04 آذار 2010

الديمقراطية و العلمانية في البلاد العربية ( 1 ) – مقدمة عامة كرد على الأخ أنس

يأتي هذا النص (المقسّم مبدئياً على أربعة أجزاء سأنشرها على مدى عدّة أيام بتواتر جزء كل يومين تقريباً) كتشعّب للكلام حول النص السابق حول مسألة الحجاب في فرنسا, و أقصد بالتحديد رداً للأخ أنس فتح فيه الباب لمجموعة من التساؤلات الكبيرة التي بُني جزء من هذا النص عليها.

أود أن أبدأ بالإشارة إلى نقطة هامّة أوردها الأخ أنس في ردّه حول أنه يعتقد أنه لا يجب استخدام مصطلح "إسلامي" بشكل تعميمي لأن هذا الأمر غير صحيح "لأنه قد تحمل أكثر من عشر معاني مختلفة" على حدّ تعبيره, و أنا أؤيد كلامه, و في أجزاء من النص سيكون هذا الكلام واضحاً.. لكن أيضاً أدعوه لأن يستخدم نفس المعيار في مقاربة مفهوم العلمانية و معناه بدل القول "العلمانيين هم كذا و يفعلون كذا و يقولون كذل", لأنه إن كان لمصطلح "إسلامي" عشر معاني مختلفة فإن كلمة "علماني" قد تحمل مئة معنى, أو بمعنى أدق, تحمل معنى واحد عريض جداً و لكن المعاني المتفرعة عما يلحق بها قد تكون بالعشرات.. و ليس في الأمر مبالغة.

هناك فكرة أعتقد أنني اضطررت لتكرارها عدّة مرات في نقاش التدوينة السابقة و أحتاج لذكرها للمرة الأخيرة هنا كي أعفي نفسي من تكرارها في النقاش أو في أجزاء أخرى من النص: كل الأفكار الواردة هي من وجهة نظري الشخصية و من قناعاتي الذاتية و أشاركها بغية النقاش و تبادل وجهات النظر.. أنا لا أدعو لشيء و لا أحاول إقناع أحد بأي أمر, لا ألمّع صورة العلمانية و لا أريد أن أقدم صورة "برّاقة" عنها و لا أبغي أن أكون ناطقاً باسمها أو محامي دفاع عن من يقول عن نفسه أنه علماني.. هذه مجرد أفكار شخصية لفرد عادي, لذلك أرجو لمن يريد نقاشها أن يعتبرها كذلك (بغض النظر إن اختلف معها أو رفضها كلياً من أساسها, ليست هذه هي المسألة) دون نعوت من نوع آخر ليست إلا طعناً في نزاهة الكاتب في التعبير عن قناعته بشكل صريح و بسيط.

ما هي العلمانية..

