نفذ صبر ماكيافيلي في قبره..
منذ سنواتٍ طويلة و هو يتحمّل غمز زملائه من الأموات و همساتهم.. لا يكفّون عن السخرية و الهمهمة كلّما علا صوته مادحاً عبقرية نظرياته و أفكاره في السُلطة و كيفية الوصول إليها و الحفاظ عليها. تجاهلهم أول الأمر, ثم غضب منهم و هجرهم.. لكنه كان يحتاج جمهوراً يسمعه, حتى لو سمعه مكرهاً و دون تصفيق..
يوماً ما, قرر ماكيافيلي أنه لم يعد يحتمل يوماً آخر من الجهل بسبب همهمة زملائه و ضحكهم من أحاديثه العبقرية, فقرر الإمساك بأول وافدٍ جديدٍ إلى مملكة الموت و استجوابه قبل أن يفسده معشر الساخرين الشامتين و يصير واحداً منهم, و لأجل ذلك افترش الأرض مقابل بوّابة السرّ الكوني منتظراً ذلك الوافد الذي سيبحر به من زورق الشك القلق إلى برّ راحة اليقين. و انتهى انتظاره الذي لم يطل كثيراً عندما فُتحت دفتا البوّابة الضخمتين و دخل شابٌ أسمر البشرة عابس الوجه متلفتاً حوله في مزيجٍ من الخوف و الفضول أضيفت إليهما الدهشة عندما رأى رجلاً يقف من جلسته على الأرض و يهرول نحوه و كأنه يبغي منه صدقة, فربت الشاب على جيبيه و كأنه يريد أن يشير إلى المتسوّل المحتمل أنه لا يحمل شيئاً يمكن أن يعطيه منه.. لكن ماكيافيلي تجاهل هذه الحركة و اقترب منه و عرّفه عن نفسه و ما فعل و ألّف و علّم, و فرح عندما أفهمه الشاب أنه يعرفه و يعرف نتاجه العابر للقرون و دغدغت النرجسية لسانه فانطلق يسأل الشاب إن كان يعلم لماذا يسخر منه معشر الأموات عندما يتحدّث بفخر عن علمه و فكره.. فردّ الشاب باسماً: "من الطبيعي يا ماكيافيلي العظيم أن يضحكوا, فرغم أنك من كبار علوم الحكم و الدولة و صاحب تلك النصوص التاريخية عن كيف يصنع الأمير نفسه و يبني حاشيته و يطوّع شعبه و يسخّره لخدمته إلا أن حديثك اليوم هو كافتخار أحدهم بعربته التي تجرّها البغال في حين يركب غيره الطائرة النفاثة", و احتجّ ماكيافيلي مؤكداً أن تعاليمه تصلح لكل البلاد و الدول و الأمراء و الطغاة, و لكل زمان و لكل شعبٍ و ملّة, لكن ضحكة الشاب العالية قاطعته و حين نظر إليه مستنكراً سخريته أجابه الشاب:" يا صديقي العظيم هناك من غلبك في فنّك, ربما تتلمذوا يوماً على تعاليمك لكنهم جعلوا منها لهو أطفالٍ أمام ما صنعوا اليوم" فسأله ماكيافيلي بلهفة: "و من يكون هؤلاء العباقرة ؟", فأجابه الشاب: " يسمّون بالأمراء العرب" فتعجّب ماكيافيلي: "العرب؟! هل تطوّر العرب و علومهم و معارفهم عما كانوا عندما كنت على الأرض؟ على حدّ علمي كانوا غارقين في ظلمات دامسة بعد ماضٍ مجيد و عالقين في حروبٍ كثيرة و أزمات متتالية يتمرغون فيها بانتظار فرسان الأمس القادمين لنجدتهم" فأجابه الشاب: "لم يتغيّر الأمر عمّا كان في عهدك بل أنه اليوم أسوء.. فقط فن الاستبداد متطوّر و مزدهر و يشكّل ثروة إستراتيجية لهم و ذخراً يصونونه بأرواحهم, عفواً, بأرواح شعوبهم".. و لم يقتنع ماكيافيلي بالكلام فسأل الشاب: "و هل تعرف الأمراء العرب جيداً؟" فأجابه الشاب باسماً:" و كيف لا أعرفهم و أنا قادمٌ للتو من أقبية عسسهم!", و حين همّ الشاب بإكمال الحديث عمّا يعرف فوجئ بماكيافيلي يستدير و يهرول مبتعداً عنه دون أن يودعه, فناداه كي يسأله عن أين يجب أن يذهب هو الآن لكنه لم يتلق أيّ رد.
