بدأ المعرض السنوي للفن المعاصر (آركو) في العاصمة الاسبانيّة مدريد منذ عدّة أيام بضجّة كبيرة نتيجة احتجاجات السفارة الإسرائيلية على أعمال الفنان الاسباني إيوخينيو ميرينو (Eugenio Merino) المعروضة في آركو, و أبرزها مجسّم على شكل بندقيّة رشاشة حوّرت فوهتها على شكل نجمة سداسية (نجمة داوود) و منها ينبثق الشمعدان اليهودي التقليدي (خانوكا), و قد وجّهت السفارة رسالة إلى إدارة المعرض مطالبةً باستبعاد أعمال ميرينو من بين المعروضات و قالت فيها:" إن مجموع أعمال إيوخينيو ميرينو المعروضة في آركو تحتوي على عناصر مهينة لليهود و لإسرائيل, و لآخرين أيضاً.."
بطبيعة الحال قوبلت مطالبات السفارة الإسرائيلية بالتجاهل, و لكن الجهود الإسرائيلية لاستبعاد المعروضات "المزعجة" لم تنته, حيث نشرت جريدة بوبليكو (Público) منذ أيام خبراً عن سعي مؤسسة شمعون بيريز لشراء هذا المجسّم مقابل خمسين ألف يورو لإبعاده عن الأنظار لكن يبدو أن محاولة إتمام الصفقة لم تكلل بالنجاح... حتّى الآن على الأقل.
ليس الخبر بحد ذاته ما يجعلني أكتب هذه النص و إنما الجزء الثاني من رسالة السفارة الإسرائيلية إلى إدارة المعرض, و فيها تقول: "إن قيماً مثل حرّية التعبير أو حرّية الفن قد تُستخدم كقناع لأفكار نمطية مسبقة أو للاستفزاز المجاني, و لا يقل المفعول المؤلم للرسالة المهينة بسبب إرادة تحويلها إلى عمل فني". في هذه الحالة الخاصة تحاول السفارة الإسرائيلية مثل عادة البروباغندا الصهيونية أن تتذرّع بفرط الحساسية اليهودية و التباكي على مشاعرهم المرهفة من أجل كم الأفواه التي تتجرأ على انتقادهم, و هذا طبعاً ليس جديداً, و ليس هذا ما أريد الحديث عنه و إنما عن مضمون هذا الكلام مسقطاً على الواقع العربي بشكل عام.
من المؤكد أنه لو قرأ الكثيرون منا الكلام المذكور في المقطع المُقتبس سابقاً دون أن يعلم أنه صادر عن سفارة إسرائيلية لوافق عليه و أكّد على صحته (و أقول دون أن يعلم أنه صادر عن سفارة إسرائيلية لأن علمه بأنه كلام صهاينة قد يجعله ينظر إليه بشكل آخر.. أو دعنا نقول: كلام حقٍ يراد به باطل).. و لكن هل حقيقةً هذا الكلام صحيح؟
هناك نظرة منتشرة بكثرة إلى الفن أو الإبداع بشكل عام ( و هذه النظرة قد نجدها في جميع أنحاء العالم لكن تختلف درجات تشدّدها ) ترى أن الإبداع يجب أن يكون مؤطّراً ضمن مبادئ معيّنة لا يجب أن يخرج عنها مثل أن نتحدّث عن الفن الرصين أو الفن الهادف أو الالتزام أو أياً يكن من هذه المصطلحات التي هي بالواقع تقييد لحرّية الإبداع, حيث أن الحديث عن حرّية الإبداع (ضمن شروط الرصانة و الهدف و الالتزام التي دائماً ما تتبع لقناعات و مبادئ من يتحدّث عنها أو من يستطيع ,لسوء الحظ, أن يفرضها لسبب أو لآخر) هو كالقول لأحدهم بأنه حرٌّ في أن يذهب إلى حيث يريد شرط ألا يخرج من المنزل. و هذه النظرة ليست حكراً على العرب أو على المسلمين.. هذا ليس صحيحاً. نستطيع أن نجد من يفكر بهذه الطريقة في كلّ دول