لا يزال السجال, الحاد أحياناً, حول مسألة المهاجرين "غير الشرعيين" قائماً منذ أن أشعل عمدة بلدة فيك (Vic) في إقليم كاتالونيا فتيله منذ عدّة أسابيع, فقد تحوّل الخلاف بسبب إجراء إداري و قانوني إلى مبارزة ما بين أخلاق المنطلق الإنساني و أخلاق "الضرورة" كما أسماها أحد كتّاب الأعمدة المشاهير في جريدة "إل باييس", أكبر صحيفة اسبانية.
ماذا حدث في فيك..
القصة ببساطة هي التالية: من مسؤولية البلديات, حسب القوانين الاسبانية, إحصاء المقيمين فيها و منحهم "سند إقامة", و هذا الإجراء يسري على جميع المقيمين, إن كانوا أسبانا أو أجانب, و هذه الوثيقة ضرورية للاستفادة من الخدمات التي تقدمها البلدية أو تلك الخدمات الحكومية المقسّمة بناءً على توزيع البلديات (بطاقة الرعاية الصحية, التسجيل في المدارس الحكومية, الخ..), و هذا المستند خاص بالإدارة المحلية و لا علاقة له بإذن الإقامة الشرعي الذي تمنحه إدارة الهجرة في وزارة الداخلية.. و حسب القانون أيضاً فإنه يكفي إبراز وثيقة شخصية (جواز سفر مثلاً) و إثبات الإقامة في المنطقة الإدارية (عقد استئجار منزل أو إقرار خطي من قبل مقيم شرعي يفيد بأن هذا الشخص يقيم معه), و لا يحتاج المهاجر لإثبات وضعه القانوني كي يحصل على هذه الوثيقة و يتمتع بالحقوق التي تمنحها كما أنه لا يتم تبادل المعلومات بين قاعدة البيانات البلدية و سلطات الهجرة, و إجراءات الحصول عليها بسيطة جداً و مجانية بالكامل.
السجال بدأ عندما قرر عمدة مدينة فيك أنه يجب على الأجانب كي يحصلوا على سند الإقامة في البلدية التي يديرها أن يثبتوا قانونية وجودهم في اسبانيا, و بالتالي منع المهاجرين غير الشرعيين (إن كانوا قد دخلوا البلد بشكل غير شرعي أساساً أو انتهت مدّة إقامتهم القانونية) من الحصول على مستند الإقامة و كل ما يتفرع عن امتلاك المستند من حقوق مثل الصحة و التعليم المجانيين و غيرها. و فور انتشار خبر هذا القرار من العمدة ثارت زوبعة إعلامية كبيرة, و ازدادت عندما قررت إحدى المجالس البلدية القريبة من مدريد تطبيق نفس القرار في حال نجحت بلدية فيك في تطبيقه.. و انتهى الخلاف القانوني عندما أصدرت دائرة الشؤون القانونية لرئاسة وزراء اسبانيا تقريراً يؤكد أن هذا القرار غير دستوري و بالتالي يمنع تطبيقه و يطالب بلدية فيك بالتراجع عنه, و هذا ما حصل , إلا أن النقاش لم ينته هنا بل تحوّل إلى مسألة سياسية و خلاف بين الأحزاب حول وضع المهاجرين غير الشرعيين و مسؤولية الدولة تجاههم. فالمناهضون لهذا الإجراء أشاروا إلى أنه لا يمكن معاملة المهاجرين غير الشرعيين كمجرمين و لا يجب السير في الطريق الذي بدأته إيطاليا, كما أن منع الشخص من الحصول على سند الإقامة البلدي يعني منعه من الحصول على الطبابة و التعليم المجانيين, و هذا مناهض للوائح حقوق الإنسان قبل أن يكون مسألة تباين آراء في إجراء إداري, و المدافعون عنه تحدثوا عن أن مرونة القوانين الاسبانية في مجال الهجرة تجعل البلد و إمكانياته مستباحة, و خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدولة الاسبانية و تنامي العجز في ميزانية الدولة و ضرورة كبح لجام الإنفاق العام الضخم, و ظهرت عبارات شعبوية و بسيطة بين هؤلاء من طراز "هذا البلد لا يسعنا جميعاً" أو "لسنا مسؤولين عن إصلاح العالم و من يعيش فيه لوحدنا", و شعارات تبسيطية أخرى من هذا الطراز.
