25 آذار 2010

الاستشراق و العرب ( 2 من 4 ) – المستشرقون العرب

قد يبدو عنوان هذا الجزء من السلسلة غريباً بعض الشيء, أليس المستشرق (بغض النظر عن المعنى الذي نريده من مصطلح الاستشراق, إن كان المعنى الكلاسيكي البريء أو المعنى النظري الفكري "السلبي") مراقباً خارجياً للشرق يعتمد على وضع فاصل يميّز الشرق (هناك) و الغرب (هنا) و ينطلق من فوقية تمييزية مباشرة أو غير مباشرة؟ كيف يمكن أن يكون هناك مستشرقون عرب؟

قد لا يكون هذا الاسم دقيقاً تماماً لكنني أعتقد أنه ينفع لتسمية ما أود الإشارة إليه في هذا النص. حين أتحدّث عن "مستشرقين عرب" أقصد قطاعاً واسعاً من النخبة الفكرية (السياسية و الاجتماعية و الثقافية و الفنية) العربية التي تنطلق في رؤيتها لواقع الدول العربية و تعاملها معه إن كان بقراءته و تحديد و تعريف المشكلات أو إيجاد الحلول لهذه المشكلات التي تجدها و تصفها, تنطلق من منهج فكري استشراقي قد يتطرّف أحياناً في مغالاته إلى درجات يصعب إيجادها لدى المستشرقين الغربيين ذاتهم, فمن المعتاد أن نجد مستشرقين غربيين أكثر تحرراً من وطأة الصورة النمطية السلبية "للشرق" في تحليلهم من "زملائهم" العرب, الذين يفترض أنهم محصّنون ضد التأثر بصورة نمطية تمسّهم!

هناك برأيي 3 أنماط أساسيّة أعتقد أنها تشمل السواد الأعظم من "المستشرقين العرب", و لكن قبل الدخول في سردها تجب الإشارة إلى أن هذا النص لا يبغي محاكمة النيّات بأي شكل من الأشكال و لا يقصد ربط "الاستشراق" بالعمالة أو ما شابه.. هو مجرّد رأي يخص المجال الفكري البحت.

النمط الأول: الليبراليون الجدد

في توصيف هذا النمط يجب علينا باعتقادي التركيز على "جدد" بشكل واضح, ليس كل أصحاب الفكر الليبرالي (بطيفه الواسع) "مستشرقين عرب", بل أن السواد الأعظم من الذين أقصدهم بحديثي عن الاستشراق العربي يصعب رؤيتهم كليبراليين حقيقيين ,و نقصد الفكر الليبرالي الكلاسيكي.. لا أعتقد أن استخدام ألفاظ من طراز "تنوير" و نعت المخالفين بالـ "ظلامية" و مهاجمة العمائم و اللحى تكفي لكي يتحوّل صاحب هذا الخطاب إلى "ليبرالي", خصوصاً و أن أصحاب هذا الخطاب يتماهون مع أشخاص و عقليات قد تتشابه مع هؤلاء في تخلّفها (ليس من المنطقي أن يهاجم هؤلاء "الليبراليين الجدد" بعض المتشددين الدينيين لنيّتهم فرض رؤيتهم الدينية على المناهج التعليمية في الوقت الذي يمدحون فيه الحزب الجمهوري الأميركي الذي يدعم منع تدريس نظرية التطوّر في التعليم ما قبل الجامعي في الكثير من الولايات الأمريكية).

حين أتحدّث عن "ليبراليين جدد" أقصد جزء من النخبة الفكرية العربية (كواجهة لما يدعمها من نخبة سياسية رسمية و فعاليات اقتصادية جبّارة) تتميّز بتماهيها الكامل مع النيوليبرالية العالمية و خطاب المحافظين الجدد و دعمها لكل المنهج السياسي و العسكري النيوليبرالي تجاه المنطقة العربية, و ليس فقط دعمه بل أن هذه النخبة تحارب جميع منتقديها ليس فقط من العرب بل أيضاً من الغربيين. هذه النخبة هي إسقاط عربي للنيوليبرالية, و هذا الإسقاط يفعل تماماً ما يفعله الأصل حتى بما لا يخصّه مباشرة: اختطاف مفهوم "الحضارة الغربية" و حصره في فكر المحافظين الجدد و نظرياتهم عن المنشأ المسيحي – اليهودي للحضارة الغربية و حتمية صراعها مع العالم الإسلامي, لذلك تجد أنهم حين يتحدّثون عن "الغرب" يقصدون الـ "نحنُ" التي يتماهون معها, قد يعادون العنصر الغربي المناوئ للمحافظين الجدد بشراسة (مثل مقالة لعزيز الحاج يهاجم فيها الحركة النقابية الفرنسية لأنها "تعارض ساركوزي لمجرد المعارضة" و تسيّس المطالب العمّالية بغوغائية ضد حكومة اليمين الفرنسي "الإصلاحية") قد تفوق معاداة المحافظين الجدد الغربيين لغرمائهم السياسيين المحليين.

