02 شباط 2010

رأي نقدي بخصوص الرمزيّة الشائعة في خطاب مناهضة الطائفية

صليب هلال

قد يبدو هذا العنوان غريباً للوهلة الأولى, خصوصاً إن أسيء فهمه و اعتُقِد أنني أنتقد مناهضة الطائفية ككل, و بالطبع ليس هذا هو القصد و لا هو قريبٌ منه أو مشابه, فكاتب هذه السطور ملتزم بشكل راسخ و عميق بالوقوف في وجه الطائفية بصفتها أحد الأخطار الكبرى التي تنهش من جسد الشعوب العربيّة. ليس هذا المقال انتقاداً لمناهضي الطائفية في مجال النوايا و الإرادة, فهذه بالطبع خيّرة و حميدة و يشترك فيها كلّ باحثٍ عن التعايش و الاندماج في بوتقة الوطن و الانتماء الوطني, و هي ليست محطّ نقد بل أنها موطن إعجاب و شكر كبيرين. هذا المقال هو عبارة عن رأي نقدي يخص بعض الآليات الشائعة الاستخدام في ممارستنا الاعتيادية لمناهضة الطائفية, و تخص بعض طرق التعبير الرمزي (إن كان كرمز مادّي أو لفظي) عن رفض الطائفية و آثارها و التي, رغم حسن نيّة من يقوم بها, ربما لا تأتي بالنتيجة المرجوّة, و قد تكون محصّلتها معاكسة لما هو مراد.

من خلال ممارستنا اليومية, العامّة منها و الخاصة, لمناهضة الطائفية و رفضها وصلنا إلى استنباط مجموعة رموز, قد تكون مادّية أو لفظيّة كما قلنا, و ما أحاول شرحه فيما يلي هو نظرة نقدية تخص هذه الرموز, إن كان بوجودها أصلاً أو المبالغة في حضورها أو في طريقة استنباطها, و هناك شواهد عديدة على ما أقصد منتشرة في الحياة اليومية مثلما هي موجودة في العالم الافتراضي, و المثال الأول قد نجده في صور الجوامع و الكنائس المتجاورة.. ليس هناك خطأ في الصورة فهي بالنهاية نقلٌ حرفي لواقع نعيشه في الكثير من الدول و المجتمعات العربيّة, و بالطبع لها معنى ظاهر و واضح يؤدي, مبدئياً, الغرض المرجو منها.. لكن المأخذ المحتمل هو على المبالغة في استخدامها, فيكاد لا يخلو موقع أو مدوّنة أو مجموعة مضادّة للطائفية من صورة أو صور من هذا النوع, و لا شك أن القصد منها حميد.. لكن عندما نصرّ على إبراز هذا المشهد كأمر مهم نقع في الوقت ذاته في إشكاليّة تصويره كأمر استثنائي أو خارق للعادة, و لذلك فهو جدير بالمشاهدة, و هذا معاكسٌ برأيي لما نريد لأنني أعتقد أن هدف اللاطائفية هو أن يكون التعايش و التجاور أمراً طبيعياً و اعتيادياً, و الأمور الاعتياديّة هي كذلك لأنها لا تلفت انتباه الناس الذين يعايشونها بشكل يومي. قد يلفت هذا المشهد انتباه الزائر الغريب, لكنه سيعجب أكثر إن رأى أن أهل البلد يرونه كأمر طبيعي لا يستحق الدهشة و لا الوقوف عنده..

عندما نحاول "تسويق" هذا المشهد بإصرار فإننا, رغم كلّ حسن نيّتنا, نمنحه طابعاً "مصطنعاً" يناقض ربما بشكل كامل ما نرغب إيصاله.