العالم بلا استثناء و بنسب كبيرة جداً.. ربما نجدها بكثرة عندنا لسببين: الأول أننا متشبّعون بالفكر الأحادي و الأسلوب الإقصائي متجذّر فينا حتى حين نتحدّث عن الحرّية, و لا نتقن التعايش مع ما نكره بل أننا نحتاج لإلغائه, و الثاني أن الشعوب الأخرى قد يكون لديها تابوهات و خطوط حمراء معيّنة, لكننا في المقابل نمتلك من التابوهات و الممنوعات و الخطوط الحمراء و البرتقالية و الصفراء ما يكفي للتصدير إلى الدول و القارات و الكواكب و المجرّات المجاورة, و كلّها ممنوعات متداخلة فيما بينها و غير واضحة الملامح حيث يتداخل الديني مع الاجتماعي مع السياسي.. مما ينمّي عندنا كأفراد حاسّة جديدة اسمها "استشعار الممنوع" و تجعلنا نقف عند موضوعٍ ما و نشعر أنه "ممنوع" دون أن نستطيع تحديد سبب كونه ممنوعاً (و لا يهم ذلك في الحقيقة). في واقعنا اليوم أصبح "التابوه" هو الأساس, أي أننا لم نعد نعيش في واقعٍ فكري من اليسر حيث أنه توجد أمور حساسة (مثل كلّ الحضارات بالطبع) و إنما أصبح كلّ الفكر لدينا "حسّاساً" و سيكون من حسن الحظ إذا وجدنا موطئ قدم في ساحة التعبير دون أن يأتي أحدهم ليطردنا منه بحجّة "مشاعره".
لقد تحوّلت آلية المنع و الإسكات إلى سلاحٍ يسهل استعماله, و هناك الكثير من الجهات (إن كانت أفراداً أو مؤسسات أو حكومات) قد طوّرت هذه الآلية و برعت في استخدامها.. فقد تم فرض كلمات مفتاحية معيّنة ذات مدلول قد يكون سياسي أو ديني أو اجتماعي أو قبلي أو أياً يكن.. و بمجرد طرح هذه الكلمات المفتاحية (ذات المفعول السرّي) تبدأ هذه الآلية بالعمل بشكل أوتوماتيكي ضد أيّ شيء "مزعج".. و على سبيل المثال أذكر حادثة منع عرض مسرحية "طقوس الإشارات و التحوّلات" لسعد الله ونّوس العام الماضي في حلب (و ذكر هذه الحادثة يستفز بعض الأشخاص لسبب لا أدريه), فقد قرر مفتي حلب أنه لا يجب عرض المسرحيّة فقال عنها ببساطة أنها مسيئة للإسلام و أنها "هابطة و لا تتلاءم مع عروبة أمتنا و قيمها", و بهذه الحجّة حرّك المشاعر و أدت بعض التدخلات لدى بعض الجهات المسئولة إلى إلغاء عرض المسرحية. إن مجرد لصق صفة الإساءة للإسلام و مسّ القيم قد كانت كافية لتشغيل آلية المنع ليس فقط عن طريق الضغط لإلغائها بل لجعل عدد كبير جداً من الناس يوافق على هذا المنع بسبب انتمائه, و يكفيه أن مفتي حلب قد قال عنها أنها مسيئة للإسلام كي يكون ذلك كافياً لتعريضها للمنع, دون أن يعرف شيئاً عن هذا النص و فكرته و تاريخه.. و أنا لست ضد أن يهاجم نصاً يراه مسيئاً و يتحدّث ضده أو يدعو لعدم حضوره أو يرد عليه (دون أن يصل إلى محاولة منعه), كما أنني لست أدعو إلى تقديس سعد الله ونّوس و نتاجه (مثلما تحجج أحدهم في مقالة مدافعة عن قرار المنع) لأنني قلت قبل قليل أنني لا أرى سيئاً في أن يخرج أحدهم و يهاجم المسرحية أو يدعو لمقاطعته. بل أنني ضد أن يتحوّل أي شخصٍ إلى مدافعٍ عن قرارٍ لم يتخذه هو فقط لأن هناك من حرّك بضعة مصطلحات "مفتاحية و سحرية".
