26 شباط 2010

بحثٌ عن الآخر .. و فيه

إن الحديث المسهب و التأكيد الجازم حول ضرورة الاختلاف و الحاجة إلى الآخر و التعايش معه هي بلا شك من مميزات الفكر العام الحديث و المعاصر بمختلف مشاربه و أنواعه و اختلافاته, فاليوم لا يوجد من يدعو لكراهية الآخر بشكل صريح فقط لأنه مختلف و إنما يبحث عن مبررات سطحية و تعميمية تبرر هذه الكراهية دون أن يتوقّف كثيراً عند منطقية هذه الحجج و صحّتها من عدمها لأن الحجّة ليست إلا واجهة لا تهمّه و لا تهم من يتلقّى أفكاره العنصرية و يتقبّلها, فعلى سبيل المثال لو بحثنا في التفاصيل الفكرية للإسلاموفوبيا سنجد أنه لا أحد يقول أنه يكره المسلمين لأنهم مسلمون فقط (رغم أن هذا هو الشعور الحقيقي الذي سيطفو على السطح في لحظةٍ ما) بل أنه يسوّق بعض الحجج التعميمية و السخيفة و التي غالباً ما تسقط بثقلها الذاتي أو فقط عند سؤاله إن كان منطقياً و ذكياً تعميم بعض النظرات المسبقة السلبية على أكثر من مليار مسلم بهذه الطريقة السخيفة, لكن هذا لا يهم في النهاية لأن هذه الحجج ليست إلا غلافاً واقياً من بعض المشاعر المناهضة للعنصرية, و هذه المشاعر قد تكون موجودة داخل صاحب هذا الفكر نفسه حيث لا يوجد من يسمّي عنصريته بالعنصرية بل أنه يرفض ذلك في داخله أيضاً, و هو يحتاج إلى حجّة "منطقية" بالحد الأدنى تبرر كراهيته أمام نفسه و أمام غيره.

أريد من هذا الكلام أن أشير إلى أنه, بشكل عام, حتى العنصري يتحدّث اليوم عن التعايش مع الآخر.. لقد أصبح احترام الاختلاف و التعايش مع الآخر "كليشيه فكري لفظي" يسعى إليه كل من يريد عصرنة أفكاره. قد نجد شخصين بنفس الأفكار و نفس التشدد و نفس طريقة التعبير و نفس الكراهية, لكن إذا أدرج أحدهم ضمن خطابه تلك العبارات المعهودة عن الآخر و الاختلاف فربما لن نعامله بنفس القسوة التي سنعامل بها قرينه الذي لا يذكرها.. رغم أنه قد يكون أكثر صدقاً من الأول بعدم إدراجه للديباجة مسبقة الصنع. بطبيعة الحال هذه حالة قصوى و خاصة لا نبغي منها بأي شكل من الأشكال الانتقاص من الداعين لفظياً لتقبّل الآخر و احترامه.

هل يعني كلّ ما سبق أن المناخ النموذجي اللفظي لتقبّل الآخر و التعايش مع الاختلاف هو أمر سلبي؟

للأسف لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال بـ "لا" قطعية. لكنني أيضاً لا أعتبر هذا الأمر سلبياً من حيث المبدأ.. إن المشكلة موجودة في سياق تطبيق هذا المبدأ و ليس في أساسه, أو دعنا نقول أنه ليس في كلّ أساسه.

يبغي هذا النص إلقاء نظرة نقدية صغيرة على بعض الممارسات الناتجة عن مناخ "احترام الآخر" اللفظي, بالتحديد تلك التي تجعلنا نحتاج للآخر كمسألة رمزية لنؤمن المصداقية لأفكارنا أمام أنفسنا و أمام غيرنا, أي أننا, بمعنى آخر, قد أدمنّا على الآخر كرمز و اسم, و في كثيرٍ من الأحيان جاء هذا الإدمان على حسب مبدأ الاختلاف و مفهومه الأساسي بحدّ ذاته. إن الكثيرين يحتاجون إلى وجود رمزي قوي و واضح لهذا الآخر بجانبهم كي يستخدموه سلاحاً فكرياً في وجه من قد يتّهم أفكاره "بعدم الانفتاح" ضمن الكليشيه المذكور سابقاً, أو ربما لتبرير كلامهم أمام أنفسهم أيضاً ! فنرى أن كثيراً من النقاشات تبدأ اعتباراً من موقف دفاع استباقي, مثل أن أقول: " عندي الكثير من الأصدقاء الزنوج و بالتالي لا يحق لأحد أن يتهمني بالعنصرية تجاههم, لكن الزنوج هم كذا و كذا و كذا... الخ" كم مرّة سمعنا عبارات من هذا النوع؟

