رافض للعالم و محارب للعقلانية, يعادي كلّ ما لا يوافقه تماماً و ليس فقط أولئك الأعداء (بالتعريف) من دول أجنبية و تيارات فكرية "دخيلة" و غيرها بل أيضاً داخل الفكر الديني, إن كان في المذاهب الأخرى أو حتى ضمن المذهب نفسه.
نستطيع أن نشير إلى أن أغلب أركان هذا الخطاب التكفيري تصب في سياق ما يمكن أن يسمّى في علم الاجتماع بـ "عقدة الأقلّية".. إن هؤلاء يتصرّفون بنفس مبدأ تصرّف أي أقلّية دينية أو عرقية مهددة في محيط يهددها بالابتلاع, أي أنهم يرون في كلّ مختلفٍ عنهم "عدواً" و في كلّ من يكون منهم مبدئياً لكنه لا يحافظ على هذا التقوقع و الانغلاق "خائناً", و لكي يولّدوا هذا الشعور بالخوف الذي يجمع الناس الذين يرون فيهم مصدر حماية و أمان يجب أن يحافظوا على وجود أمرين: المحيط الذي يهدد بالابتلاع (و هو بالنسبة لهم يشمل كلّ ما ليس منهم) و التهديدات و الأخطار التي يسلّطها هذا المحيط عليهم, و هي تهديدات غالباً ما تصبّ في سياق نظرية المؤامرة في أسخف أشكالها, و أحياناً تكون هذه الأخطار المفترضة مجرّد تحديات فكرية عادية يعجز فكرهم الرافض للعصر و الرافض للتحكيم العقلي على مواجهتها, و أحياناً تكون هذه الأخطار حقيقة و واقع, لكن التقوقع و الانغلاق و دفن الرأس كالنعامة ليس الحلّ الأمثل لمواجهتها, بل أنه ليس حلاً أصلاً !
خطاب هؤلاء الناس عاجز عن المقارعة و المحاججة المنطقية مع غيره, إن كان هذا الـ "غير" إسلامياً أو غير إسلامي, و لذلك تراهم يعتبرون أن أيّ فكرة أو أيّ كلامٍ لا يلائمهم هو خطرٌ على الأمة و الدين (لأنهم هم فقط الأمة الحقيقية و الدين الصحيح) و لذلك يلجئون إلى العنف بكل أنواعه ضد كلّ من يخالفهم.. لأنهم لا يتقنون طريقة أخرى للتعبير ليس إلا !
انتعش خطاب هؤلاء الناس مع التدخلات العدوانية العسكرية و غير العسكرية لإدارات المحافظين الجدد منذ أيام رونالد ريغن, فبدايةً كان الجهاد في أفغانستان ضد السوفييت (بتحالف وثيق مع المخابرات المركزية الأمريكية, و هذا واقع مكتوب و منشور و معترف فيه من الطرفين), ثم جاءت أزمة حرب الخليج و صدمة دخول القوات الأمريكية إلى الجزيرة العربية, لكن "بالون الأوكسجين" الأساسي جاء مع احتلال إدارة بوش للعراق و الحروب الطائفية التي غالباً ما طغت على مقاومة هذا المحتل الغاشم.
التيار الثاني الذي يهيمن على الخطاب الديني اليوم هو خطاب "فقهاء السلاطين".. و هم مجموعة من رجال الدين ربطوا مصالحهم مع مصالح الحاكم بغض النظر عن هويّته الإيديولوجية المفترضة (إن كان دينياً أو علمانياً), و أقول أنها هوية مفترضة لأن هوية المستبد الحقيقية و الوحيدة هي الاستبداد.. هي مصلحة الحاكم فوق كلّ شيء.