نص مسرحية سعد الله ونوس مقتبس من حادثة تاريخية حدثت في دمشق, و هي موثّقة في مذكرات المجاهد السوري الكبير فخري البارودي, و أحداثها تدور حول مفتي شاب يدخل في نزاعات معيّنة.. هل هناك مبدأ إسلامي يفرض القداسة على رجل دين و يمنع مسّه؟ هل هو معصومٌ عن الخطأ؟ هل ينال الشخص حصانة إن تحوّل إلى متديّن؟
المقلق بشكل أكبر: عندما كتب البارودي هذه الحادثة لم يكفّره أحد و لم يمنع كتابه, و عندما حوّل سعد الله ونّوس هذا النص إلى مسرحية لم يهاجمه أحد, و تُعرض المسرحية منذ عقود في سوريا و خارجها دون أدنى مشكلة.. لماذا الآن؟
المؤسف في الأمر أن انتقاد استخدام اسم الدين الإسلامي للمنع و الإسكات و كم الأفواه يفهمه البعض و كأنه تهجّم على الدين بحد ذاته, و بالتالي تدور العجلة مرّة أخرى, و ثالثة و رابعة ربما...
لا يقتصر الأمر على الجانب الديني, بل لدينا أيضاً الجانب السياسي و الاجتماعي... لكن ما يحدث في العقدين الأخيرين ربما أن الدين (إن كان الإسلام أو المسيحية) قد تحوّلا إلى وسيلة تغطية إيديولوجيّة للجوانب الأخرى.. من الأسهل على سياسي معيّن أن يتحدّث بأسلوب ديني ليسوّق لفكرة من أن يشرحها و يدعو إليها بطرق أخرى, بل ستصل إلى عدد أكبر من الجمهور و تترسّخ بشكل أفضل, و ليس هذا فقط بل أن الاعتراض عليها سيكون "كفراً" إن كان المعترض ينتمي إلى نفس دين الفكرة, أو "مهيناً للدين" إن كان من طرفٍ آخر... و كلنا يشاهد كيف أصبحت المواقف السياسية و الاجتماعية (بل و الفنّية حتى) تتحرّك عن طريق الفتاوى.. و أعلم يقيناً أن الأمر مزعجٌ لعدد كبير من الإخوة المتدينين لأنهم يرون -كما أرى- في هذا الأمر إقحاما للدين في شؤون لا تليق بمقامه و يستخدم بشكل معيب.. لكن هناك للأسف الكثير من الأشخاص الذين سينزعجون لمجرد أن شخص "علماني" (و العلمانية هي شتيمة في عرف الكثيرين) تحدّث عن هذا الأمر.. ألست أحدّثك بمنطق؟ ردّ عليّ بمنطق! لماذا تنشئ المتاريس فوراً و تأخذ موقف دفاع محصّن و تبدأ "بالهجوم المضاد" عليّ و على علمانيتي؟ هل هاجمتك أنا أساساً؟
بالعودة إلى الفن (و التزامه بالاحترام)...