ببساطة العلمانية ليست إيديولوجيا و لا هي فكرة محاطة بحدود ثابتة, بل هي (من الناحية السياسية) منهج فكري جامع لأعداد هائلة من التيارات الفكرية و الإيديولوجيات و النظريات السياسية و الاجتماعية المختلفة في ما بينها إلى حدّ التناقض و الصراع في كثير من الأحيان, لكن تشترك جميعها في أمر واحد أساسي و هو أنها ليست قائمة على هيكل فكري ديني, أو بمعنى آخر, إن أي نظرية سياسية – اجتماعية لا يكون الدين عمودها الفقري و أساسها (حتى لو احتوت على فكر ذو أصل ديني) و لا تستند على الدين كفكرة (عصبية) جامعة للأفراد المنتمين إليها (في حال كونها نظرية تنوي بناء دولة نقول أنها لا تستند على الدين كنموذج لبناء هذه الدولة و لا تبغي أن تبني دولة دينية أو ذات هويّة دينية سياسية) هي نظرية تستطيع أن تقول عن نفسها أنها علمانية, و هنا تجد أغلب الأفكار القومية ( كل النظريات القوميّة اليسارية و أغلب النظريات القومية اليمينية ) و جميع التيارات اليسارية من الاشتراكية الديمقراطية و حتى الأنارشية مروراً بالاشتراكية العلمية و الشيوعية بأنواعها, و لديك أيضاً الليبرالية بكل أنواعها و تحريفاتها و اختطافاتها. معنى هذا الكلام أننا لا نقول الحقيقة إن قلنا أن الإيديولوجيات العلمانية خالية من الدين, بل أن أغلب النظريات القومية في مختلف أنحاء العالم تعتمد في بنيانها الفكري على أسس دينية, إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر.. حتى لو حاولت الهروب من هذه الحقيقة أو محاولة تمويهها, و لنا في القوميّة العربية (و هي أول نظرية علمانية دخلت بلادنا) خير مثال.. لا نستطيع أن نفكر بالقوميّة العربية, على الأقل في حديثنا عن أساسها التاريخي, دون أن نقارب موضوع الإسلام و الدولة الإسلامية, و هي نقطة أعتقد متواضعاً أن أغلب, كي لا أقول جميع, منظّري الفكر القومي العربي لم ينجحوا في شرح هذه المسألة بما يكفي, و هذا موضوع آخر على كلّ حال. و هناك مثال آخر و هو الصهيونية.. إسرائيل تقول عن نفسها أنها دولة علمانية! و تبني ذلك على أن الصهيونية, و هي الفكرة القومية اليهودية, ترى في اليهود شعباً يجتمع تحت عصبة اليهودية (كهوية و سمة انتمائية و ليس فقط كإيمان ديني), و لكي يتحرر اليهودي يجب أن يجتمع يهود الشتات في راية قومية و يقيمون الدولة التي تجمعهم كقوم و تحررهم من عقدة الأقلية الملاحقة التي لازمتهم لقرون.. أي أنها دولة قومية و لكن أحد أسس الفكرة القومية هو اليهودية كانتماء لجماعة و ليس كإيمان بدين (بمعنى آخر, اليهودي هو ابن العائلة اليهودية و البيئة اليهودية و التراث اليهودي, و ليس أيّ شخص يقرر أن يدخل في الديانة اليهودية).

العلمانية ليست إلحاداً.. من الممكن أن يكون شخصٌ ما متديناً و علمانياً في وقتٍ واحد, أي أنه يطبّق دينه و يعبّر عنه و يعمل من أجل وجوده بعناصره المختلفة و ينادي بوجود مستلزماته (دور عبادة, قوانين لا تتعارض مع أفكاره أو على الأقل توفّر له البديل كي لا يناقض دينه مثل البنوك الإسلامية أو الجمعيات الخيرية المعنية بتلقي أموال الزكاة.. الخ), لكنه لا ينادي بدولة دينية, و مجتمع دولة علمانية قد يحمل طابع التديّن و المحافظة, لكن الإطار القانوني و الإداري علماني, أي أنه لا يعتمد على الدوغما الدينية.. رغم أنه ( و غالباً سيكون كذلك) قد يحوي كثيراً من المبادئ الدينية في دستوره و قوانينه. لكنه لا يتبنّى نظرية دينية بأكملها في بناء الدولة.

هل يمكن أن يكون هناك إيديولوجيات علمانية عنصرية؟ بالطبع! قد تحتوي بعض النظريات القومية مثلاً على أفكار عنصرية أو إقصائية, لكن هذا لا يعني أن العلمانية عنصرية! أيضاً من الممكن أن تنشأ العنصرية داخل الفكر الديني و هذا لا يعني أن الدين عنصري.