إحدى النتائج الأعمق سلبيةً لكليشيه عدم احترام الآخر, و لعلّها لا تقلّ خطراً عن الإقصاء الفكري و الكراهية الصريحة, هي تلك التي تفرض نموذجاً من التعايش يقوم على توافقية وردية اللون و مصطنعة بمجاملتها و مسايرتها و بعيدة كلّ البعد عن كلّ واقعية فكرية, و هي تؤدي إلى جعل الاختلاف عقيم الفائدة في إغناء الطرفين, بل أنها تفرّغ الآخر من مضمونه و معناه.. إنه مجرّد "آخر" بالاسم و الرمز, و ربما يحدث هذا لأننا حقيقةً لا نريد من هذا الآخر إلا ظهوره بجانبنا كآخر. نجد أحياناً شعارات من طراز (لنتحدّث عن ما يجمعنا و لنبتعد عما نختلف عليه أو ما يفرّقنا أو ما شابه) في أماكن و مواقف مختلفة, و هناك من يعتبر هذا الكلام شعاراً جميلاً و دالاً على تعايش صحيح.. مجموعة أشخاص مختلفين دينياً أو فكرياً أو حزبياً أو أياً يكن.. يتحدّثون عن كم يشبهون بعضهم و كم هم متطابقون و متفقون و يهربون من مواطن الاختلاف. إن هذا المفهوم, عدا عن كونه كارثة فكرية, هو دليل على أننا فعلياً لا نعرف التعايش مع الآخر لأننا نعتبر موطن اختلافنا عن بعضنا خطيراً و يجب الابتعاد عنه و تجنّبه. أي أنك يا "آخر" مقبولٌ طالما لم تعبّر عن اختلافك.. بل إنني بحاجة إلى وجودك الاسمي بجانبي كي أرضي غروري التعايشي .. لكن لا تعبّر عن اختلافك عنّي و أنا أيضاً لن أعبّر عن اختلافي عنك و هكذا فقط سنكون سعداء و سنتباهى باختلافنا و تعايشنا الجميل رغمه.

قد يكون لهذا النوع من "التعايش الوردي" نتائج سيئة و عنيفة (و نقصد عنفاً لفظياً بشكل أساسي و ليس جسمانياً) لأنه من المستحيل الهروب من الاختلاف الفعلي إلى الأبد, و في حال حصول موقف أو حادثة تتسبب بظهور الاختلاف حيالها قد يعتبر أحد الأطراف تعبير الطرف الآخر عن اختلافه أمراً عدائياً أو موجّهاً ضده, و سيكون هناك مواجهة غير ودّية لأننا اعتدنا على أننا متشابهون و لا نختلف بشيء و بالتالي لا نعرف التعامل بشكل طبيعي مع الاختلاف.

هذا الأسلوب في التعايش التوافقي الوردي و المجامل ولّد طبقات أو أنواع للآخر لا علاقة لها بفحوى فكر هذا الآخر بل تعتمد على مدى انغماسه في هذا التعايش التوافقي الوردي, و على سبيل المثال أذكر طرفة من أيام المدرسة: عندما كنت في الإعدادية كان في صفّنا زميلان مسيحيان, و كنا جميعاً أصدقاء دون أيّ مشكلة من أي نوع بطبيعة الحال. و في رمضان كان كلا الزميلين يمتنعان عن الأكل و الشرب أمام زملائهم الصائمين (كالعادة), لكن الفرق كان في أن أحدهم كان يصوم كزملائه المسلمين (أو كان يقول أنه يصوم) و الآخر لا يصوم بل يمتنع فقط عن الأكل و الشرب أمام الصائمين, و نتيجة هذا الفرق تولّد لدى الكثير من التلاميذ مفهوم غير قابل للجدل يقول بأنه هذا الزميل الذي كان يصوم معنا هو "أفضل" من ذلك الذي لا يصوم.. و هذا المفهوم ليس حكراً على الأطفال بل يمكن أن نجده عند الكبار أيضاً, و شيء مشابه يحصل لأحد معارفي و هو شاب مسلم يذهب إلى الكنيسة في أعياد الميلاد و الفصح مع "أصدقائه المسيحيين" ( لا أحب الحديث عن ديانات و معتقدات الآخرين فهي شأنهم لوحدهم, لكنني أذكر هذه الطرفة لأن هذا الشخص يتباهى بما يفعل, و قد تكون هذه العادة هي أول ما يرويه لك عندما يتعرّف عليك.. و أيضاً لست أقول أنه يخطئ في هذا الفعل فهو حر, فقط أقول أنه لا يحتاج لأن يفعله ليثبت لأحدٍ ما أنه "منفتح" كما أنني اعتبر مجرد قوله "أصدقائي المسيحيين" إقصائياً لأنه يصنّف أصدقاءه حسب ديانتهم).

إن أساس "الآخر" هو اختلافه الذي ربما يصل إلى حدّ التناقض, ففيه ما ليس فينا و فينا ما ليس فيه, و التعايش هو اعتبار الاختلاف غنىً دون أن يؤثر على العلاقة الإنسانية سلباً, و لا إيجاباً أيضاً ( أي أنني لن أحبّك أكثر فقط لأنك توافقني, و أيضاً لن أحبّك أكثر فقط لأنك تختلف عني), و ليس نسف الاختلاف أو تغطيته أو الهروب منه تعايشاً صحيحاً لا إن كان عن طرق فرض أسلوب تعايش (توافقي وردي) أو عن طريق ضرورة تبادل الأدوار بين المختلفين كي يبرهنوا لأنفسهم على أنهم متشابهون و لا فرق بينهم.

كلّ شيء في ممارسة الاختلاف جائز عدا الإقصاء و الإلغاء, و جميعنا على ما أعتقد نرفض الإقصاء و الإلغاء, و لكن أليس فرض التوافق المجامل و الهروب من مواطن الاختلاف إقصاءً مبطناً؟

إن أساس التعايش الصحيح يكمن في عفويته و ابتعاده عن التصنّع و الاستعراضية, لست بحاجة لأن أقول للقاصي و الداني أنني "أتعايش" مع أحدٍ يخالفني بل أن علاقتي الطبيعية و العفوية معه هي التي تتكلّم عني, و التعايش ينمو عن طريق الممارسة الفكرية للاختلاف و لا يتضرر منها كما يعتقد البعض, و كلّ صيغة للوجود "في مكانٍ واحد" لا تتضمن ممارسة الاختلاف دون أيّ خوفٍ مقيّد من السجال و النقاش الحار و حتّى من الخلاف.. قد تكون أيّ شيء آخر.. لكنها قطعاً ليست تعايشاً.

و دمتم متعايشين..