قد يطول الحديث عن هذا الصنف لكن ما يهمنا حالياً باعتقادي هو ربطه بالمنهج النظري الاستشراقي: هم يروّجون بخطابهم لفكرة دونيّة الشرق أمام الحضارة الغربية و عجزه عن التخلّص من التخلّف (الذي أصبح جزءاً من هويته), و أنه لا مجال للشرق أن يتقدّم و يلحق قطار التقدّم (ذو الطابع الغربي حصراً) إن لم يتخلّ عن كونه شرقاً (بالمعنى الاستشراقي للشرق).. و هذا ما لن يحصل إن لم "يتدخّل" الغرب و "يجبره" على ذلك.. لكن التدخل هنا ليس إجباراً استبدادياً بل هو مثل ضغط الأب على ابنه "لمصلحته".. الابن في صغره قد يكون أرعناً و "لا يعرف مصلحته" و على الأب أن يقوّم سلوكه بإجباره على أمور قد لا تعجب الابن في هذه اللحظة لكن الأب هو الإرادة المسئولة و الموضوعية التي تعرف مصلحة الابن الجاهل.. و عندما يكبر هذا الابن و ينمو وعيه سوف يشكر الأب على إجباره على ما لم يكن يريده قبلاً. باستخدام هذا المنطق يمكننا أن (نفهم) جرأة شاكر النابلسي في تسمية الاجتياح الأمريكي للعراق بـ "الثورة العراقية" (حتى الآن هو يضع كلمة "ثورة" بين إشارتين لأن اعتماد المصطلح يحتاج إلى نضوج تاريخي برأيه) .. الثورة الكلاسيكية تحتاج لإرادة شعبية (و طليعة فكرية ثوريّة تقود هذه الإرادة) تنتهي إلى تحرّك جماهيري ضد الطغيان, لكن الشعب العراقي كشعب مشرقي لا إرادة له لأنه جاهل و متخلّف و خائف و غارق في عصبيته و طائفيته و غيرها من الكليشيهات الاستشراقية, لا يعرف مصلحته, لذلك جاءت الإرادة المسئولة و الواعية للمحافظين الجدد و أقامت هذه "الثورة".. و عندما "يكبر" الشعب العراقي سوف يشكر المحافظين الجدد على إجباره على "الثورة".

يستوي عند شاكر النابلسي في السوء من يقاوم فعلياً هذا "التغيير" و من ينتقده, فهم إما جهلة أو إرهابيين, و لا يشمل هذا فقط بقية الشعوب الشرقية بل أيضاً الجزء الرافض لحرب العراق من الرأي العام الغربي.

خطاب "الليبراليين الجدد" انتقائي و نسبي للغاية.. ربما تجد أحدهم يهاجم مفهوم الطائفية و طائفة من الطوائف في نفس المقالة, أو يمدح في ليبرالية و تنوير الممالك الخليجية (بما فيها السعودية التي تنال عائلتها المالكة نصيب الأسد من الغزل الليبرالي "العلماني" نظرياً) في الوقت الذي يهاجم فيه أنظمة عربية أخرى و يتهمها بالشمولية. و هذا النوع من التماهي مع الخطاب النيوليبرالي في العالم الثالث ليس اختراعاً عربياً بل توجد شواهد مشابهة جداً لـ "ليبراليي العرب" في أمريكا اللاتينية, على سبيل المثال.. و لعلّ أبرزهم الكاتب و الصحفي ماريو فارغاس يوسا (اليساري سابقاً, كأغلب الليبراليين الجدد العرب) الذي لا يجد حرجاً في أن يقارن بين "تنوير و حضارة و سلمية" الغرب و همجية المنظومة السياسية الأمريكية اللاتينية "التي ما زالت تؤمن بالعنف كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية" (لا يوجد داعٍ لتذكيره بأن أغلب الانقلابات الدامية و الحروب الأهلية التي حدثت في أميركا اللاتينية منذ منتصف القرن السابق كانت بتدبير أو تمويل أو حتى بتنفيذ مباشر من المخابرات الأمريكية.. هو لم ينس هذا الأمر لكن العنف الأمريكي أو المدعوم أمريكياً ليس عنفاً بل "خيار استراتيجي").