رجال الدين هؤلاء يبررون للحاكم كلّ تصرّفاته و تحركاته السياسية و غير السياسية و يباركونها و يمنحونها السند الشرعي المفترض, حتى لو اضطروا لمناقضة نفسهم بشكل مثير للشفقة.. و لذلك نجد مؤخراً (و الظاهرة في استفحال أكثر من أي وقت مضى) أن أيّ قرار سياسي داخلي أو خارجي لحاكم عربي يصدر مصحوباً بحزمة الفتاوى التي تباركه و تدعمه و تُخرج منتقديه من الملّة و الجماعة, و إن صدر قرارٌ سياسي مخالف من حاكم عربي آخر تصدر معه أيضاً حزمة الفتاوى المضادة التي تدعم هذا القرار و تُخرج منتقديه من الملّة و الجماعة..
تابعوا يا أعزائي مسلسل القرارات العربية و الفتاوى الملحقة لمدّة أشهر قليلة.. لو أخذنا بكل الفتاوى التي تُخرج منتقديها من الملّة و الجماعة سنجد أنه لم يعد هناك مسلمون على وجه المعمورة !
ماذا يجني فقهاء السلطان من عملهم هذا؟ بطبيعة الحال يمنح القُرب من السلطة الجاه و المال و المصالح الكثيرة (و هذا لا يخص فقط فقهاء السلطان بل يخص أيضاً ساسته و مثقفيه و مفكريه و كلّ الحاشية), و أيضاً يجنون سلطة تمنحهم صلاحية الهيمنة على المجتمع بطريقة معيّنة.. يحشرون أنوفهم في كلّ ما يمسّ الحياة الاجتماعية العامة من علم و ثقافة و قانون و فكر و حياة اقتصادية و كلّ شيء, يحوّلون المجتمع إلى كيان كهنوتي شبيه بمجتمعات أوربا خلال عصور الظلمات, و يفتون في كلّ شيء بطريقة استعراضية و منافقة جداً. فمن يسمعهم يعتقد أنه لا توجد مشكلة فساد و استبداد و نهب و سلب و قمع و طغيان, بل أن كلّ مشاكل المجتمع تنحصر في الاختلاط في الصفوف المدرسية أو في كلمات أغنية أو محتويات معرض كتب أو في مجلّة أو في كاتبة جريئة أو صحفي جسور أو أمور من هذا القبيل لا تستحق أن تتحوّل إلى قضايا.. هذه هي كلّ مشاكل المجتمع لديهم, و دائماً يبحثون عن التوغّل أكثر فأكثر عن طريق المطالبة بقوانين تمنحهم هذه الصلاحية, إن كانت قوانين أحوال شخصية أو غيرها, و المستبد يمنحهم نسبة من هذه الصلاحيات لأنهم, بشكل أو بآخر, يجيّشون المجتمع حوله و يسخّرون الخطاب الديني الفعّال جداً في استمالة الجماهير لخدمته, لكنه يمنع عنهم أجزاءً أخرى من الصلاحيات المطلوبة كي يُفهم الأقلية المحتجة على سلطة رجال الدين هؤلاء من علمانيين أو متدينين غير متفقين مع خطاب هؤلاء "الفقهاء" أنّ لديهم هامش حرّية بفضله, و هكذا نجد أنه استمال خطاباً دينياً, و استمال دعماً "علمانياً" مبطناً على مبدأ (هذا المستبد أفضل من أن يحكمنا المشايخ).
ما أذكى المستبد فيما يخص حماية استبداده !
من أجل مقاربة هذه النقطة بشكل أفضل أنصح بشدّة بقراءة فصل (الاستبداد و الدين) من كتاب الشيخ الكواكبي (طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد).. حيث وصف هذه الهيمنة الاستبدادية على الدين التي ربما نعيش اليوم أقسى مراحلها.. منذ قرنٍ من الزمان.
