2010/01/12

الموت الرحيم.. قرارٌ بين الفلسفة و الأخلاق, و العلم و الدّين

eutan

لعلّ الموت الرحيم و ما يتعلّق به من إشكاليات فلسفية و أخلاقية و دينية يشكّل أحد أكبر معضلات و جدليات الأخلاق الطبية (ربما نستطيع التنويه إلى جدليات أخرى تثير قدراً مشابهاً من الضجة مثل الإجهاض الإرادي و دراسة الخرائط الجينية لتوقّع إمكانية أمراض مستقبلية, و كنت قد تحدّثت عن هذه الأخيرة في مقال سابق), و محكومٌ على هذه الجدليات بالاستمرار إلى ما لا نهاية باعتقادي لأنه إن كان الجدل (الصدامي أحياناً) ما بين بعض المواقف العلمية و الروحانيات الإيمانية و الدينية كافياً لمدّ هذه الإشكالية بوقود أبدي فإن الأمر لا يتوقف عند ذلك فقط بل أن هناك جدلاً داخلياً أيضاً بين المواقف الإيمانية لمختلف الأديان و المعتقدات الروحية, بالإضافة إلى الجدل العلمي الناتج عن التشكيك كمنهج علمي ديناميكي.

علينا أن نشير إلى وجود الكثير التباين و الاختلاف و ربما أحياناً بعض اللغط و الخطأ عند الحديث عن مفهوم القتل الرحيم خارج الوسط الطبي و العلمي (و أحياناً داخله أيضاً) حيث يتم دمج حالات و مصطلحات ليس هناك إجماعٌ على اعتبارها من داخل القتل الرحيم كمفهوم معرّف و مصنّف داخل الأدبيات الطبية (و خصوصاً تلك المتعلقة بالأخلاق الطبية و الـ "بيو إيثيكس") و لذلك سأحاول شرح تعريف القتل الرحيم و شرح تصنيفاته باختصار للتمييز بين ما يمكن تصنيفه قتلاً رحيماً و ما لا يمكن تصنيفه كذلك, حتى لو كان مشابهاً أو قريباً أو متعلقاً.

الموت الرحيم باختصار هو مجموعة إجراءات و قرارات تتخذ لمحاولة تقليل ألم و عذاب المريض المصاب بمرض مميت في مراحله الأخيرة (و قبل أن نستمر نشير هنا إلى لغط شائع حين يقال "مرض لا شفاء منه" بدل "مرض مميت في مراحله الأخيرة".. مريض السكري مثلاً لا يشفى, و لكن قتل مريض سكري ليس قتلاً رحيماً !) و يضاف لغوياً و شعبياً و حتّى أدبياً حالة بعض المرضى المزمنين الذين يعيقهم مرضهم عن ممارسة حياة طبيعية بالحد الأدنى و لذلك يرغبون إنهاءها, هذا أشبه بالانتحار, و هو فعلاً انتحار, أو طلب مساعدة للانتحار, و لا أستطيع تصنيفه مع حالة المرضى بداء مميت في مراحله الأخيرة لأنه حالة مختلفة, لذلك سأتحدّث بدايةً عن هذه الأخيرة قبل الانتقال إلى "الانتحار الرحيم", و ليس لأنني أخترع تصنيفاً جديداً لهم و أخالف من يدرجهم في نفس التصنيفات المذكورة أدناه و إنما لسهولة شرح رأيي ليس أكثر.