هناك مثالٌ آخر حول الموضوع, و يخصّ رمزاً رأيته للمرّة الأولى منذ عدّة أشهر, و لفت نظري مؤخراً مرّة أخرى عندما رأيته على شكل قلادة في عنق أحدهم في صورة, و لا أعلم إلى أيّ حدّ هي منتشرة, و هذا الرّمز هو عبارة عن هلال و بداخله صليب (الصورة أعلاه). بطبيعة الحال يقصد مستخدم هذا الرمز منه الإشارة إلى التعايش السلمي و التضامني بين المسلمين و المسيحيين, و لذلك يستخدم رمزاً جامعاً لرموز دينيّة أو تدلّ على الدّين, و لا شكّ أن الفكرة من حيث المبدأ جيّدة جداً و سامية.. لكن لننظر إلى الرّمز من زاوية أخرى: ألا يرسّخ هذا الرّمز التصنيف حسب الدّين؟ ألا يعني هذا الرّمز حرفياً "المسلمون يتعايشون مع المسيحيين"؟ هل هذا هو المعنى الذي نريده كلاطائفيين؟ أليس معنى اللاطائفية هو وجود مجموعة من الناس متعايشة و متفاهمة بشكل طبيعي, دون أن يكون دين الأفراد محطّ نظر أو ملاحظة؟ اللاطائفية تبحث عن إيجاد كيان واحد يجمع كلّ الناس بمختلف أديانهم و طوائفهم, و ليس ترسيخ التقسيم في كيانات مختلفة, أو أقسام ضمن الكيان الواحد لاطائفياً برأيي, حتّى لو تم التأكيد على أن هذه الكيانات أو الأقسام الكيانية "تتعايش بحب".

عندما نشير إلى الديانات بهذا الشكل أو بأي طريقة أخرى فإننا, بدون قصدٍ منا, نصنّف الأشخاص و نقسّمهم.. الطبيعي هو التعايش مع شخص انطلاقاً من أساسيات العلاقة الإنسانية بدون أن يكون دينه أو طائفته جزءاً من هذه الأساسيات. أن يصادف أن هذا الشخص من هذا الدين أو ذلك فهذا جزء من خصوصيته و حقّه في الاختلاف و لا دور لهذا الأمر بعلاقتي الإنسانية معه. و المثال الثالث ينطلق من هذه النقطة و يتحدّث عن عادة موجودة عند الكثيرين, و ربما استخدمناها جميعاً يوماً ما, و أتحدّث عن حالة الشخص الذي "يعلن" لسبب أو بدونه, أن لديه أصدقاء من ديانة أخرى.. مثل أن يتعرّف أحدهم على شخصٍ و يكتشف أنه من دين مختلف, و أيضاً بحسن نيّة و رغبة في إظهار تسامحه و انفتاحه يقول فوراً أن لديه أصدقاء كثيرين من ديانة الشخص الذي يحادثه, طبعاً هو يحاول أن يكون لطيفاً, لكن السؤال الذي قد يجول في البال هو: و ماذا يعني؟ هل يجب أن نصنّف أصدقاءنا حسب الدين؟ أو بمعنى آخر, هل يجوز أن نستخدم أصدقائنا و ديانتهم (و التي هي في النهاية أمرٌ شخصي و خاص بهم) كي نسوّق أنفسنا و تسامحنا؟ أجل من الصحيح أن كلّ من يفعل هذا يفعله من منطلق نيّة حسنة لكن نعود إلى نفس حالة المثال الأول: هل صداقتك لأشخاص من دين مختلف

هو أمر استثنائي حتى يستحق أن يُحكى؟ يا ترى لو كنّا نراه أمراً طبيعياً و اعتيادياً هل كنّا سنحكيه؟ أليس هناك عنصر "اصطناع" غير مقصود؟

هناك ممارسة خاطئة بشكل كبير جداً برأيي, و هي مكافحة الطائفية بمهاجمة الطائفة.. أو بالأحرى ربط التديّن بالطائفية, و هذا ما ليس صحيحاً أبداً... من الممكن أن يكون الشخص متديّناً جداً بل و متشدداً في تديّنه, و أن يكون في الوقت نفسه متعايشاً بشكل صحيح و سليم مع من يختلف معه في الدين و الطائفة و على أساس المساواة في القيمة الإنسانية و الحقوق و الواجبات. و العكس صحيح أيضاً, كثيراً ما رأينا طائفيين و اقصائيين ليسوا متدينين و لا يمارسون دينهم.. بل يوجد ملحدون طائفيون!

ختاماً.. أؤكد على أن هذه الأمثلة البسيطة هي عبارة عن رأي يصب في نطاق النقد الذاتي لمجموعة أشخاص أفخر بأنني أحدهم.. و هي محاولة للمساهمة في تصويب الممارسة كي نصل و نوصل من حولنا إلى الاقتناع الكامل و الراسخ بأن الأرض تتسع لنا جميعاً.. و أن أفضل حياة لأي دين أو طائفة أو حتى إيديولوجيا هي التي تقوم على أرضية من التعايش و التفاهم مع الغير.. مهما كان هذا الغير.

..

مصدر الصورة