تعاني العلمانية إلى حد كبير من صورة نمطية سلبية عند الكثيرين مثل تصوير العلمانية ككل بأنها معادية للدين أو أن العلمانيين هم ناس منحطّون و ينادون للانحلال الأخلاقي أو ما شابه, و لا شك أن هذه الصورة النمطية هي إلى حد كبير من إنجاز فئات كثيرة تعادي أي فكرة علمانية انطلاقاً من الإيمان بفكرة دوغماتية دينية ترى في أي نظرية علمانية عدوّة لها, و لكن أيضاً هناك مسئولية كبيرة على عاتق النخب الفكرية العلمانية المختلفة أيضاً من حيث الفشل في نقل الصورة الواضحة عن فكرهم, و قد يكون هذا الفشل بسبب التضييق و المنع و الصعوبات المختلفة الأخرى, لكن كثيرين منهم ارتاح في لجوئه إلى برج عاجي و ابتعاده عن "العوام". بطبيعة الحال هذه الصورة النمطية هي ظالمة ككل الصور النمطية و لا يمكن استخدامها للتعبير عن مجموعة من البشر مختلفون جداً عن بعضهم في مجالات كثيرة, و لعلّ ما يختلفون فيه أكثر بكثير مما يجمعهم.

عليّ أن أشير هنا إلى أنّنا جميعاً, حتى مناهضو العلمانية, نستخدم مصطلحات و مبادئ هي نتاج فكر علماني, و كمثال على ذلك أستطيع أن أورد مفاهيم الوطن و الوطنية و المواطنة, هذه جميعاً مصطلحات ذات أصل علماني فهي تصوّر للأرض و الشعب (القوم) و هويّتهما و العلاقة بين الفرد و المجتمع و الدولة العلمانية, و المجتمع المدني, و حتى مفهوم الديمقراطية التعددية (باعتبار أن الأخ أنس تطرّق إليه) هو مفهوم علماني لأننا لا نستطيع تصوّر دولة تعددية بأحزاب علمانية (قومية و يسارية و ليبرالية.. الخ) و أحزاب دينية (سنتحدث لاحقاً عن الأحزاب الدينية بشكل موسّع) منضوية ضمن نظام ديمقراطي إن لم يكن ذلك في دولة علمانية (بغض النظر عن مدى تأثر دستورها بدين أغلبية الشعب), لو كانت دولة دينية لما كان هناك مكانٌ للأحزاب أساساً. النموذج الديني للدولة يطبّق شريعة دينية لا تقبل جدلاً في أيّ من عناصرها و لا مكان لنظريات بديلة و لا لحامليها (قد يُسمح لهم بالحياة و الوجود كتنازل من قبل الدولة الدينية و تسامح مع "الابن الضال" و ليس بناءاً على تعددية فكرية).. و "الديمقراطيات الدينية" إذا صحّ التعبير, على النموذج الإيراني مثلاً, ليس فيها "لعبة ديمقراطية" بين إيديولوجيات و نظريات سياسية بل هناك إلى حد ما "تنافس" حول من هو الشخص الأكفأ لقيادة تطبيق و حماية هذه النظرية الدينية الصارمة و الوحيدة تحت إشراف سلطة دينية عليا تعنى بعدم الخروج عن هذه الشريعة الدينية, أي أنها ليست ديمقراطية تعددية.. و أنا شخصياً أجد صعوبة كبيرة في أن أدعوها ديمقراطية أساساً.. هي أشبه بانتخابات داخلية داخل نظام حزب واحد!

تختلف النظريات العلمانية فيما بينها فكرياً حتى في شأن مقاربة المسألة الدينية, و هذا لا يعني أن "العلمانيون يناقضون أنفسهم" كما يقول الكثيرون من مناهضي العلمانية, و لا نستطيع أيضاً أن نتحدّث عن "رأي العلمانية" في موضوع معيّن و لا يمكن أن يتحدّث أحدهم باسم العلمانية.. القومي يرى الأمر بصورة معينة و اليساري بصورة أخرى و الليبرالي بصورة ثالثة.. الخ, و كلها قد تكون مختلفة فيما بينها, لكن كلها علمانية! أي أنني عندما أتكلّم عن وجهة نظري الشخصية أطرح "وجهة نظر علمانية" و ليس "وجهة نظر العلمانية" (هذا الكلام كرد على قول الأخ أنس في تعليقه أن كلامي بخصوص رفضي لمنع الحجاب ينفع لإبرازه في وجه من يدّعي أنه علماني و يقف مع منع الحجاب).