أغلب الجمعيات و الجهات الأكاديمية المعنيّة بالدراسات الأخلاقية الطبية تصنّف الموت الرحيم في موت رحيم مباشر و غير مباشر, و الموت الرحيم المباشر بدوره يصنّف في موت رحيم مباشر فعّال و موت رحيم مباشر سلبي (رغم أن الكثير من الجهات الأكاديمية, مثل المنظمّة الطبية الاسبانية, ترفض تقسيم الموت الرحيم المباشر بين فعّال و سلبي), و سأحاول شرح التصنيفات المذكورة بشكل مختصر:

يمكن تعريف الموت الرحيم المباشر بأنه إجراءات تؤدي إلى تقديم ساعة الوفاة بشكل مقصود و مباشر, و تصنّف في نوعين: فعّال و سلبي. الفعّال هو التسبّب بموت هذا المريض بشكل مقصود و واضح باستخدام جرعات مميتة من بعض الأدوية مثلاً, و نقول عنه أنه فعّال لأن الطبيب "فعل شيئاً" للتسبب بالوفاة, أما السلبي فهو وقف العلاج الذي يبقي المريض "مبدئياً" على قيد الحياة, مما يسبب وفاته, أو وقف التغذية عن طريق الوريد لضحايا الموت الدماغي, و نقول عنه أنه سلبي لأن الطبيب "امتنع أو توقف عن فعل شيء" للتسبب بالوفاة

أما الموت الرحيم غير المباشر فهو التسبب في تعجيل الوفاة و لكن بدون أن يكون هذا الأمر هو المقصد المباشر, و للتوضيح نذكر مثال استخدام جرعات كبيرة و متواصلة من المورفين لمريض ببعض أنواع السرطان المميت في مرحلته النهائية فالمقصود من المورفين هو ألا يعاني هذا المريض من آلام و عذاب الساعات الأخيرة, لكن المورفين يتسبّب بانخفاض مستوى الوعي و الإدراك لدى المريض و قد يدخله في غيبوبة, كما أنه يعجّل حصول الوفاة.

كما يقول أحد الصحفيين الأسبان المشاهير: في هذه النقطة تنتهي المعلومة و يبدأ الرأي.

أبدأ من النهاية: أعتقد أن الموت الرحيم غير المباشر هو تصرّف إنساني بحت دون أن أرى أيّ حجّة أو فكرة منطقية تعارض ذلك لأننا نتحدّث عن مريض دخل مرحلة الموت بشكل واضح و تظهر جميع دلالات اقتراب وفاته, و ما يفعله هذا الموت الرحيم غير المباشر هو العمل على ألا يتعذّب هذا المريض و تتعذّب أسرته و المحيطين به في هذه الساعات الأخيرة, الفرق بينه و بين الموت بدون مسكّنات قوية ربما يكون مجرد ساعات, أو يوم أو يومين على الأكثر, و ربما لا يكون هناك فرق.. لكن المريض يموت بسلام و دون ألم, أو على الأقل دون آلام فائقة لا تطاق, و أعتقد أنه لا توجد عائلة تعترض على ذلك, بل أنني رأيت كثيراً من العائلات تطلب من الطبيب "أن يفعل شيئاً" كي لا يتعذّب قريبها في ساعاته الأخيرة, و هناك عدّة حالات عرفتها عن عائلات تطلب من الطبيب بشكل واضح أن يموت قريبها و هو نائم كي لا يشعر بشيء, و أرى أن تسمية هذا الإجراء الطبي بـ "القتل الرحيم" ليس إلا مسألة نظرية بحتة لأنه عملياً إجراء طبي متّخذ لتوفير أفضل خيار ممكن للموت دون عذاب, و كثيرٌ من الأطباء يستخدمونه دون أن يعتبروه موتاً رحيماً, و في موقف راديكالي ربما من طرفي لا أرى مانعاً في استخدامه دون الحديث مع الأسرة حتّى, ربما لكي لا يزاد على همّهم هاجس أنهم تسببوا في موت قريبهم الذي سيموت حتماً (و نقول سيموت حتماً لأن المورفين بجرعاته الشائعة طبياً لا يقتل بحد ذاته و إنما قد - و نؤكد على "قد"- يسرّع الموت قليلاً), و أعتقد أن كلّ نظام صحّي يسمح باستخدام المورفين للمرضى في المراحل النهائية يشرّع عملياً هذا النوع من القتل الرحيم النظري, حتى لو لم يسمّه كذلك بشكل صريح.

