23 آذار 2010

الاستشراق و العرب ( 1 من 4 )

edwards

بطبيعة الحال لا يحتاج المفكّر و الأكاديمي الفلسطيني الراحل إدوار سعيد لرأيي بأنه أحد أهم مفكّري النصف الثاني من القرن العشرين على مستوى العالم و ليس فقط بسبب بحثه في الاستشراق (و فكرة هذا المقال آتية من الموضوع العام لهذا البحث) و إنما أيضاً بفضل عشرات المؤلفات و الندوات و المحاضرات و المقالات المهتمّة بمجاله الأكاديمي الأدبي و الفكر النظري العام و دور الثقافة و المثقف في المجتمع, و لا ننسى بطبيعة الحال نضاله الفكري من أجل القضية الفلسطينية و مرافعته عن حقوق الشعب الفلسطيني بصلابة و شجاعة في مناخٍ كان في أحيانٍ كثيرة عدواني تجاهه و تجاه رسالته الرافضة للصهيونية و سياساتها. و يعتبر كتاب الاستشراق (1979) حجر الأساس لنمط فكري و علمي "جديد" : دراسات ما بعد الكولونيالية.

عندما نتحدّث عن الاستشراق فإننا نتذكر للوهلة الأولى أولئك الرحالة و الأدباء و الباحثين الذين جابوا الشرق و درسوه و كتبوا عنه و رسموه اعتباراً من بدايات القرن التاسع عشر, لكن مفهوم الاستشراق (الذي بدأ فعلاً مع هؤلاء المستشرقين لكنه تطوّر و تشعّب و تعقّب كثيراً من بعدهم) أوسع و أعمق من ذلك بكثير فهو منهج فكري متكامل و معقّد يؤسس على رسم حد معرفي واضح بين "الشرق" و "الغرب", أو بين "نحنُ" (نقصد الغرب) و "هُم", و اعتباراً من هذا الحد المعرفي يتم بناء نظريات فكرية و ثقافية و سياسية و اقتصادية تُعنى في مجملها, بشكل مباشر أو غير مباشر, في كيفية فهم هذا "الشرق" و دراسته و تدريسه و الكتابة عنه, و السيطرة عليه و التحكّم به التقرير عنه.

نمط الفكر الاستشراقي يفترض مركزاً نموذجياً للمقارنة (الغرب) و يحوّل "الشرق" إلى المعاكس السلبي له, و يعتبره (بشكل مغالي في التحقير أحياناً) أدنى منه, و يتبنى كل الصور النمطية السلبية السائدة في العُرف الجماعي الغربي عن الشرق (و هي صور نمطية ناتجة عن نظرة استشراقية أدبية و فنّية أساساً) و يحوّلها إلى ما يشبه الحقائق التي لا تقبل الجدل.

الشرق من المنظور الاستشراقي (حتى إن لم يكن خطابه هجومياً بشكل مباشر) هو مرادف للاستبداد, للبطش, للعنف, للفخامة (المعتمدة على الترف و الغلاء فقط دون أي معيار ذوقي.. بالنسبة للاستشراق فإن المشرقي ذو ذوق و معيار للجمالية هابط و قميء و يهمه أن يكون الشيء غالي الثمن و أن يكون واضحاً للعيان أنه غالي الثمن دون أي اعتبار آخر), للشهوانية الجنسية, للتعصّب, للغرائزية, للجشع, للانحطاط الأخلاقي (بالمفهوم الغربي للأخلاق).. الخ. و هذه الصور النمطية السلبية تظهر في جزء من الناتج الثقافي و الفني الأوربي (ثم الأمريكي) خلال عقود طويلة, لكن ترجمته السياسية و الاقتصادية و الفكرية هي التالية: يعاني هذا الشرق من خلل بنيوي في تكوينه و من مشاكل و معضلات قد تحجّرت بعد مرور القرون عليها و أصبحت جزءاً من تكوينه الفكري و السياسي و الاقتصادي, و هو عاجز تماماً عن التقدّم و النمو و الازدهار لوحده و يحتاج إلى أن "يساعده" الغرب على ذلك, و لكي يقوم الغرب "بمساعدته" يجب أن يتحكّم به و يتخذ القرارات الملائمة عوضاً عنه, و الغرب ينال مكاسب من هذه "المساعدة" قد تكون اقتصادية أو سياسية أو كلاهما معاً (و نجد في الفكر الاستشراقي درجات و اختلافات و سجالات حول طريقة "المساعدة" الأنسب لكن ليس حول المبدأ الأساسي).