لنلاحظ في مسألة الحجاب.. إن أتينا و أخذنا آراء أناس مسلمين و متدينين و سألناهم عن رأيهم في الإجبار على الحجاب هناك من سيوافق و هناك من سيقول أنه ليس مع الإجبار, كلاهما مسلم و كلاهما له رأي, و لا يحق لأحد أن يأتي و يقول لأحدهم أنه ليس مسلماً لأنه يقول هذا الرأي أو ذاك.. أليس صحيحاً؟ (دائماً سيكون هناك متعصبون و متطرفون يرون رأيهم فقط هو الصحيح و هو الحقيقة المطلقة و بمنهج تكفيري سيقول لك أن كلّ من لا يقول ما يقوله هو ليس مسلماً.. هذا ليس مجال حديثنا.. نتحدّث عن نوع آخر من البشر).

في داخل الإيديولوجيا الواحدة, بل في داخل الدين الواحد هناك تيارات و طوائف و آراء مختلفة و متناقضة, و لا نقول لهذا السبب أن هذا الدين يناقض نفسه, فما بالك بمنهج فكري واسع شاسع هو سمة من سمات عديدة لنظريات مختلفة فيما بينها و لا يجمعها إلا كونها غير نابعة (بشكل قاعدي أو أساسي) من الدين بشكل مباشر, و هي نظريات لا تحوي أفكاراً دوغماتية (غير قابلة للجدل) و لا تحوي نصوصاً مقدّسة.. أي أن هناك مجال أوسع حتى داخل النظرية الواحدة للتباين و الاختلاف.

جيّد.. من أين تأتي هذه النظريات؟

إن كلّ نظرية سياسية هي وليدة سياق و محيط تاريخي و سياسي و اقتصادي معيّن, و هي منحوتة بناءً على هذا السياق و المحيط, تولد و تنمو و تتطوّر نتيجة ظروف حتى تصل إلى شكل نهائي, أو ربما لا تصل بل تستمر بالتطوّر مع مرور الزّمن و تقدّم العصور.. و من المستحيل الحديث "تطوّر العلمانية" لأن هذا يعني الحديث عن كلّ النظريات و الإيديولوجيات, و كلّ منها وليد ظرف و مكان و زمان معيّن ساهم في بناءه, و الدين موجود في كلّ الحاضنات التاريخية لهذه النظريات, و موقف هذه النظريات من الدين و علاقتها معه (سلباً أو إيجاباً) ناتجة عن هذا السياق التاريخي الدقيق, و مبادئ هذه النظريات و أفكارها مستقاة من المناخ العام للمكان الذي ولدت فيه و مبنية على قضاياه و مشاكله المؤقتة منها و الدائمة.

هذا كلام بديهي بقدر ما هو ضروري, و أقوله كمدخل للرد على تساؤل الأخ أنس حول أن "ما صلح لأوربا و أنقذها لا يشترط أن يصلح لمكان آخر" وهو أمر لا أعتبره تساؤل بل هو جزم.. هذا كلامٌ صحيحٌ جداً. لنعد إلى المقطع السابق و لنفكر سويّة: إن أي نظرية سياسية – اجتماعية قد ولدت في سياق معيّن و كفرضية حل لمسائل معيّنة في مكانٍ ما و زمانٍ ما.. هل تصلح لكلّ الأزمة؟ هل تصلح لكل الأماكن؟ قطعاً لا.

إن أغلب التيارات العلمانية (إن تحدّثنا عن نظريات إيديولوجيا جاهزة, لا نقصد مناهج تفكير) قد نشأت في أوربا, و بالتالي هي ناتجة عن قراءة لواقع مسيحي غربي, و وليدة ثقافة مسيحية غربية و مناخ اجتماعي مسيحي غربي.. و بالتالي حتى و إن كانت علمانية فهي تحوي الكثير من الفكر المسيحي الغربي, و لا تنفي ذلك و لا يتناقض هذا الأمر مع كونها علمانية.. هي وليدة ثقافة جمعية.. من أين ستأتي إن لم يكن منها؟!!