أليس من المثير للانتباه كلا المفكّرين الإسلاميين الذين جرى ذكرهم حتى الآن (الأفغاني و الكواكبي) جرى الطعن بهما و اتهامهما بالعمالة و الماسونية و غيرها من الكليشيهات المعتادة من قبل بعض التيارات الرافضة للنظرة الإصلاحية التحررية التي أتوا ببذورها منذ عقود؟ نعم هناك من عارضهما فكرياً.. لا مشكلة, أنا نفسي لا أتفق مع أغلب ما قرأته لهما لكنني أقر بموضوعية كلامهم بالنسبة لمنظوري الشخصي.. لكن الطعن في الشخص و تخوينه بدل محاججة الفكرة.. ألا يدل على عجز و خوف ؟
لعلّ جوهر عمل أي تيار فكري تجديدي و إصلاحي موجودٌ في نقطتين أساسيتين هما:
أولاً: إعادة قراءة التاريخ, الذاتي و المحيط, قراءة مجرّدة موضوعية و نقدية عميقة و مفصّلة.. من أخطاء كلّ التيارات الفكرية العربية (و ليس فقط التيار الديني) أنها لم تقرأ التاريخ العربي بشكل موضوعي بل سردته بأسلوب ملحمة عنترة بن شدّاد و روته على شكل سلسلة متواصلة من البطولات و المآثر و الإنجازات و الانتصارات.. بالمنطق يا سادة, إن كان كلّ ما فعلناه ممتازاً و رائعاً و مجيداً فكيف أصبحنا متخلفين اليوم ؟ لا نستطيع أن نبرر كلّ مشاكلنا بتحميل غيرنا المسئولية.. نعم هناك آخرون أوقعوا بنا الأذى و استغلونا و امتصوا دماءنا.. لكن ألم نكن مجموعة من الأبطال الشجعان الذين لا يخطئون في عصور سابقة حسب الرواية "التاريخية" ؟ كيف تغلبوا علينا إذن؟!
هناك أخطاء يجب دراستها بعمق بدل تمويهها أو نفيها أو تبريرها بشكل سطحي.. التاريخ منجم خبرات و معلومات و ليس ساحة تباهي و افتخار فحسب.
الخطاب الديني يدعو دائماً إلى العودة إلى التراث الأصيل, و لذلك هو بحاجة إلى قراءة التاريخ بمنهج علمي عميق لكي يزيل الصدأ عن هذا التراث الذي يدعو عليه.. دون أن يخجل من هذا "الصدأ" و يحاول نفي ماهيته بادّعاء أنه ذهب أو فضّة.. لقد تحدّث جمال الدين الأفغاني عن "نقد الموروث" و هذا مبدأ مطلوب جداً, فليست كلّ الموروثات جيّدة فقط لأنها موروثات.. يجب دراستها بعمق و فرزها إلى موروثات مبدئية و أخلاقية غير متعلقة بزمان و مكان, و موروثات قادمة عن قراءة و تأويل و اجتهاد في النص الديني ربما كانت صالحة في القرن الثاني الهجري لكنها لا تصلح لليوم لأن الواقع مختلف و ظروفه متغيرة, و هناك أيضاً موروثات ملحقة بالدين لا أساس لها من الأصل !
لعلّ إحدى أهم النقاط التي يجب النظر بها من وجهة النظر السياسية هي مفهوم الدولة و الوطن و علاقتهما بمبدأ الأمة كإطار انتمائي ديني.. لم يعد مفهوم الدولة اليوم كما كان عليه منذ قرون, الدولة اليوم هي مجموعة مؤسسات يديرها أشخاص بمعايير يقع أغلبها في الإطار التكنوقراطي البحت, و لم يعد هناك علاقة ولاية بين الحاكم و المحكوم فالمسئولون في الدولة العصرية هم موظفون مأجورون يقومون بعملهم خلال مدّة زمنية, إن أفلحوا يستمرون, و إن أخفقوا يتغيرون.. و بالتالي لا توجد سلطة روحانية أو عقائدية لكي ينافس الدين عليها.. هي في أغلبها شؤون مدنية بحتة, نعم من حق و واجب الخطاب الديني أن يدافع عن مساحة المؤمنين به و أن يطالب بحقهم في أن يتمتعوا بوجود البديل الشرعي لكلّ المسائل الإدارية و القانونية و الاقتصادية, لكن هذا لا يعني أن عليه أن يستملك الدولة و فعالياتها و حياتها الداخلية و علاقاتها الخارجية و يفرض منطقه على الجميع, دائماً هناك طريقة لإيجاد مكانٍ و مساحة ملائمة للجميع إن كان هناك رغبة حقيقية بذلك.