النمط الثاني:

يخص النمط الثاني بعض الأعضاء العرب في مؤسسات أو جمعيات أكاديمية أو غير أكاديمية مثل مراكز البحوث و الدراسات الغربية المهتمّة بشكل جزئي أو كامل بواقع المنطقة العربية سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو وسائل الإعلام بأنواعها (و مؤخراً في الإعلام الإلكتروني و تفرعاته), و أؤكد على عدم التعميم بطبيعة الحال لأن هناك الكثير من العناصر العربية اللامعة في هذا المجال المعرفي.

هناك سمات مميّزة عادةً لهذا النوع من المساهمين العرب في بناء الخطاب الاستشراقي, و لا يوجد فرق كبير بين من يقيم منهم في أوربا أو من يتعامل مع هذه المؤسسات أو الجهات الغربية من داخل البلدان العربية: عادةً ما يكونون على إطلاع واسع على الثقافة الغربية و أسلوب الحياة الغربي و ذوو إلمام بلغة الجمهور الذي يتوجّهون إليه, و لا أقصد فقط اللغة ككلام و إنما طريقة مخاطبة عقلية المتلقّي, و يمكن تقسيم إشكالية عملهم المعرفي إلى فرعين:

الأول: ينطلقون من منهج فكري غربي و أدوات عمل و مراجع و ثوابت و نظريات غربية للبحث عن مشكلة شرقية, تُعالج و تُحلل بأسلوب غربي و تصاغ الفرضية و الحل بما يلائم عقلية المتلقّي (الغربيّة), و إن كان العمل مخصصاً لوسيلة إعلام جماهيرية فإن المشكلة أكبر لأنه غالباً ما يتم تبسيط و اختصار أو إعادة صياغة عمل هذا الباحث من قبل مُعد غربي لتلبية احتياجات الوسيلة الإعلامية أو لكي يصل إلى أوسع شريحة من الجمهور.

الثاني: الكثير من هذه الجمعيات و المؤسسات و مراكز البحث (أو على الأقل هذا ما يحدث في أوربا) تتبع تنظيمياً أو تمويلياً أو كلاهما لجهات تهتم بـ "توثيق الصلات" و "مد الجسور" و أمور مشابهة مثل بعض الجهات الحكومية أو شبه الحكومية لدول جنوب أوربا المهتمّة بتنمية العلاقات في حوض المتوسط, و بالتالي يُنتظر عادةً أن تكون نتائج هذه الأبحاث "إيجابية" أو على الأقل "متفائلة".. حتى لو جاءت هذه الإيجابية و التفاؤل على حساب وقوع البحث في السطحية. كمثال على ذلك رأي سمعته في إحدى محطات الراديو الكبرى هنا في اسبانيا لأحد الباحثين في مركز دراسات تابع لجهة حكومية اسبانية, و هو من أصل عربي (من أصل أردني تحديداً) حول الوعي الديمقراطي لدى الشباب العربي و كان يؤكد أن الشباب العربي ككل يمتلك حساً ديمقراطياً تعددياً عالياً و الدليل على ذلك أنه يتبنّى الأسلوب الاستهلاكي الغربي في الأكل و الشرب و اللباس و يدمن الشباب العرب على الانترنت و الفيسبوك و يوتيوب كأقرانهم الغربيين و يشاهدون المسلسلات و الأفلام الغربية على "الستلايت" بإقبال كبير و يذهبون إلى المقاهي لمشاهدة مباريات كرة القدم الأوربية.. و لم يعط أي دليل آخر أو معلومات إضافية, بالنسبة له تكفي هذه الشواهد للحديث عن "وعي ديمقراطي".. ! تكمن المشكلة في أن أصله العربي يعطي نوع من المصداقية لكلامه أمام المشاهد الغربي, و هو في هذه الحالة يتحدث كباحث في مؤسسة تابعة لحكومة اسبانيا المهتمّة بالسياسات اليورومتوسطية و تقوية الروابط مع دول حوض المتوسط, و يشارك في برنامج تذيعه قناة راديو ليبرالية – يسارية و بالتالي فإن المستمع النمطي لهذه القناة يتمتع بقابلية لسماع شيء إيجابي و متفائل عن العرب و المسلمين (هُم) و سماع رأي "أكاديمي" يناقض الصورة القاتمة للعرب و المسلمين, و هي صورة يرفضها هو إيديولوجياً حتى لو كان ذلك بشكل رمزي.