هناك مسألة تستحق الوقوف عندها لأهميتها برأيي و تعنى بشكل خاص بمن يريد أن يقاوم الاستشراق و نتائجه: الاستشراق هو قراءة انتقائية و مصلحية "للشرق" و مشكلاته, لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد أساس معيّن من الحقيقة التي يقف عليها و بالتالي لا يُقاوم الاستشراق بنفي هذه الحقائق و إنكار وجودها (بالعكس تماماً هذا يسير لمصلحته).. عندما يقرأ الاستشراق مشكلة ما (فكرية, اجتماعية, سياسية) هو لا يخلق المشكلة من العدم, نعم ربما يكون هو (و نقصد الاستعمار) من ساهم في تكوينها, لكنها مشكلة موجودة و إن لم تكن بالشكل الذي يصفها الاستشراق, و حلّها ليس هو "الحل" الذي يقترحه الاستشراق, هو يقرأ المشكلة و يسمّيها و يشخصها و يحللها تبعاً لمصلحته, و بناءً على هذه المصلحة يقرر إن كان من الملائم له الإبقاء على هذه المشكلة بدعمها (الديكتاتوريات الموالية سياسياً أو اقتصادياً مثلاً) أو تجاهلها (مناطق معيّنة من المناسب أن تكون هادئة و منسيّة في هذه المرحلة) أو "حلّها", و الحل ليس حلاً علاجياً للمشكلة بل هو إعادة تكوين للمشكلة بما يلائم المصالح (إسقاط نظام غير متعاون أو منتهي الصلاحية بحجّة أنه ظالم و ديكتاتوري بطريقة قد تدمّر هذا البلد و تحطّم شعبه.. لكنها ملائمة مصلحياً).

نستطيع في هذا المجال أن نذكر مثالاً عملياً آخراً حول هذا الأمر: حقوق الإنسان. يُقارب النظام الاستعماري الجديد هذه المسألة بطريقة انتقائية و مصلحية تامة, فهو أولاً يقوم بانتهاكات صارخة, أغلبها يرقى لمصاف الجرائم ضد الإنسانية, في "مساعداته لنا" إن كان بالحروب التي يشنّها بشكل مباشر أو التي يشنّها وكلاؤه عنه, و يصمت صمت القبور على الانتهاكات التي يقوم بها حلفاؤه المحلّيون في بطشهم و استبدادهم و قمعهم لشعوبهم, لكنه قد يشن حرباً بحجّة "حقوق الإنسان" عندما يواتيه الأمر سياسياً و اقتصادياً. قد يقيم الدنيا و لا يقعدها إعلامياً و سياسياً بسبب شخص واحد في الوقت الذي قد يتجاهل (أو يبرر) مقتل المئات أو الآلاف في مكانٍ آخر.. الأمر مصلحي بحت. ماذا نفعل هنا؟ إن جزءاً كبيراً من خطابنا دفاعي دون عقلانية, بدل أن نقول أنهم شركاء في انتهاك حقوق الإنسان في منطقتنا و أنهم ليسوا أصحاب هذا المبدأ الإنساني السامي كي يوظفوه لمصلحتهم نقوم بمهاجمة مفهوم "حقوق الإنسان" بأكمله و نخوّن كلّ من يتحدّث عنه. بل ستجد أن هناك الكثير ممن يقولون أن حقوق الإنسان هي "بدعة غربية".. من يقول هذا الأمر هو وكيلُ الاستشراق و بوق له دون علمه, فصُلب الخطاب الاستشراقي يقوم على لا إنسانية الشرق مقابل حضارة الغرب الإنسانية, و هذا الكلام يصب في سياق تأكيد كلامهم.. نعم يا أيها السادة الغربيون نحنُ المشرقيون ساديّون و متوحشون و لا قيمة للإنسان و كرامته و حقوقه لدينا, حقوق الإنسان اختراع غربي فاستخدموه كما شئتم.. لو كان هناك قيادة علنية و حقيقية للاستشراق لتلقّى هذا الشخص صاحب نظرية "حقوق الإنسان بدعة غربية" باقة ورد (غالية الثمن و قميئة الذوق) مكافأةً على جهده.