أمضى ماكيافيلي الأسبوع التالي للقائه الوافد العربي منعزلاً صامتاً لا يختلط بأحدٍ, يقضي جلّ يومه في المشي و هو يحادث نفسه هامساً, ثم يأوي إلى فراشه ليلاً و يستسلم لنوم متقطّع و تقلّباتٍ.. و استغرب الجميع حالته و تصرّفاته, و حاول البعض محادثته للاطمئنان عليه و معرفة سبب قلقه و همّه, لكنه رفض الحديث معهم و نفر منهم, كما استشاط غاضباً عندما سأله أحدهم عن أين يذهب في الصباح الباكر كل يومٍ.. و عند نهاية الأسبوع دهشوا لرؤيته حاملاً حقيبته و متجهاً نحو البوّابة, فظنّوه قد جنّ و حاولوا إيقافه لكنه أبعدهم بجفاء و قال لهم أنه حصل على التصريح و الوسيلة لزيارة أرض الأحياء و العيش فيها لمدّة شرط ألا يفصح عن هويته الحقيقة, فتركوه و شأنه بعد أن عجزوا عن جعله يفصح عن سبب عودته إلى الأرض.
..
وصل ماكيافيلي بلاد العَرب متلهفاً, عيناه جائعتان لتصيّد كلّ مظاهر الحياة فيها و عقله متيقّظ متحفّز لتحليل كلّ ما يراه و فهمه.. و منذ الساعات الأولى لوجوده فيها عرف أن ذلك الشاب الأسمر القادم إلى الموت من أقبية العسس لم يكذب عليه و لم يبالغ.. فقد رأى أمراءً يمتطون صهوة شعوبهم و يسوقونهم في سهول الطاعة العمياء و الولاء المطلق.. فالأمير وليّ نعمتهم و سيّد أمرهم..
إن تنحنح زلزلت الأرض, و إن ضحك أشرقت الشمس..
هواءُ النَّفَس يدخل رئاتهم بأمره و مباركته.. و إن لم يرد ذلك اختنقوا مصفّقين..
تتابع الأيام و المراحل بفضل حكمته و نظرته الثاقبة, فهو الذي وضع للأيام و الشهور التي صنعها اسماً, و جعل لكل محصولٍ موسم بذكائه و سعة معرفته.. إن أمطرت السماء فإن الفضل له, و إن لم تمطر فالسبب حكمةٌ يعرفها هو و لا يحاول فهمها غيره..
حبّه و تبجيله في السرّ و العلن محتوم.. و عدم وصول جبهة المواطن إلى تراب الأرض في انحناءه له استهتارٌ بأمره مشكوك..
مشى ماكيافيلي في شوارع المدينة مبهوراً.. و نظر إلى عاليات القصور الترفة التي يعيشها الأمراء و أتباعهم مجبرين و ليس برغبتهم, فالتفكير في شؤون الشعب و مصالحه يقتضي ذلك.. بل أنهم يتعذّبون في الإقامة فيها بدل العيش في أكواخ الصفيح كمواطنيهم المحبوبين.
علم ماكيافيلي أن كلّ أميرٍ ينتقي حاشيته و خدمه و عسسه بعد التيقن من ولائهم و صلاحيتهم عن طريق امتحانٍ يلي فترة تحضيرٍ و تجهيزٍ و دراسة, فقرر أن يحاول الدخول كي يدرس هذه الأعجوبة المعجزة من الداخل, و أيضاً لأن ثقته بنفسه اهتزت لدرجة أنه نسي هاجس منافسة الأمراء و أصبح يشك بأن علمه المشهود قادرٌ على أن يجعله يكون خادماً من هؤلاء الخدم المخلصين..