الفن بمجمله واحد.. الفرق بين "فن هادف" و "فن غير هادف" هو منظور الشخص و توافق "رسالة" القطعة الفنية (إن كانت لوحة أو قصيدة أو رواية أو مقطوعة موسيقية.. الخ) و أيضاً المستوى و الجودة و الجدّية مسائل ليست مطلقة بل تخضع لميول من يقوم بالتقييم, كما أن الفن دائماً استفزازي لأنه يستفز مشاعر من يوافق على رسالته و أيضاً من يعترض عليها أو من يراها موجّهة ضده (و من هو غير معني بالرسالة لن يراها و سيرى القطعة الفنّية فارغة) .. فمثلاً في حالة المجسّم الذي أرادت السفارة الإسرائيلية منع عرضه نرى فيه نقداً لتسويق العنف و البطش و الإرهاب بحجّة الدين اليهودي, و هذه رسالة نوافق عليها كعرب و كمسلمين (و يوافق عليها كلّ أحرار العالم) ففلسطين قضيتنا, و نحنُ نتألم من ويلات هذا العنف المؤدلج يهودياً على أخوتنا في فلسطين, و بالتالي سندافع في هذه الحالة عن "حرّية التعبير الفنية" للفنان, لأن رسالته متوافقة معنا و مع انتمائنا و مشاعرنا... لكن ماذا لو كان العكس؟ ماذا لو كان المجسّم عبارة عن مشهد لمتطرّف إرهابي من هؤلاء الذي يوقعون الضحايا بين المسلمين و غير المسلمين من أبناء بلادنا أكثر بأضعاف مضاعفة مما يقتلون من المحتلّين في العراق و أفغانستان (هذا إن كانوا قد استهدفوا المحتلين أساساً).. بحجّة الجهاد في سبيل الإسلام؟ أؤكد أن ردّة الفعل ستكون سلبية بشكل عام, حتى لو كانت من قبل أشخاص يرفضون الإرهاب باسم الدين الإسلامي.. لأنهم سيرون فيها (و ربما دون أن يستطيعوا تحديد السبب بشكل واضح) مسّاً لهم, بشكل أو بآخر.. و هذا أمر طبيعي إلى حد كبير و ليس فقط بالنسبة للانتماء الديني بل لكل الانتماءات, فمثلاً لديّ صديقي "رفيق شيوعي" و رغم انتمائه إلى جانب من الشيوعية انفصل منذ عقود عن الشيوعية السوفيتية للتعارض الإيديولوجي حول فكرة الديمقراطية التعددية إلا أنه لا يستطيع أن يسمع كلمة سيئة عن ستالين, رغم أنه مقتنع بعشرات المسائل التي تناقض الستالينية...
أؤكد أنه لا يوجد من يمارس "الاحترام" المطلق بنفس الطريقة التي لا يوجد فيها من يتقبّل "الحرّية المطلقة" برحابة صدر دوماً.. جميعنا نحمل مبادئ فكرية معيّنة (إن كانت دينية أو لا) و بناءً عليها نصنع منظوراً لسنا مجبرين على أن يكون حيادياً (و يستحيل أن يكون حيادياً). يكفي أن يكون متوافقاً بشكل منطقي مع مبادئنا لكي يكون موضوعياً.. كما يكفينا أن نعترف بحق الآخر بالوجود (حتى لو كرهناه, حتى لو أثار اشمئزازنا, حتى لو رفضنا أن نتعاطى معه و أن نتعايش.. بل وحتى إن همّشناه في بعض الحالات بشكل سلمي) كي نكون جاهزين للحياة في وسط تعددي.. كي نخرج من الأحادية.
إن التخوين و التكفير و غيرها من وسائل الإلغاء الفكري (و ربما المادي حتى) ليست إلا إهانة لمن يقترفها و لفكره, هي دليلٌ على أنه مفلس عقلياً لدرجة أنه عاجزٌ عن مقارعة من يختلف معه و لا يمتلك المؤهلات الفكرية الكافية لتنمية قدرته على التعايش (حتى لو كان تعايشاً غير ودّي), و لذلك سيلجأ إلى الإلغاء.