أما عندما ننتقل إلى تقييم و إبداء الرأي بالموت الرحيم المباشر فربما لا نستطيع إطلاق أحكام مطلقة على المصطلح ككل و إنما يجب التفريق بين الحالات, فكل حالة ربما تكون عالماً مستقلاً بحد ذاته, فعلى سبيل المثال في حالة المهزلة الطبية و الأخلاقية التي تسبّب بها سيلفيو برلسكوني (بالتواطؤ مع اليمين الإيطالي الفيلو-فاشي و بعض أوساط الفاتيكان) في إيطاليا منذ شهور عندما رفض بشكل شعبوي و غبي (مثل كل ما يفعل هذا الشخص ربما) أن يستطيع والد شابة وقف تغذية ابنته الميّتة دماغياً منذ أكثر من 17 عاماً كي ينتهي موتها الذي بدأ فعلاً عندما ماتت دماغياً. هذه المسكينة كانت "حيّة" لأنها تتنفس فقط, لا تشعر بشيء و لا يوجد أي أمل بأن تشفى لأن دماغها ميّت! و أعتقد أن منع والدها من إيقاف تغذيتها وريدياً (أو بالأحرى محاولة منعه لأنه بالنهاية استطاع تنفيذ ما أراد عندما نقل ابنته إلى مشفى خاص, لكن برلسكوني سنّ قانوناً جديداً سيمنع هذا الحل عند تكرّر هذه المسألة مستقبلاً) كان جريمة أخلاقية بحق هذا الأب المسكين. نعم هو موت رحيم مباشر لأنه لو استمرت التغذية الوريدية لربما استمرت المريضة بالتنفّس لسنين طويلة, لكن أليست ميّتة فعلاً حتى لو تنفّست؟ لماذا لا يفكرون بهذا الأب الذي رُبط بغرفة ابنته مدّة 17 عاماً و يريد أن ينهي عذابه و يترك ابنته تموت بسلامٍ كي يدفنها و يبدأ حياته من جديد؟ لا! هذا موت رحيم و أخلاقنا تمنع ذلك... أتمنى لو أنكم تتذكرون "أخلاقكم" في ساحات أخرى (فشة خلق ببرلسكوني و أمثاله, أرجو أن تسامحونا عليها).

كيف نستطيع التمييز بين حالات "مبررة" للموت الرحيم و أخرى "غير مبررة"..

هذا هو السؤال المحوري المعقّد و الصعب جداً.. و ربما لا يوجد جواب نهائي للجميع بل يوجد (أو يجب أن يوجد) سلّم مسؤوليات واضح يحدّد أي رأي من الآراء هو صاحب الحق بأن يتحوّل إلى قرار... و أعتقد أن القرار يجب أن يعود بدايةً و قبل أي شخصٍ آخر إلى رغبة المريض الحرّة المسؤولة المعبّر عنها بعد فهم و وعي كاملين للحالة المرضية و ما يمكن أن ينتج عنها, و أشرت إلى رغبة المريض حصراً دون عائلته لأن هكذا قرار يجب أن يتّخذه صاحب الشأن فقط و ليس عائلته, فبدايةً هذا القرار صعب جداً لابن أو أم أو زوج.. بل أنه شبه مستحيل و ربما ينتج عنه بعد ذلك ندم و شعور بالذنب في هذا الفرد قد يعذّبه سنوات طويلة, أو مدى الحياة. من السهل أن تقرر عن نفسك لأن هذه حياتك و عندك معتقد و ثوابت واضحة بالنسبة لك, لكن من الصعب جداً أن تقرر عن شخصٍ آخر مهما كان قريباً, بل أنه قربه مشكلة إضافية!