الجانب الاستشراقي من الموضوع يأتي من أن خطاب هذا النوع من الباحثين و الإعلاميين و غيرهم, رغم أنه يحاول كسر سلبية الصورة النمطية السوداء للعرب و المسلمين (هذه وظيفته إلى درجة كبيرة) و رغم أنه يفترض أنه مكلّف بمد الجسور المعرفية بين "الشرق" و "الغرب" إلا أنه يحافظ على هذا الفاصل المعرفي و الوصفي بل قد يكرسّه.. و رغم أنه لا يدعو إلى تدخّل غربي مباشر (عسكري, سياسي.. الخ) في الشرق "لتطويره" إلا أنه يربط تطوّر الشرق و تقدّمه حتمياً بـ "انفتاحه" على الغرب: بالتعلّم منه, باقتباس ثوابته السياسية و الاجتماعية, باستيراد نماذجه الاقتصادية, بتقليده... الخ. يدمن هذا الخطاب على رسم متوازيات و تشبيهات بين حالات من التاريخ الأوربي و أمور يراها مشابهة في الواقع العربي, و هي مقارنات تفتقر للدقّة في أغلب الأحيان لأن السياق التاريخي و السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي مختلف تماماً.. لكن هناك على ما يبدو حاجة للتسرّع في الحصول على النتيجة الإيجابية أو المتفائلة.

أكرر ما قلته سابقاً بخصوص أنه لا يجوز التعميم على جميع المؤسسات البحثية و لا على كلّ العاملين العرب فيها, هناك جهات مهنية جداً و ذات جهود ممتازة جداً, و تتمتع بمصداقية عالية.

النمط الثالث: الاستشراق البديل

أقصد بهذا النمط الأخير من المستشرقين العرب جزءاً (أيضاً لا يقبل التعميم) من النشاط الثقافي و الفني و الترويجي للدول العربية و للمثقفين و الفنانين العرب... قد يولد هذا النمط من رغبة هؤلاء الناشطين (إن كانوا أفراداً أو مؤسسات أو حكومات) في كسر الصورة النمطية السلبية للدول العربية و لشعوبها لكنهم يقومون بذلك عن طريق إنشاء صورة نمطية أخرى "أقل سلبية" و إن كانت مليئة بعناصر موجودة سلفاً في الكليشيهات السابقة.. لو تابعنا الأعمال الثقافية و الفنية التي تشارك في المهرجانات و التظاهرات في الخارج (إن كانت مهرجانات رسمية أو "مستقلة") سنشاهد أنها, في غالبية الأحيان, معدّة للمشاهد الغربي سلفاً, تخاطبه بعقليته و تحمل من العناصر النمطية "للشرق" ما يكفي لكي يتأكد هذا المشاهد الغربي أنه يشاهد شيئاً "شرقياً" و إن تم الاستغناء عن السلبيات إلى حد بعيد (العنف, احتقار المرأة, التعصّب.. الخ) و تم التركيز على بُعد روحاني, وردي, تأمّلي, "أكزوتيك"... الخ, و يخرج المتابع الغربي و هو متيقّن من أن جميع العرب يذهبون إلى الحلقات الصوفية للدوران حول أنفسهم عندما يكونون متعبين نفسياً (بنفس الطريقة التي يذهب فيها الغربي لممارسة اليوغا), و أن جميع النساء العربيات يجدن الرقص الشرقي ببراعة رهيبة.. و عندما يرى العربي النمطي القمر أو النجوم تتوقف الدنيا و يبدأ "بالتفلسف" حول الحياة و معانيها الجميلة في عالم الشرق البرّاق...

قد لا يكون ذلك سلبياً جداً, لكن هذا "الاستشراق البديل" لا يخرج عن الفاصل بين الشرق و الغرب بل يحاول تغيير شكله, أو تغيير سلوكه دون هدمه كفاصل تمييزي بين الغربي المتقدّم المتطورّ العقلاني و الشرقي.. الفرق الوحيد في هذه الحالة هو أننا نحوّل الشرقي العنيف المتعصب إلى شرقي "روحاني" و فلسفي.. لكنه يبقى متخلفاً !

أعتقد أن هذه الأنماط الثلاثة تلخّص بشكل سريع الجانب النخبوي العربي الذي أرى فيه جزءاً من الخطاب الاستشراقي, و لهذا الجانب النخبوي دور مزدوج: تكريس الخطاب الاستشراقي في الغرب و ترسيخ مفهوم "الشرق" لدى الفكر الغربي, و أيضاً تنمية استشراق محلّي لدينا ننظر فيه لأنفسنا على أننا (هُم) و ليس (نحنُ).