لم تشهد بلادنا العربية ولادة و نمو أي فكرة إيديولوجيّة علمانية بمنشأ و جذور و سياق نمو عربي, و القومية العربية ليست استثناءاً. لم تولد فكرة القومية العربية بكامل عناصرها عندنا بل كانت إسقاطاً عربياً للنزعات القومية الأوربية في القرن التاسع عشر.

تعاني النظريات العلمانية بغالبية الحالات من معضلات كبرى في البلاد العربية, الأساس هو سهولة مهاجمتها من حيث أنها تدعو لعدم تطبيق الشريعة الإسلامية و بناء الدولة الإسلامية بل تبحث عن نموذج مختلف للدولة, فحتى لو تم الحديث عن ضرورة التوفيق بين الموروث الإسلامي للشعوب و النظرية السياسية العلمانية فإن هناك من لا يقبل إلا بالشريعة الإسلامية و يرفض أي قانون وضعي و يرفض أي نموذج للدولة ما لم يكن دولة الإسلام,و بطبيعة الحال لن يقبل هذا الشخص أي نظرية علمانية حتى لو كانت مستقاة من الثقافة الإسلامية و سيحاربها بشتّى الوسائل (و لن يناقش فيها أصلاً, هي مرفوضة من الأساس). و توجد مسألة أخرى هامة أيضاً و هي أن الكثير من متبنّي الأفكار العلمانية لم يفكّروا, أو إن فكروا هناك ما منعهم من التجربة العملية, في أن الواقع العربي و التاريخ العربي و المجتمع العربي مختلف تماماً عن المكان الذي نشأت فيه هذه النظرية, و بالتالي يحتاج الأمر إلى دراسة الواقع بشكل نقدي و عميق و "عربنة" هذه النظرية انطلاقاً من هذه الدراسة العميقة و النظرة الموضوعية.. لا أستطيع أن آتي بنتائج جاهزة توصّل إليها مفكّر فرنسي مثلاً من أجل مسألة فرنسية خلال القرن التاسع عشر و أحاول تطبيقها في واقع لم تلد منه, بل أنا آتي بالمنهج الفكري, بطريقة التفكير, بالعقلية.. و أفكر بواقعي بناءً على هذه العقلية و أصل لنتائجي الخاصة بناءً على خصوصيات هذه البلاد و شعوبها.

إن النظرية و نتائجها ليست مالكة لمنهج التفكير, بمعنى أنه إن لم تكن نتائج نظرية معيّنة صالحة لبلاد معيّنة فهذا لا يعني أن منهج التفكير غير صالح.. إن منهج التفكير يقدّم نتائج مختلفة في بلاد مختلفة بناءاً على قراءة نقدية و موضوعية لواقع هذه البلاد.

إن أي فكرة علمانية لا تضع بعين الاعتبار أن هذه البلاد تنتمي لواقع إسلامي (باختلاف أثره بين الدول أو باختلاف طوائفه و طرقه) عمره 15 قرناً, و هناك تاريخ و عادات و تقاليد و موروثات دينية مباشرة و غير مباشرة, كما توجد عادات اجتماعية قادمة من الدين أو ملحقة به.. إن أي تجاهل مهما كان صغيراً لكل هذه العوامل سيعرّض هذه الفكرة للفشل الذريع.. لسبب بسيط: عدم الواقعية. و المشكلة تكمن أننا حتى الآن (و نتحدث عن مدارس جماعية و ليس عن جهود فردية موجودة و بعضها لامع جداً) لم نأتِ بمنهج تفكير بل استوردنا نتائج.. حفظنا ما قالت المدرسة الليبرالية العلمانية الكلاسيكية الفرنسية مثلاً عن الواقع الفرنسي خلال قرون عديدة و مروراً بأزمات و ثورات و قلاقل و حروب و مئات الألوف من القتلى و هزائم و انتصارات.. و جئنا و فكرنا في تطبيق هذه النتائج فوراً ! طبعاً سيفشل هذا الأمر.. و نفس الكلام ينطبق على المدرسة الشيوعية الدوغماتية السوفيتية و الليبرالية الفيلو أمريكية.