عليّ أن أشير إلى أن ردّة الفعل العامة على هذا الإجراء المعزول (أصدره مجلس بلدي واحد من بين آلاف المجالس البلدية الموجودة في اسبانيا) أثارت ارتياحي, و لم استغربها بتاتاً, فالشعب الاسباني عموماً ليس عنصرياً, و لا ينسى أنه منذ عقود قليلة كان المواطن الاسباني هو من يحمل حقيبته و يرحل للبحث عن لقمة العيش, إلا أن ما يثير قلقي هو أن خطاب "العنصرية الجديدة" قد وجد موطئ قدم له داخل السجال الشعبي و السياسي, و موطئ القدم هذا صغيرٌ جداً اليوم, لكن القلق ينبع من إمكانية نموه مع استمرار الأزمة الاقتصادية و زيادة عمقها و تنامي أرقام البطالة و العجز و ازدياد معدلات الفقر, فعندما يكون الإنسان خائفاً من المجهول يسهل التحكّم بإرادته و يسهل تسويق فكرة استنباط "كبش فداء", و هذا ما أخاف أن يحصل إن لم يتحسّن الوضع الاقتصادي, لا أخاف من العنصرية الكلاسيكية المبنيّة على التمييز بناءً على العرق و البلد و الدين, فهذه منقرضة أو شبه منقرضة في اسبانيا, بل أخاف من العنصرية الجديدة, و سأحاول شرح ما أقصده
العنصرية الجديدة هي خليط بين الطبقية الاجتماعية و العنصرية الكلاسيكية, تتميّز بخطاب براغماتي و ملتف, وجدت و نمت في ظل النيوليبرالية الاقتصادية, تستخدم مصطلحات و أفكار مبسّطة و شعبوية إلى درجة كبيرة, و لها قدرة إقناع كبيرة جداً بشكل خاص لدى الجزء الأعلى من الطبقة الوسطى من الشعب فما فوق, تنتقد كل أركان مسؤولية الدولة في توفير مستلزمات "مجتمع الرفاهية" و توجّه سمومها المبطنّة باتجاه العالم الرابع (و هي قطاعات الشعوب التي تعيش جغرافياً ضمن العالم الأول لكن بظروف اقتصادية سيئة جداً).. يمكن تلخيص خطابها في مجموعة نقاط تبسيطية من طراز "ذنب الفقر على عاتق الفقير لوحده", "لا يجب أن يدفع الميسور ثمن فقر الفقراء", "الفقير غالباً هو كذلك لأنه كسول و غبي", و بالطبع فإن مصطلحات مثل العدالة الاجتماعية و التضامن و الحماية الاجتماعية هي مجرد خزعبلات "يسارية" تعيق التقدّم لأنها تكبح التطوّر الاقتصادي بسبب الكم الكبير من القوة المادّية التي تسخّرها الدولة لدعم و حماية الطبقات الاجتماعية الفقيرة و المهددة, و تحادث الميسور بلغة مباشرة:" لو لم تصرف الدولة كمية كبيرة من المال من أجل دعم هؤلاء الكسالى و تشجيعهم على الكسل لما أثقلوك بالضرائب و لكانت قوتك الشرائية أعلى بكثير", فكل المساعدات الحكومية من أي نوع و أي خدمة مجانية أو شبه مجانية تقدّمها الدولة هي "تشجيع على الكسل" في نظرهم, فلو لم تقدّم الدولة الطبابة المجانية و التعليم المجاني لعمِل هؤلاء أكثر كي يوفروا ثمن هذه الخدمات, و لدارت عجلة الاقتصاد بشكل أسرع, و المساعدات الحكومية للعاطلين عن العمل بالنسبة لهم تشجيع لهؤلاء كي لا يبحثوا عن عمل آخر بدل الذي فقدوه طالما يتلقّون معونة البطالة... و غيرها من المقارنات و المحاكمات المنطقية الشعبوية و السفيهة.
خطاب هؤلاء موجّه ضد كل فقير أو شبه فقير, لا فرق في أن يكون مواطناً أو أجنبياً, لكن في حالة الأجنبي الفقير (و نؤكد على فكرة الأجنبي الفقير, لأن الأجنبي الغني هو شريك و ليس خصم) فإن هناك نقاط خطابية أخرى و سيئة النيّة مثل الربط بين عدد المهاجرين غير الشرعيين و ارتفاع نسبة الإجرام, أو تحريك الشعور القومي و الخوف على الهويّة القومية بين الحين و الآخر (و أعتقد أن حملة ساركوزي ضد النقاب تصب في هذا المجال, حيث أنها تحرّك الخوف في نفس الفرنسي "الأصلي" من الغزو الرمزي لهؤلاء الأجانب و احتلالهم لمساحة الفرنسي).