لو تقرر تشريع الموت الرحيم للمصابين بأمراض مميتة في مراحلها الأخيرة, و هذا ما أعتقد أنه يجب أن يحدث دون إبطاء في جميع دول العالم, لكنت مع الرأي القائل بوجوب إخبار المريض بحالته و نتائجها و كيفية تطوّرها بعد موافقة لجنة طبية مختصة بذلك, و أن يتم التأكد من أنه فهم بشكل أكثر من ممتاز ما شُرح له بحيادية و موضوعية علمية فائقة من قبل أكثر من 3 أطباء مختلفين, و إن أراد هو أن يختصر على نفسه المرحلة الأخيرة من المرض و عذابها و آلامها و تأكد من رغبته تلك فأنا مع مساعدته في هذا الاختصار, و إن لم يرد أو تجاهل الموضوع فيجب أن يمشي العلاج حتى النهاية. هذا رأي شخصي مبني على قناعة ذاتية و لا يمكن اعتباره معلومة اختصاصية.. أنا مع رغبة المريض و مع سلطته على نفسه.. هو من سيموت و هو من سيتحمّل الآلام, لذلك هو يقرّر. و أرى مشكلة كبيرة في أن يُترك القرار و التشريع لمن لا علاقة له لا بالوسط الطبي و ليس لديه أي احتكاك أو علاقة بالمرضى خارج نفسه و أسرته, هذا تشريع ناقص أيّاً تكن مواده, و لا يكفي أن "يؤخذ" رأي الوسط الطبي فقط بل يجب أن يكون القرار للوسط الطبي فهو الأقدر على تقييم هذه الأمور, بالطبع للقناعة الدينية دورها, لكن المريض عند تقريره لما سيحدث معه سيأخذ هذا العامل بعين الاعتبار, و ربما ستكون القناعة الدينية هي السبب الوحيد و الكافي له لرفض حلول بديلة, و هو حرّ في ذلك, كما أنه من حقّ كل طبيبٍ ألا يمارس شيئاً ضد قناعته و أن يحيل المريض إلى طبيبٍ آخر.. لكن أن يأتي رجل قانون أو رجل دين لا علاقة لهما بالوسط الطبي و يقررا عن الجميع فهذا خطأ, أو ما يحدث في بعض الدول حيث تحتاج بعض العمليات و الإجراءات الطبية الاعتيادية (نتحدث عن علاجات و ليس عم موت رحيم) إلى موافقة المرجعية الدينية للمريض.. لماذا يجب أن يوافق, أو يرفض, شيخ أو كاهن أو حاخام أو أيّاً يكن ما سيحدث لمريض قد لا يعرفونه شخصياً حتّى؟ هذا غير منطقي! المسائل الطبية معقدة و صعبة و لا يمكن وضعها بيد من لا يفهم فيها و من يمكن أن يطلق أحكاماً سطحية, ربما بحسن نيّة, لكنها تبقى سطحية إن لم يكن هناك معرفة و إطلاع قريب و شامل.

أرجو ألا يفهم أحدٌ أنني أهاجم النظرة الدينية للموضوع بقولي السابق, أنا مع احترام معتقدات و مواقف و قرارات المريض, الدينية و غير الدينية, إلى حد التقديس, كما أنني مع حقّ الطبيب بألا يفعل شيئاً يخالف قناعته, دينيةً كانت أم غير ذلك, فقط أعترض على منح سلطة إيديولوجية أو عقائدية, أي سلطة كانت, حقّ التشريع على الجميع بما يلاءم معتقداتها و مواقفها. و موقفي هذا لا ينحصر في هذه المسألة بل يمكن إسقاطه على جميع جوانب الحياة.

الموضوع بعيدٌ جداً عن أن ينتهي فهناك الكثير من النقاط التي يجب الحديث عنها و أيضاً بعض الحالات العملية و الأحداث التي ربما يساعد شرحها على بناء وجهة نظر و رأي تجاه الموضوع, لذلك سأكتفي في هذه المقالة بما كتبته عن حالة المصابين بأمراض مميتة في مراحلها الأخيرة و نكمل في مواضيع لاحقة بعد نشر هذا الموضوع و النقاش فيه لمن يرغب ( و بالتأكيد أرحّب بكل الآراء و الاستفسارات و النقاشات, ففيها فائدة للجميع).

..

مصدر الصورة