بطبيعة الحال هذه قضية تحتاج إلى كم كبير من المجهود الفكري و السطور السابقة مجرد إشارة إليها فقط.
ثانياً: بعد الانتهاء من قراءة التاريخ و الموروثات يجب الالتفات إلى الواقع, إلى العالم اليوم بكل تطوراته و مشاكله, يجب الانفتاح على العالم و التأقلم مع لغة العصر و تطوراته و تعقيداته و التعامل معها انطلاقاً من هذا المبدأ الفكري الديني و لكن دون أن يتحوّل إلى مجرد بحث عن "تناقضات" في العالم أو عن "مساوئ" عند الآخرين بل يجب قراءة التجربة ككل و استخلاص العبر و النتائج منها.
قلنا أن الأمر يجب ألا يتم بطريقة البحث عن السلبيات لإثبات أنهم لا ينفعون و أننا "أفضل منهم لكن الزمن عاطل" مثل ما يحدث عند البعض الآن.. لا يكف عن شتم الغرب و لا يرى فيه إلا الانحلال و الرذيلة و النساء المتبرجات العاريات (على فكرة.. التركيز المشدد و المتكرر و شبه الوحيد من قبل بعض المتحجرين على النساء و إثارتهن للغرائز و عجزهم عن رؤية المرأة إلا ككائن مثير للشهوات و مسبب للفتنة و غيرها من هذه المسائل لا يدل برأيي إلا على هوس جنسي منقطع النظير قادر على رؤية الإثارة الجنسية في مواضع لم يكن ليراها فيها لو لم تكن الشهوانية الجنسية مسيطرة عليه تماماً), لكنه في الوقت نفسه يستورد من الغرب كلّ شيء, من الإبرة و حتى الطائرة, و يدفع ثمن المستوردات مما يُدفع له من ثمن ثروات طبيعية يستخرجها الغرب بتقنياته و يشتريها بشروطه و أسعاره.. و يوم ستنتهي هذه الثروات الطبيعية لن توجد إبرة و لن توجد طائرة ما لم يتغيّر المبدأ الرافض لكل محاولة تطويرية و تحديثية باسم رفض "التشبّه بالغرب", و يتمسّك بعقلية انتهت صلاحيتها و بموروثات مغرقة في القدم دون أن يستطيع أن يرى أن الغرب يتمسّك بكل مفاصل حياته الاقتصادية و السياسية (و الغرب طبعاً يبحث عن مصلحته.. و جزء من مصلحته هو ألا يكون هناك منافس له, لذلك يشجعك على ألا تتطوّر "و تتشبّه به").
قلنا في النص السابق أننا أيضاً لا نستطيع استيراد تجربة حضارات أخرى و محاولة تطبيقها ككل في عالمنا العربي و الإسلامي, هذا خطأ شنيع دفعت ثمنه الكثير من التيارات العلمانية بابتعادها عن الواقع الشعبي و الجماهيري, لكن أيضاً لا ينفعنا أن نأخذ المبدأ الوسطي و التبسيطي القائل بـ: " نأخذ منهم ما نريد و نترك ما لا نريد".. هذا لا ينفع! لن تتحوّل لصانع حضارة لأنك تتعلّم ربما أن تصنع آلة صممتها الحضارة الغربية لاحتياجاتها و قمت أنت بقولبة احتياجاتك كي تتلاءم مع هذا "الشيء الجيّد" الذي ستستورده.. إن كنت ستستورده جاهزاً أو إن كنت ستتعلّم صنعه, سوف تبقى "مُستهلِكاً" للتطوّر و ليس صانعاً له. يجب بناء منهج فكري حضاري ينبثق عنه تطوّر ثقافي و اجتماعي و سياسي و اقتصادي و علمي و تقني.. الخ, و ليس فقط استيراد تقنيات صنعها الغير و تعلّم استخدامها.