يلعب هؤلاء كثيراً على وتر الضرائب.. فمثلاً دار جدل منذ فترة حول ضرورة "وضع حدود" للطبابة المجانية حيث اشتكى البعض من أن سهولة الحصول عليها في اسبانيا قد تسببت في نشوء ما سمّوه بالسياحة الطبية, حيث يأتي الأجنبي المريض (خصوصاً عائلات المهاجرين المقيمين) و يحصل على سند الإقامة ببساطة و يدخل المشفى عن طريق الإسعاف و تتم معالجته بالمجان, و عندما ينتهي علاجه يعود إلى بلاده من دون أن يكون قد دفع شيئاً مقابلها, و بالطبع يريد هؤلاء إيصال رسالة إلى المواطن الاسباني: "لماذا يجب عليك أن تدفع بضرائبك ثمن علاج هذا الأجنبي؟ هذا الشخص يأتي ليتطفّل على خدمة تدفعها كي تستمتع بها أنت و عائلتك, و يقوم بشغل مكانٍ في المستشفى قد لا يكون متوفراً إن احتجته أنت في لحظةٍ ما لأنه مشغولٌ بشخص لا يدفع ثمنه شيئاً".
هناك أمثلة كثيرة من هذا الطراز يمكن سردها كدليلٍ على بساطة خطابهم و شعبويته, خصوصاً في ظل أزمة اقتصادية كالتي تعيشها اسبانيا الآن, و لحسن الحظ فإن مفعولهم حتّى الآن غير منتشر إلا أنه لا يمكن إنكار أنه قد نمى مؤخراً بشكل ملحوظ, و يخشى من تناميه في ظل الوضع الاقتصادي القائم, كما أنه ليس من السهل مجابهة هذا الخطاب و الوقوف في وجهه, و في الشق الخاص بالمهاجرين و انتقاد أثرهم "السلبي" على الحياة الاقتصادية خصوصية تزيدها صعوبة حيث أنهم يحصّنون خطابهم ضد الاتهام بالعنصرية بمهارة كبيرة, فحسب قولهم: "المهاجر المحترم الذي يأتي بشكل قانوني و يعمل و ينتج و يدفع ضرائبه مثلما ندفع و يحترم الأعراف و القوانين الخاص ببلادنا لا يختلف عن المواطن في شيء, مشكلتنا مع من يأتي ليمتص خيرات بلدنا" و ينجح هذا الإطراء السطحي في استمالة الكثير من المهاجرين "الشرعيين" إلى هذا المنطق, و تجدهم يدعمون هذه المسألة, خصوصاً إن كانوا قد حققوا بعض الرخاء الاقتصادي.
هناك الكثير من الحقائق التي يمكن استخدامها لتفنيد هذا الخطاب العنصري الجديد فيما يخص تهجّمه على الهجرة غير الشرعية و دعوته لإغلاق الحدود و طرد المهاجرين غير الشرعيين الموجودين (لا أحب استخدام مصطلح "مهاجر غير شرعي" لأنني لا أؤمن بوجود هجرة غير شرعية.. لا يمكن أن يكون هناك شرع أو قانون ضد حقّ الإنسان في البحث عن غدٍ أفضل). و لعلّ أول ما يجب ذكره هو أن تجريم الهجرة و محاربتها هو وقوف في وجه منطق التاريخ الإنساني, فتاريخ البشرية هو تاريخ هجراتها, و لو فتحنا كتب التاريخ القديم و المتوسط و الحديث لوجدنا أن خرائطها مليئة بالأسهم التي تشير إلى تيارات الهجرة.. شعوبٌ بأكملها انتقلت من مكانٍ إلى آخر و صنعت بانتقالها تاريخاً و حضارة.. و مكافحة الهجرة اليوم هو محاولة منع الإنسانية من الاندماج بشكل نهائي و إنهاء تلك الحواجز, الماديّة منها و النفسية, التي بنيت في نوبات سكر التاريخ, و نستطيع أيضاً أن نقول أن العالم الأول مدينٌ للعالم الثالث بعد قرونٍ من الاستعمار و الاستغلال و النهب, و جزءٌ كبيرٌ جداً من رفاهية و رخاء العالم الأول مصدرها خيرات العالم الثالث المنهوبة.
