نقلت وسائل الإعلام منذ أيام خبراً عن نيّة بعض أعضاء مجلس الشعب إعادة طرح مشروع قانون يمنح أبناء المرأة السوريّة من والد غير سوري حقّ الحصول على جنسية أمهم, حيث أنّ "توريث" الجنسية السورية هو حقّ حصري للرجل حتى الآن حسب القانون السوري.
ليست هذه هي المرّة الأولى التي تقفز فيها هذه القضية إلى المنصة الإعلامية, فمنذ عامٍ تقريباً دار حديثٌ حول إمكانية تحريك هذه القضية, و يبدو أنّ المشروع المطروح اصطدم بعقبة خصوصية حالة أبناء المرأة السوريّة من والد فلسطيني, حيث أن تجنيس أبناء الفلسطيني يمكن أن يعتبر بمثابة توطين لهم في سوريا مما يناقض التمسّك المبدئي بحق العودة إلى الأراضي المحتلّة, و يبدو أن الحلّ المطروح (أو على وشك الطرح) الآن هو تشريع منح المرأة السورية جنسيتها لأبنائها بما لا يتعارض مع قرارات جامعة الدول العربية.. أي باستثناء الحالة الخاصة لأبناء السوريات من فلسطينيين. و قد يكون حلاً ملائماً بشكل مبدئي (أو بمعنى آخر.. أفضل الممكن, دون أن يكون الأفضل حتماً), خصوصاً إن تم سن قوانين مرادفة تسهّل الوضع القانوني للمعنيين.
لا شك أن اكتساب المرأة السورية لهذا الحق (إن تم إقراره في النهاية) هو إنجاز حقوقي كبير, و هو خطوة لا بأس بها في طريق المساواة الكاملة بين المرأة و الرجل أمام القانون و التشريع كما ينص الدستور السوري, و نعرف جميعاً أن هذه الخطوات ليست أبداً سهلة المشي نتيجة كم كبير من الموروثات الاجتماعية الثقيلة و الثابتة في بيئتنا الاجتماعية, و التي تصل في كثيرٍ من الأحيان إلى آلية التشريع (و ليس مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي ظهر منذ أشهر إلا مثالاً على ذلك), و التقدّم في مجال إحداث تغيير اجتماعي إيجابي في المساواة بين الرجل و المرأة و مكافحة العنف الأسري و نبذ الطائفية و العشائرية و المناطقية (و هذه بدعة جديدة نوعاً ما) يحتاج إلى تكاتف جميع الجهود من أفراد و جمعيات و مؤسسات.. لأنه بالنهاية عمل توعوي و تربوي قبل أن يكون آليةً قانونية.
لا تنتظر ملايين الكائنات الفضائية الغريبة هذا القانون على الحدود السورية كي تغزو البلاد حال إقراره كما يمكن أن نفهم من آراء بعض المعترضين على سنّه, فأغلب المعنيين به هم أناس ولدوا و عاشوا جزءاً كبيراً من حياتهم (أو ربما لم يخرجوا من سوريا أبداً), و منهم لنا جيرانٌ و أصدقاء و زملاء, و ربما نعرفهم "عشرة عمر" و لا نعلم أنهم لا يملكون الجنسية السورية, و يعانون من تعقيد أي إجراء روتيني و يحتاجون لطلب أوراق من الخارج أو من السفارات لتجديد وثائقهم أو للتسجيل في المدارس و الجامعات أو للعمل أو أي شيء يحتاج إلى معاملة رسمية. و حتّى لو كانوا مقيمين في الخارج.. أين المشكلة؟
أعتقد أنّ سنّ هذا القانون هو أمرٌ عادل و ضروري.. و قد طال انتظاره, و نأمل ألا يتأخر أكثر من ذلك.
لا أريد أن أهين أو أظلم أحداً فأنا أحترم وجهة نظر و رأي الجميع, و لا شك أن هناك الكثير من المعترضين على سنّ هكذا قانون, و رأيهم محترم بطبيعة الحال, لكنني لاحظت في الكثير من التعليقات الرافضة لهذا القانون "نفحة" تتراوح بين عنصرية لا منطقية و غيرة لا مبررة على ما هو "سوري". فمثلاً قال أحدهم أنه لا يريد أن يصبح "ابن مين من كان.. و الله أعلم قرعة أبوه من وين" سوريّاً, أو آخر يرفض أن ينال أبناء رجال من جنسيات معيّنة الجنسية السوريّة.
أريد أن أسأل هؤلاء عن الشعور الذي سيراودهم لو قال أحدهم في بلدٍ ما أنه لا يريد أن ينال أبناء السوري جنسية بلاده.
معلّق آخر قال أنه لا يريد أن يتحوّل الشعب السوري إلى "سَلَطة", و منح أبناء الأجانب حق الحصول على الجنسية السوريّة سيضر "بالأصالة السوريّة".. لا نعلم إن كان صديقنا يمتلك أدلة علمية على أن الأصالة السورية لا تنتقل عن طريق جينات الأم..
أيضاً شاهدت تعليقاً منذ فترة طويلة في إحدى المنتديات يرفض صاحبه القانون لأنه لا يريد أن يرى "عبداً" (و يقصد زنجياً) يحمل جواز سفر سوري (أعتقد أنه كان يبغي المزاح.. و إن كان كذلك فمزحته غير موفقة بتاتاً).
لست أبغي من سرد هذه الأمثلة الطعن بأصحاب الرأي المخالف لرأيي, لكنني للأسف رأيت أن أغلب الردود كانت من هذا النوع, بجانب ردود تحقيرية أخرى للنساء السوريات اللواتي يتزوجن من رجال غير سوريين.. حيث أنهن يستحقن العقوبة و التهميش و الرفض على تفضيلهن الأجنبي على ابن البلد, و هناك أيضاً إشارات إلى أننا مجتمع محافظ و تقاليدنا تحتم نسب الولد لأبيه (لنا أو علينا), و أن نسب الابن لأمه له مدلولات غير حميدة في مجتمعنا, و لا أعلم لماذا نخلط بين النسب و الانتماء العائلي و الإجراء القانوني.. لا يحتاج الشعور بالانتماء إلى أوراق و ثبوتيات, لكن الإجراءات القانونية تحتاجها, و هنا نتحدّث عن إجراء قانوني, و القانون هو الإطار الجامع لنا في حياتنا العامة و تعاملنا مع بعضنا و مع الجهات الرسمية و العامة.. أما مشاعر الانتماء فهي مسألة شخصية يعيشها كلّ واحدٍ منا بطريقته الخاصة.
ربما, و قد أكون خاطئاً, لا يمكن أن يكون هناك رأيٌ مخالف لهذا القانون دون أن يكون رافضاً للمساواة بين الرجل و المرأة في الحقوق و الواجبات.
ختاماً.. أتمنى أن تصدق الأخبار هذه المرّة و أن يتم إقرار القانون بسرعة, و أن يكون خطوة أولى تليها الكثير من الخطوات الضرورية الأخرى المتوجّهة نحو تقدّم اجتماعي لما فيه الخير و العدالة و المساواة للجميع.
و عمـــــــــــــــــــــــــار يا بلد..