الحل برأيي هو قراءة عميقة و موضوعية للعالم و حضاراته, أن نقيّم قدراتنا و على أساسها نبني حضارة قادرة على التعايش مع الحضارات الأخرى و التحالف مع بعضها أحياناً و منافسة بعضها الآخر أحياناً أخرى.. لا ينفع أن نحاول أن نبني وحدة منفصلة عن كل ما يحيط بها و ندّعي أنها حضارة, يجب أن نتعامل مع هذا العالم على أننا جزء منه و نحاول أن نأخذ مكاننا فيه و نؤثر و نتأثر بما يلاءم المصالح و التوجهات الذاتية.
كما قلت سابقاً, يجب أن يحدث كلّ هذا الجهد الفكري داخل المؤسسة الدينية, و يجب أن يتخطى الصعوبات مهما كبرت على مرّ فترة زمنية لن تكون قصيرة (أعتقد أننا يجب أن نتحدّث عن عقود على الأقل).. و أنا لا أبغي أن تكون نتيجة الإصلاح مواتية لما أعتقد.. أختلف مع الرأي الفكري الديني اليوم و على الأغلب سأبقى مختلفاً بعد الإصلاح (إن كنا محظوظين و شاهدنا نتيجته), و قد يكون هناك متوجّسٌ يرى أنه لا يحقّ لعلماني أن يتحدّث عن إصلاح فكري في تيارٍ لا ينتمي إليه, بل هو معه على خصومة في أغلب الأحيان.. نعم هذا صحيح, لكن الإصلاح الفكري الديني مطلب تتعدّى ضرورته الإطار الديني لأن جميع أفراد هذه الشعوب محكومٌ عليها أن تتفاهم و أن تلتقي في نسبة مئوية كبيرة من الأمور ( لا أقول في كلّ شيء لأن هذا مستحيل), و هذا ليس فقط حديثاً مثالياً ديمقراطياً, هذه ضرورة تاريخية حتمية و تحدٍّ سيبتلعنا التاريخ إن لم نجابهه من منطلق واقعي و عقلاني.. علينا ألا ننسى أن جزءاً كبيراً من الهوية الذاتية لشعوبنا مرتبطة بشكل وثيق بالمسألة الدينية, و يجب التعايش مع هذا الأمر و تقويته و التمسّك به و الدفاع عنه بشراسة في بعض الأحيان, و بالتالي فإن الإصلاح و التجديد الديني و مواكبة العصر هو ضرورة وطنية, بل هو ضرورة ما فوق الوطنية حتى.
أنا لا أريد أن يتجادل أبناؤنا و أحفادنا بعد عقود على حق المرأة في قيادة المركبة الفضائية أو إن كان من الجيّد أن يكون لها خريطة جينية أم فقط يجب أن يمتلكها زوجها مثلما نتجادل اليوم على أمورٍ مشابهة.. و طبعاً مركبة فضائية و خريطة جينية من صناعة و تطوير و تقنية الغير و نحن مجرد مستهلكين كما نحن اليوم تماماً.. أريد أن يكونوا صنّاع حضارة عصرية في عالمٍ شاركوا في صناعة تقدّمه و تطوّره انطلاقاً من هويتهم و انتمائهم الإنساني التحرري المنفتح... و لا أعتقد أنه يوجد من يعترض كثيراً على هذه الأمنية.
للحديث بقيّة ..
ملاحظة : سيكون هناك تكملة لهذه السلسلة عبارة عن سلسلة أخرى من المقالات ستُنشر قريباً.