أقول أنه لا يوجد من يمارس "الاحترام المطلق" لأنه من المؤكد أنه في لحظة ما سيتقبّل و يدافع عن وجود أمرٍ معيّن يرفضه آخرون لنفس السبب الموضوعي الذي رفض فيه هو أمراً مشابهاً قبلاً.. مع الفرق بأن الأمر الذي رفضه هو كان يمسّه أو يشعر بأنه قريب له, و الأمر الذي دافع عن وجوده أو وقف ضد إلغاءه لا يمسّه, أو يمسّ من هو معه على خلاف أو اختلاف أو عداوة (أو ربما ندّية).. و هناك مثالٌ أستقيه من صديقٍ عزيز استأذنته للحديث عن نقاشٍ عنيف (و لكنه ودّي) دار بيننا خلال نهاية الأسبوع الماضي: حدّثني صديقي هذا عن إعجابه الشديد برواية (عزازيل) للكاتب يوسف زيدان و التي قرأها بناءً على نصيحتي, و خلال حديثنا عن الرّواية تذكّرت نقاشاً سابقاً بيننا حول مسرحية سعد الله ونوس التي منعت في حلب (و لهذا السبب أعدت ذكرها أعلاه.. ليس لأنني أتباكى على حوادث قديمة كما كان سيعتقد البعض), و تذكّرت أنه دافع عن منع المسرحية.. و هنا سألته: كيف توافق على منع مسرحية قيل (و أضع خمسين خطاً تحت كلمة "قيل") أنها تسيء للإسلام, و بالمقابل تعجبك رواية فيها عناصر كثيرة رأى فيها البعض أنها مسيئة للديانة المسيحية و حاولوا منعها بناءً على ذلك؟ الجواب كان شرحاً للأسباب التي بسببها "عزازيل" ليست مهينة لأحد.. و هي أسباب أتّفق معها تماماً, لكن النقطة التي احتد النقاش (و نعيد أنه بشكل ودّي) بسببها هي أنه هل يا ترى كانت ستنال إعجابه رواية بأحداث مشابهة لعزازيل (بما فيها من مغامرات جنسية و شهوانية) لكن البطل فيها رجل دين مسلم بدل أن تكون راهباً مسيحياً؟ صديقي العزيز أجاب بنعم.. ثم استدرك بـ "لا", ثم أكّد أنه لن يقرأ رواية من هذا النوع أساساً.. و دافع أيضاً عن منع هكذا رواية و بفكرة تستحق المناقشة ربما: المشكلة ليست فكرية بل اجتماعية, مجتمعاتنا العربية محافظة و متشدد بما يخص قيمها و انتماءها.. و ربما سيسبب كتابٌ كهذا مشاكل أكبر من حجمه ككتاب, و لذلك يفضّل عدم استفزاز الأغلبية لأن المجتمع ليس مهيأ لتقبّل "مس" بثوابته.. بالطبع لا أتفق مع صديقي في فكرته لأسباب كثيرة لكنني أطرحها كنظرة أخرى في الموضوع.
كما قلت أعلاه.. لا يوجد من سيمارس الكبت باسم الاحترام في جميع ما يحيط به, كما أنه لن يكون هناك من يستسيغ الحرية المطلقة دوماً (و قد يحاول منع بعض الأمور أو لا.. هذا أمر آخر), و لا يتعلّق الأمر بدين معين أو شعب معيّن, و أؤكد على ذلك كي لا يعتقد أحدهم مخطئاً أنني أتقصد الحديث عن أصدقائنا الإسلاميين فقط, ربما هم الأقرب و الأكثر تأثيراً في واقعنا العربي, لكن هذه المسألة لا تخص الدين الإسلامي.. عزازيل مثلاً حاولت جهات قبطية منعها, و في لبنان مُنعت شفرة دافنشي بسبب اعتراض الكنيسة, و حتى خارج الإطار الديني هناك قمع إيديولوجي, فكتب جورج أورويل و فرانز كافكا و غيرهم كانت ممنوعة في الاتحاد السوفيتي و ما زالت كذلك في دول مثل كوريا الشمالية و الصين بسبب تعارض أفكارها مع الدوغما الستالينية.. و المراجعات التاريخية الخاصة بالهولوكوست ممنوعة في بعض الدول الأوربية و الولايات المتحدة و قد يكون اقتناؤها أو الحديث فيها سبب مضايقة أو حتى محاكمة!
