14 كانون الثاني 2010

مدينة الرّقة و الأولويات..

دار الحكومة الرقة

ماذا نقول عن الذي يقتصد من طعامه كي يوفّر ثمن قميص أرماني أو بنطلون فرزاتشي؟ ألا نعتقد عندما نسمع به أنه يخطئ في ترتيب أولوياته ؟ أنه لا يوظف ماله المحدود في ما هو أولى بل يبذّره في مظاهر باذخة لا تنفعه شيئاً؟ ربما نعرف جميعنا أشخاصاً كهؤلاء.. يبخلون على الأساسيات لكنهم ينفقون بلا حساب على مظاهر و علامات الترف و المنفخة.. و حين يكونون أصدقاءً مقرّبين قد نهمس لهم ناصحين أو معاتبين, و حين لا يكون بيننا هذه العلاقة نصمت و نقول "هذا ماله فليفعل ما يشاء"..

لكن ماذا لو لم يكن ماله؟

منذ عدّة أيام شاهدتُ للمرة الأولى صوراً لقاعات و ممرات دار الحكومة (مقر محافظة الرقة) الجديدة في ساحة الرئيس عند المدخل الجنوبي للمدينة, و دار الحكومة مشروعٌ بدأ منذ سنوات عديدة و وصلت كلفة تنفيذه إلى 332 مليون ليرة سورية (المصدر), و منذ أن بدأ إنشاء هذا البناء الفخم و هو "مفخرة" محافظة الرقة, إعلامياً على الأقل, فصوره, الخارجية منها و الداخلية, تُنشر باستمرار للدلالة على الفن الهندسي الرفيع الذي تم توظيفه لبناء مقر حكومي من الطراز الرفيع في مدينة الرقة.

جيد و جميل و ممتاز... لكن لدي سؤال.. هل من المفروض عليّ كرقيّ يبغي أن يكون صالحاً أن أصفّق لإنشاء هكذا بناء؟ هل يجب أن أفخر به؟ أن ألتقط له الصور لأتباهى بها شرقاً و غرباً و شمالاً و جنوباً؟

سؤال أكثر إلحاحاً.. ما تفسير أنه على بعد عشرات الأمتار فقط من "قصر الـ 332 مليون" هناك منطقة مخالفات لا يوجد بها شارع معبّد؟

إن جاءني اليوم أحد أعداء الأصالة الهندسية الرفيعة و سألني بخبث إن كانت احتياجات الرقة الأساسية موفّرة بشكل جيد قبل الإنفاق على أبنية فخمة.. ماذا عليّ أن أجيبه؟

ليست المشكلة مشكلة بناء واحد.. إنما في بذخ أراه غير مبرر أبداً.. لقد تم توظيف 332 مليون ليرة سوريّة في إنشاء قصرٍ مبالغ بفخامته سيستخدم من قبل عدد قليل جداً من الأشخاص هم المحافظ و أعضاء مجلس المحافظة و بعض الموظفين المحظوظين.. أبناء المحافظة على الأكثر سيمشون على رصيفه الواسع و يرونه من الخارج, أو ربما سيدخله بعضهم يوماً في زيارة أو عمل.. و هذا لا يتوقف عند هذا البناء و حسب فمحافظ الرقة يتمتع بقصر للإقامة هو من أفخم المساكن المخصصة للمحافظين في سوريا, إن لم يكن الأفخم, و أزيد من الشعر بيتاً و أشير إلى إنشاء "قصر ضيافة" أيضاً لاستقبال كبار الزوار الوافدين على المحافظة (يعني أنه سيستخدم مرات معدودة كل عام) .. سؤال برئ: قصر المحافظ واسع جداً بحدائقه و ملاعبه و أبنيته, ألم يكن من الممكن تخصيص جناح في القصر, الموجود سلفاً, للزوار بدل إنشاء قصر جديد بما يعنيه ذلك من كلفة مادية عالية ؟ أيضاً لا يقف الأمر هنا بل أن هناك الكثير من الأبنية الحكومية الجديدة يتم إنشاؤها بناءً على معايير الترف و الفخامة بدل أن يكون المقياس هو كم هذا البناء عملي و ملائم للعمل الذي سيجري فيه.. لا يكون البناء جيداً فقط لأنه ملبّس بالحجر السوري الفخم, أو مبلّط بالرخام, أو أن تكون أبوابه من هذا النوع من الخشب أو ذاك.. هناك معايير أكثر أهمية من ذلك.

قصر محافظ الرقة

كلفة الأبنية المنشأة حديثاً أو التي في طور الإنشاء أو سيبدأ إنشاؤها قريباً في مدينة الرقة تتجاوز الـ 600 أو 700 مليون ليرة سورية.. في مدينةٍ صغيرة تعاني من حالة اقتصادية تعيسة جداً, تفتقر لأمور أساسية جداً في أي مدينة في العالم.. أجل من الجميل إنشاء منصفات شوارع ملبّسة بالحجارة.. لكن قبل ذلك أصلحوا الشوارع و مجاريها يا سادة! شيّدوا أبنية فخمة و جميلة.. لكن قبل ذلك أصلحوا الموجود! أصلحوا المرافق العامة من مستشفيات و مدارس و دوائر حكومية بناءً على معايير الجودة و الفاعلية و ليس بناءً على غلاء كلفة تلبيس الواجهة بالحجر الأصفر.. اهتموا بآثار المحافظة التي تئن و تتعذّب.. ألم يكن من الممكن توظيف كلفة قصر الضيافة في الإسراع بنقل المنطقة الصناعية من بين الأوابد و الآثار الرقية؟ ألم يكن من الممكن توظيفها في صيانة سور الرافقة العباسي و حمايته من مفعول الزمان و عبث العابثين؟ أيعقل أنه لو جاء سائحٌ أو باحثٌ أكاديمي ليشاهد سوراً عمره ألف عامٍ و من الممكن أن يكون من التراث الإنساني العالمي فسيجد "جداريات" مخطوطة بالدهان و البخّاخ على السور الأثري من طراز "عبد الرزاق شيخ الشباب" أو "عنودي عنودي" أو "برشلوني للموت" أو "عقارب الرقة" ؟ هل من يصعب إزالتها, أو بالأحرى منع وجودها أساساً؟, عدا عن الحدائق الجرداء المحيطة و آثار محلات الميكانيك و صيانة المركبات المحيطة بالسور.

ربما ليس بيد البلدية أو المحافظة حلّ أزمة الجفاف و توابعها الاقتصادية و الاجتماعية المؤلمة, لكن بيدهم تحسين جودة الحياة اليومية لمواطنيهم, توفير المستلزمات العامة و العناية بها و إنشاء مشاريع و آليات تفيد عامة الناس من محاولة تحسين الواقع الصحي و التعليمي و صيانة المدارس, أو حتّى تحسين البنية التحتية السياحية و محاولة جذب السياحة الثقافية و الدينية و الاستجمامية إلى المحافظة عن طريق الدعاية و التسويق.. بدل أن تكون محافظةً منسيّة حتى في داخل سوريا.. هذه الأمور و الكثير غيرها بيدهم, لا بل هي واجبهم....

و ليس حلّ غيابها بناء القصور... مهما علت و لمعت

سامحوني على بوح حرقة القلب ... و عمـــــــــــــــــــــــار يا بلد

..

الصورة الأولى: مقر محافظة الرّقة الجديد "دار الحكومة" (المصدر)

الصورة الثانية: قصر المحافظ (للأسف لم أجد صورة أوضح) (المصدر)