لا نذيع سراً و لا نكشف حقيقةً مخفية إن قلنا أن إشاعة الخوف قد تكون إحدى أفضل طرق الحفاظ على السلطة, خصوصاً إن كان فعل الإخافة متقناً, و ليس من الصعب إتقانه.. يكفي مزج الرعب مع قدر ملائم من الحيرة و الضبابية و مجموعة أخبار متضاربة ليكون لديك شعبٌ خائف يبصم لك (عالعشرة) إن أردت..
و هذا هو أوباما..
أبو حسين.. الذي طالما اتهم بوش بتخدير الشعب الأمريكي باستخدام هذه الخلطة السحرية من الخوف من المجهول و الريبة و التعتيم لتحقيق مآربه السياسية و للحصول على دعم شعبي لشن الحروب و لضمان سكوته و رضاه على سن قوانين لا ديمقراطية باسم الأمن القومي... وريث مارتن لوثر كينغ المزعوم.. لا يختلف عن سلفه. لم أكتشف هذا الأمر اليوم و فجأة بل أن تشاؤمي المزمن كمواطن عربي صالح و مطيع لم يفارقني أبداً, لكن ربما كنت أتصوّر أنه سيحاول على الأقل الالتفاف أكثر من "مستر رانجر" أو أنه سيستنبط طرقاً جديدة.. لكننا نرى أنه يستخدم نفس الحيل و نفس الأساليب البدائية و الوقحة في آن معاً.
منذ أيام شاهد العالم كيف أن شاباً منفرداً, مشكوكٌ بصحّته النفسية, قد استطاع أن يخترق الأمن القومي الأمريكي بسهولة و بساطة, و وحده حسن الحظ استطاع منع مجزرة كبيرة على متن الطائرة المسافرة إلى الولايات المتحدة.. لقد تمكّن هذا الشاب من اختراق عشرات الحواجز و التدابير الأمنية الكبيرة من دون أدنى مشكلة, و ماذا كان رد الإدارة الأمريكية؟ مزيد من الحواجز العقيمة و التدابير الأمنية الغبية..
بإمكان أي مراقب محايد, لو قرأ مجموعة الاحتياطات الأمنية التي تتبناها السلطات الأمريكية في وسائل النقل الجوي, أن يلاحظ حماقتها و عدم نفعها عملياً إلا لإثارة الهلع و للإدعاء بأنهم يفعلون شيئاً.. فمثلاً تشديد المراقبة (أو بالأحرى الإزعاج) على المسافرين أصحاب جنسيات محددة أو القادمين من دول معيّنة مثل سوريا و لبنان هو تدبير غبي بالفعل.. و كأن من لديه خطة لاختراق الأمن القومي الأمريكي لا يستطيع الحصول على جواز سفر "آمن".. ألم يكن مفجرو باصات لندن من حاملي الجنسية البريطانية؟ أو, كمثالٍ آخر, قائمة الممنوعات لدى المسافرين.. يستطيعون منع حمل لعبة أطفال إن كان من الممكن كسرها و تحويلها إلى أداة حادّة أو قاطعة.. لكن ركاب الدرجة الأولى يتناولون الوجبات بسكاكين معدنية.. هل يا ترى تعجز الجماعات الإرهابية عن شراء بطاقة درجة أولى؟
لا أعتقد أن القول بأن كل هذا الهاجس الأمني و الناشر للهلع و الخوف في صفوف الشعب الأمريكي و المقيمين في الولايات المتحدة مفتعلٌ لتغطية الفشل في أجندات أخرى يصب في خانة نظرية المؤامرة.. لا يمكن فهم كل هذه الحركات السخيفة و المزعجة في آنٍ معاً إلا في هذا الإطار... أكاد أجزم أن مسؤولي الأمن الأمريكيين لا يهمهم الحفاظ على الأمن القومي بقدر ما يحاولون إعطاء صورة نشيطة تغطي عجزهم عن القيام بعملهم, و النتيجة هي إجراءات عقيمة لا تنفع و لا تفيد إلا لزيادة الإزعاج للمسافرين بالإضافة إلى نشر التفرقة و التمييز حسب الجنسية أو الشكل أو الدين..
بالتأكيد هناك أسبابٌ للخوف, و بطبيعة الحال فإن من حقّ المسافر في هذه الأيام أن يخاف, خصوصاً إن كان متجهاً إلى الولايات المتحدة, لا أتحدّث عن هذا الأمر و إنما عن توظيف هذا الخوف و تنميته لتحقيق مآرب سياسية بحتة, فما يقومون به لا ينفع لتشديد الأمن أبداً, و هم نفسهم من يشيعون أن "الإرهابي" قد يكون أبعد الناس عن الشكوك, لكنهم ينشئون أنظمة أمن لا تنفع إلا للإزعاج و إشاعة التوتر... و لمنح الشعب الأمريكي شعوراً مزيفاً بالأمان, و الذي يمكن "تسخينه" حسب أجندة الرئيس أوباما..
هل ما زال الناس في الولايات المتحدة اليوم يتحدثون عن فشل القمة المناخية و عن الإخفاق في أفغانستان و التأخر في إغلاق غوانتانامو؟ لا طبعاً.. الخبر اليوم هو الأمن الجوي ! أيوريكا...
هامش: أفضل طريقة للحفاظ على الأمن القومي الأمريكي هي استيراد موظفي جمارك من بعض الدول العربية.. يكفي السماح لهم بأخذ "حلوان الوصول بالسلامة" و أن يبحثوا عن هذا الحلوان بأنفسهم في جسم المسافر و بين أمتعته.. ستكون النتائج بدقة الساعات السويسرية..
..