و ماذا يعني؟ هل يحق لأيّ كان أن يستفزنا (بغض النظر عن الطريقة) دون أن يحق لنا أن نغضب؟
قطعاً لا.. نحن بالنهاية بشر و يحق لنا أن نمارس و نعبّر عن غيرتنا على مشاعرنا و انتماءنا.. و من حقنا أن نقيّم أمراً ما بشكل سلبي و ننتقده بشكل علني و حتى أن ندعو لمقاطعته و نروّج ضدّه. لكن هذا لا يجب أن يتعارض مع حقّ الآخر (مهما كان كريهاً) بالوجود, و هنا يجب أن نجد طريقةً للتعامل مع الاستفزاز مهما كان مصدره تضمن أفضل النتائج لنا.. لنفكر بأنفسنا بشكل أناني, لا أتحدّث عن احترام غيرنا.
على سبيل المثال: لقد كانت نتائج الأحداث الناتجة عن الكاريكاتيرات الشهيرة كارثية علينا كعرب و كمسلمين.. لقد قدّمنا كرامتنا و حضارتنا في طبقٍ من ذهب لمن يريد أن يدوسها.. لقد ساعدنا بعض الحاقدين العنصريين على الإسلام و العرب أن يُظهرونا كهمجيين و متوحشين. إننا بردّة فعلنا هذه قد أعطينا هذه الكاريكاتيرات و رساميها شرفاً لا يستحقونه: لقد اعترفنا بأنهم أهانونا, و بالتالي أن إهانتنا رخيصة جداً, فقط تكلّف بضعة كاريكاتيرات غبية و رديئة الجودة, لقد منحناهم شرف إهانتنا و حوّلناهم إلى أبطال, و حوّلنا جريدة مغمورة لا يعرفها أغلب سكان الدانمرك إلى "منارة ضد همجيّة هؤلاء المتشددين". ألم يكن "براغماتياً" من الأفضل لنا أن نتجاهلهم و أن يبقى مغمورين و منسيين؟ الآن أصبح كلّ من يريد التسلّي "باستفزاز الوحوش" إما أن يعيد نشر الكاريكاتيرات أو يصنع شيئاً مماثلاً.. مثل النائب الهولندي العنصري منتج فيلم "فتنة".. لقد حاول إعادة استفزاز المسلمين لكي يقوموا بأعمال عنيفة و يثبتوا لناخبيه أنهم همجيون و يؤكد بمثالٍ حي على أنه لا يجب استقبالهم في البلاد.. لكن عدم الرّد عليه أظهره على حقيقته كإنسان كريه و مثير للاشمئزاز, لكن لو تم اغتياله أو محاولة اغتياله فسيتحوّل إلى بطل لأنه سيكون هناك من هاجمه بشراسة ضد خطابه العنصري لكنه يرفض أن يتم إلغاؤه بهذه الطريقة.. و نحن الخاسرون.
هناك مثلٌ اسباني أحبّه كثيراً يقول: "لا يهين من يريد .. بل من يستطيع", و أدعو الجميع إلى تطبيقه. قبل أن تقع ضحية الاستفزاز فكر ملياً إن كان من يستفزك يستحق أن تمنحه شرف إهانتك, و إن لم يكن يستحقها اتركه و لا تمنحه صلاحيّة تعني بالنسبة له النجاح, بل أن الفشل بالنسبة له هو أن لا يستطيع استفزازك.. و أدعو إلى تطبيق هذا المبدأ في جميع المجالات الفنية و غير الفنية..
أطلنا الحديث اليوم.. اعذرونا
..