شيء مشابه حدث بخصوص غزو العراق و احتلالها, لقد كان هناك عشرات الأفكار و الحجج العميقة في منطقيتها لنفي أي خطاب مُفترض يتحدث عن أن الحرب حصلت "لمصلحة الشعب العراقي" و لتبيان أن الحرب كانت من أساسها مجرد تجسيد لمصالح كبيرة و واضحة, و أن الشعب العراقي و مآسيه كان آخر هموم النيوليبرالية و مؤسستها العسكرية, هذا إن كان همّاً من الأساس, و كل هذه الأفكار و التحليلات كانت تثبت ذلك دون نفي أن نظام صدّام حسين كان ظالماً و مستبداً و فاسداً.. بل كانت تثبت أن هذه الحرب ستزيد المشاكل و لن تنقصها, و هي أفكار استخدمتها قطاعات واسعة من المجتمعات الأوربية و الأمريكية و أيضاً داخل الرأي العام العربي, لكن ماذا فعل الكثير منا؟ مجابهة هذا الواقع بالدخول في اللعبة التي وضع الغزاة بأنفسهم "قوانينها", إن كان بتحويل صدّام حسين إلى قدّيس (نعم, من الموضوعي القول أن نتائج و ويلات الحرب على العراق كانت أقسى و أكثر دموية من صدّام حسين و نظامه, لكن هذا لا يعني أن نظامه لم مستبداً و ظالماً و فاسداً و باطشاً) أو بالانخراط في الصراع الطائفي داخل و خارج العراق.. و جميع هذه التصرفات (و ما هو أهم: البحث المقصود عن أن تحدث) تدخل في نطاق تأكيد كليشيهات استشراقية (الشرقيون متعصبون, الشرقيون يحبّون الاستبداد و يدعمون المستبدين.. الخ).

إن إعدام صدام حسين بهذه الطريقة الاستعراضية كان رسالة مزدوجة: تحويله إلى بطل و رمز شبه مقدّس (عروبي- سنّي ) كحلقة من مسلسل الصراع الطائفي الناجم عن الحرب و الذي غيّر خارطة التوازنات القلقة أساساً لمصلحة الولايات المتحدة و إسرائيل, و أيضاً كانت استعراضيّة الإعدام (المدروسة بعناية فائقة, لا يمكن تصديق أن تسجيل الفيديو و شتائم الحضور و نطق صدّام للشهادتين كان مجرد صدفة ناتجة عن سلسلة أخطاء بسيطة.. كان موجّهاً كوقود للصراع الطائفي ) رسالة لأي حاكم يتجرأ على مقاومة المشروع النيوليبرالي في المنطقة : هذه نهايتك إن تجرأت. و هذا لا يعني أن صدام حسين كان "نموذجاً" لمقاومة المشروع الإمبريالي في المنطقة, لكنه نموذج لما يمكن أن يحدث لذلك الذي يعرّض نفسه لخطر بطش الإمبريالية به.

هناك حديثٌ يطول حول ما أسميته "المستشرقين العرب" (و كان هذا هو الموضوع الأساسي لمقالة واحدة قبل أن يتشعّب الحديث عن الاستشراق و ينمو و تظهر أفكار جديدة), و لذلك أتركه لمقالة منفصلة.

..

الصورة: إدوار سعيد (المصدر)