درسَ ماكيافيلي و تعلّم و حفظ, و عرف كيف الولاء العربي يكون, و كيف يصان العرش و جالسه, و قضى شهوراً يجهّز نفسه لذلك الامتحان الذي أصبح مصيرياً له و لسلامة عقله, و لم ينس أن يترك أثراً لغيرته على الإمارة و الأمير و سلامتهما بتقديمه خدماتٍ على شكل رسائل تشير إلى بعض الخونة المتقاعسين عن تبجيل الحكم و الحاكم..
و جاء يوم الامتحان..
دخل ماكيافيلي القاعة و ركبتاه تدّقان و ترقصان و تغنيان في آن معاً.. و وجد نفسه أمام طاولةٍ معدنية صدئة يجلس عليها رجلان.. أحدهم هو المسؤول عن تقرير كفاءته و الآخر مساعدٌ له و كاتبٌ لملاحظاته و قراراته..
بدأ المسؤول البدين بطرح الأسئلة السريعة و كأنها طعناتُ حاوٍ غجري في سيرك جوال, و ماكيافيلي يجيب بسرعة و فصاحة, دون أن ينسى تحيّة الأمير و رجاله المخلصين الأشداء كالسادة الفاحصين بين كلّ جوابٍ و شقيقه. و حين انتهى الامتحان نظر المسؤول إلى ماكيافيلي بثبات و استهانة, و شرع يسخر منه و من اعتقاده الجسور بأنه يستحق أن يكون خادماً للأمير, و وبّخه على وضاعته و غبائه... و حين اغرورقت عينا ماكيافيلي بالدموع و شرع عقله المضطرب يفكّر في العودة إلى ديار الموت ليحبس نفسه فيها إلى الأبد أنهى المسؤول تدخين غليونه.. و بعد لحظة صمتٍ طويلة و ثقيلة أشار إلى ماكيافيلي و صاح به: "من حسن حظك أنني اليوم بمزاجٍ حسن, و قد أشفقت عليك بقلبي الكبير الحنون الذي بنيته على وصايا الأمير الخيّرة, و لذلك سأعطيك فرصة الدخول في خدم الأمير... هيا اغرب عن وجهي" و اختلطت دموع الفرح و الخوف في عيني ماكيافيلي الذي هرول إلى خارج القاعة دون أن يدير للجالسين ظهره و هو يكرر دعواتٍ مضطربة للمسؤول بطول العمر و المقام الرفيع في الدنيا و الآخرة, و أغلق الباب خلفه مسرعاً خوفاً من أن يغيّر المسؤول رأيه..
بعد أن رحل ماكيافيلي نظر المساعد إلى المسؤول بفضول و سأله: "يا أبا نضال هلاّ أخبرتني لماذا لم تمنحه درجة النجاح منذ البداية؟ من الواضح أنه رجلٌ صالح لخدمة الأمير و أنه تفانى من أجل تحقيق ذلك, و لم يمر بنا رجلٌ بكفاءته قبلاً!" فنظر إليه المسؤول أبو نضال بابتسامة صفراء ترفض الإفصاح عن السر مبدئياً لكنها تطلب بعض الإلحاح الذليل في السؤال, فأعاد المساعد سؤاله: " يا أبا نضال, بحياة أبنائك نضال و جهاد و كفاح و ثورة و تحرير و نصر.. أخبرني عمّا جعلك تكاد ترفضه".. فقهقه أبو نضال عالياً و قال لرفيقه:" يا صاحبي لم أكن سوف أرفضه, لقد رأيته صالحاً و متفانياً, و لكن ربما سيرتقي في أجهزة خدم الأمير و حاشيته و قد يصبح مسؤولاً كبيراً يوماً ما.. و لذلك أفهمته أن قبوله في الخدمة مكرمةٌ مني, كي لا ينسى مهما ارتقى أن له وليّ نعمةٍ فتح له الباب... فالزمن غدّارٌ يا صديقي و يجب أن يأخذ المرء احتياطاته".
و بنظرة إعجابٍ و تأثر بذكاء أبي نضال و حكمته الفائقة.. وقف المساعد و بصوتٍ عالٍ رفع أيديه إلى السماء قائلاً: " وفّقك الله يا أبا نضالٍ و أدامك ذخراً للبلاد و أميرها" ...
..
الصورة : نيكولو ماكيافيلي (تعريف بحياته) (مصدر الصورة)