إن جرّب أحد القرّاء مناقشة أحد متبنّي هذه النظريات العنصرية الجديدة فسيعرف أن ردّه على ما قلت أعلاه سيكون قوله بأنه كلام فارغ و شعارات أكل عليها الزمان و شرب, و أنها مجرّد شماعات تعلّق عليها شعوب العالم الثالث فشلها و وضاعتها, و لكن هناك المزيد من الردود على هذه النزعة التحقيرية, و هي رد مباشر على نظرياتهم في أرضها.. فعلى سبيل المثال إن كانوا يؤمنون فعلاً أن "البقاء اقتصادياً هو للأقوى فقط" و أن "القوي لا يستطيع أن يكون متعاطفاً مع الضعيف.. لأن الضعيف مسؤول لوحده عن ضعفه و لوحده يجب أن يخرج منه" فلماذا يهبّون بالمطالبة بالدعم و المساعدة لإنقاذ الشركات و البنوك؟ أليسوا ضد التدخّل الحكومي في الحياة الاقتصادية؟ أم أنّهم معه عندما يدعم هذا التدخّل الغني فقط؟ هناك حالة أعتقد أنها ساخرة حتّى و تخص رجل أعمال يدعى "خيراردو دياث فيرران" و هو رئيس فيدرالية أصحاب الفعاليات الاقتصادية (أي أصحاب الشركات و رؤوس الأموال الاستثمارية), و من ضمن الشركات التي يملكها يوجد شركة طيران اسمها " آير كوميت " .. و هذا الشخص هو أحد رؤوس النيوليبرالية الاقتصادية في اسبانيا و من كبار المدافعين عنها, و حدث منذ سنتين أو أكثر خلال محاضرة كان يوجّه فيها الانتقاد اللاذع للحكومة الاشتراكية بسبب "تبذيرها للمال في المساعدات و الدعم" و يدافع عن ابتعاد الدولة عن الحياة الاقتصادية و ترك السوق ليحكم نفسه, و في لحظة توهّج لعزيمته الرأسمالية أطلق شعاره المفضّل : " إن أفضل مؤسسة حكومية هي تلك المؤسسة غير الموجودة " مثيراً ضحك الحضور الرأسمالي مثله.. فهو مشهورٌ بـ"قفشاته" و "خفّة دمّه".
جيد.. منذ عدّة أشهر أفلست شركة الطيران التي يملكها.. و حاول بكل وقاحة الحصول على مساعدة مالية من الهيئة الرسمية للقرض, و هي مؤسسة حكومية أنشئت لدعم الشركات الصغيرة و المتوسطة خلال الأزمة الاقتصادية, وقد عارض دياث فيرران إنشاءها بكل قوّته و صفاقة لسانه, و الآن أغلقت شركته و تم الحجز على طائراتها بسبب تراكم الديون.
يستخدم بعض هؤلاء العنصريين أحياناً حيل التظليل و الخداع عندما يتحدّث عن قوانين و أعراف و فساد و ديكتاتورية الدول التي يأتي منها هؤلاء المهاجرين.. و هذا لعمري خطاب غبي و حجّة حمقاء! ألا يكفي أنه يهاجر ليهرب من المأساة التي يعيشها في بلاده حتّى تأتي و تعيّره بها؟
النقطة الأهم في الأفكار المتصدّية للهجوم العنصري الجديد هي الخاصة بتكذيب زعمهم أن المهاجرين غير الشرعيين هم مصدر خسارة لاقتصاد الدولة, هذا غير صحيح بتاتاً.. هؤلاء الناس لهم فضلٌ كبير في سنوات رخاء الاقتصاد الاسباني و خصوصاً في قطاعي البناء و الزراعة.. فهم يقومون بتلك الأعمال التي لم يكن أهل البلد يقومون بها, أو لا يقومون بها بنفس شروط المهاجر غير الشرعي الذي يعمل دون عقد عمل قانوني و دون أن يطالب بأي حقوق مثل ساعات العمل المحدّدة و الإجازات و حقوق أخرى, كما أنهم يتقاضون رواتب منخفضة جداً مما ساهم في تخفيض كلفة تلك المشاريع العملاقة التي طالما تغنّى رأس المال بإنشائها, و من المؤكد أنهم لو حاولوا إنشاءها ضمن الشروط القانونية و باحترام حقوق العمّال لما استطاعوا تنفيذها.
الآن بعد أن امتصوا خيراتهم يريدون معاملتهم كمجرمين؟ لن يمرّوا... لا و ألف لا !
..