لا نستطيع مثلاً أن نتعامل مع الإسلام في الشرق كما يتم التعامل مع المسيحية في الغرب, بل أننا لا نستطيع التعامل مع المسيحية في الشرق كما يتم التعامل مع المسيحية في الغرب ! هناك اختلافات لا يمكن تجاوزها و القفز فوقها.

سأورد لك أوضح مثال حول هذه المسألة كختام لمقاربتها (رغم عدم رضاي الكامل بتعبيري عنها, ربما لم أستطع ترجمة الأفكار بشكل كامل على شكل كلمات و لكن أتمنى أن تنفع الأجزاء المقبلة في توضيح ما يمكن أن يلتبس): مسألة تعدد الزوجات ( و أنا هنا لا أقول رأي و لا أنتقد و لا أخطئ أحداً أو أدعم صحّة كلامه.. فقط أورد المفارقة كمثال)... الفكر العلماني الأوربي يرفضها بشكل قاطع و يعتبرها منافية لمبدأ المساواة بين الرجل و المرأة, و بالتالي تجد أن أغلب التيارات العلمانية العربية تتبنّى هذا الرأي دون مقاربته من وجهة نظر أخرى, أو على الأقل تتجنّب الخوض في هذه المسألة.. عند التفكير في هذا الشأن يجب عدم النسيان أن الفكر العلماني الأوربي نشأ في بيئة مسيحية و بالتالي عنده الكثير من التأثير المسيحي.. و المسيحية تمنع التعدد (ما عدا طائفة المورمون الصغيرة غرب الولايات المتحدة, و ربما جماعات هامشية أخرى), أي أنها لم تكن قضية دينية بالنسبة لهم و بالتالي لا تنفعنا نتائجها للإسقاط على الواقع العربي مباشرةً, ربما نفكر في المسألة و نصل لنفس النتيجة, أو نصل لغيرها, لا يهم! ما أريد قوله هو أننا لا نستطيع أخذ هذه النتائج جاهزة بل علينا البحث عنها بناءً على واقعنا.

هذا لا يعني أنه لا يجب على النظرية العلمانية ألا تحاول تغيير الواقع الموجود لأنه "تراث", ليس هذا هو الأمر, يجب على النظرية العلمانية, أياً تكن, أن تحاول تغيير أمرٍ ما بناءً على دراسة موضوعية له ضمن سياقه المكاني و الزماني و الثقافي الصحيح و مقارنة فوائد و مساوئ التغيير و فوائد و مساوئ الإبقاء بتجرّد و موضوعية نابعة من قراءة الواقع الجغرافي و الثقافي و التاريخي و النفسي حتى.. و ليس لأن النتائج الجاهزة في مكانٍ آخر قد قررت أمراً ما حيال شيء يشبهه هناك..

إن تشغيل أي منهج فكري علماني في واقعنا العربي و الإسلامي سيأتي بنتائج متأثرة بالثقافة و التراث و التاريخ العربي و الإسلامي, مثلما أتى بنتائج متأثرة بالثقافة و التراث و التاريخ الغربي و المسيحي في أوربا! لا أستطيع أن أطبّق نتائج الأولى في الثانية, و لا نتائج الثانية في الأولى.. هذا أمر طبيعي!

آمل أن تكون هذه المقدمة المختصرة جداً حول العلمانية ككل و الرأي حول كيفية نشوء الإيديولوجيات و طريقة تطبيق نظرياتها حسب السياق قد نفعت .. لا نستطيع أن نحشر في مقالة من ثلاث صفحات أفكاراً تحتاج إلى مجلدات ضخمة لشرحها بشكل يفيها حقّها, على كلّ حال هي مجرد رؤوس أقلام سريعة و عامة جداً

الجزء الثاني سيكون : الأحزاب الدينية و الديمقراطية التعددية

يتبع..