"إشعُر بالفكرة.. فكّر بالشعور"
ميغيل دي أونامونو
______________________________________________

٠٥‏/٠١‏/٢٠١٠

حول النقاش في الحجّة التاريخيّة لإقامة دولة إسرائيل

Soldados jerusalen

الموضوع الذي أود طرحه اليوم هو أحد تلك المواضيع التي تنال اهتمامي في النقاشات حول الكيان الصهيوني و وجوده على أرض فلسطين, و غالباً ما يصعب عليّ شرح وجهة نظري فيه, و ليست هذه المرّة الأولى التي أبدأ بالكتابة عنه, إلا أن النصوص السابقة كان مصيرها المسح, و أرجو أن أتمكن من شرح وجهة نظري التي ربما تكون مختلفة عن تلك السائدة في هذه السطور التي أتمنى أيضاً ألا تطول بشكل ممل.

ربما من الأسباب التي تدعوني لإعادة النظر و التفكير في الموضوع بين فترةٍ و أخرى هو كتابة الأستاذ جهاد الخازن عنه بكثرة في زاويته الشهيرة في صحيفة الحياة, و بطبيعة الحال لا أريد و لا أستطيع و لا أجرؤ على تخطئة أستاذنا الكبير في إصراره على موضوع تكذيب الحجج التاريخية التي يسردها مناصرو الصهيونية لتبرير حق اليهود بإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين, فالخازن يتحدّث من منطلق ثقافة تاريخية واسعة و إطلاع على عمل الكثير من كبار المؤرخين الذي درسوا الموضوع و بحثوا فيه.. بالتأكيد أحترم و بشدّة وجهة نظر الأستاذ جهاد الخازن و جميع من يرى, مثله, ضرورةً في التركيز على الطعن بهذا الأساس التاريخي المزعوم.. لكنني أختلف في هذا المجال بشكل كبير معهم, و يبقى مجرّد رأي عادي لشخص أقل من عادي.

لماذا أختلف معهم في الرأي؟

أعتقد صراحةً أن منح هذا النقاش التاريخي حيّزاً كبيراً من ساحة المعركة مع العدو الصهيوني يصبّ مباشرة في مصلحة الصهاينة, مثله مثل الاستماتة في إنكار الهولوكست و كأننا متهمون به, و لأسبابٍ كثيرة سأحاول تلخيصها في بضعة نقاط أحاول قدر الإمكان أن تكون شاملة و توضيحها بأفضل طريقة ممكنة.

يكمن اختلافي الأول مع هذا السجال في منطقه, و أعني بذلك ما يلي: لا شك أنه لا يحتاج أي إنسانٍ لرابط انتمائي محدد و قوي كي يرى بشكل واضح أن هناك حقّ منتهك و مغتصب للشعب الفلسطيني الذي طُرد من أرضه بسبب عدوان غاشم و همجي و بربري, عدوانٌ لا يمكن تبريره بأي حقّ "تاريخي" أو "إلهي" أو أي نوع آخر.. أيّاً يكن, و هذا بالتأكيد نتفق فيه جميعاً.. و لكنني أرى أننا عندما ندخل معهم, بشكل مباشر أو غير مباشر, في سجال حول وجود سند تاريخي لوجودهم سابقاً على هذه الأرض أم لا فإنني أرى أننا نقبل منطق أنه لو وُجِد فعلاً سند تاريخي لوجود دولة يهودية قديمة على تراب فلسطين لكان ذلك مبرراً لإقامتها الآن.. عندما ندخل هذا النقاش فإننا نقبل ضمناً و دون قصدٍ منّا بثنائية منطقية واضحة و هي (ليس هناك سند تاريخي: لا حقّ لكم اليوم في فلسطين) و بالتالي (إن وجِد سند: هناك حقّ لكم) و وجود هذه الثنائية خطيرٌ جداً, لسبب بسيط وهو أنه لا يمكن إقناع العالم أجمع بأي طرف من أطراف هذه الثنائية, لأن نقاش وجود السند التاريخي يمرّ حتماً بنصوص دينية مقدّسة لمن يؤمن بها فقط, و لا يجدي تكذيبها معه نفعاً.. بمعنى آخر: النقاش في هذه المسألة يمر حكماً بتكذيب النصوص التوراتية و تأكيد تزويرها, و هذه المسألة ربما ليست صعبة الإثبات على شخص مسلم يؤمن بما يقوله القرآن, لكن ليس المسلم من يحتاج الإقناع.. فاليهودي المؤمن بالنصوص التوراتية, أو المتعاطف معه من غير اليهود, لن يقتنع بأن نصوصه المقدّسة مزوّرة, و بسهولة بالغة سيتم تحويل نقاش تاريخي بأساس علمي إلى اتهام معتاد بمعاداة اليهود و الطعن بمعتقداتهم و كل هذه الأمور. هو نقاشٌ يبدأ و لا ينتهي, نقاشٌ من النوع البيزنطي و لا أرى أننا نحتاجه لإثبات حق الشعب الفلسطيني على أرضه.

كنت قد قلت سابقاً أن النقاش يصب في مصلحة العدو الصهيوني, لأنه إضاعة وقت و جهد (برأيي) في البحث في مسألة لا تؤذيهم قيد أنملة, هم الآن ليسوا بحاجة لإثبات شيء لشعبهم الصهيوني, بل أننا نستطيع أن نلاحظ أن عدداً كبيراً جداً من المؤرخين الذين بحثوا في هذه القضية و شككوا بالأساس التاريخي لوجود الدولة الإسرائيلية القديمة هم من اليهود الإسرائيليين, هذا لا يغيّر شيئاً في ارتباط غالبية اليهود بالصهيونية و أسسها.. لأن خزعبلات أرض الميعاد و الوطن القومي لم تكن إلا الشرارة التي استخدمها مؤسسو الحركة الصهيونية لجمع الأقليات اليهودية في أوربا حولهم (و خصوصاً أن كثيراً منها كان يعاني التمييز و الاضطهاد و كانت تبحث عن "مخلّص" دون البحث في أساسه) و لحظة تم جمع اليهود انتهت مهمّة الشرارة, و الدليل على ذلك أن الحركة الصهيونية كانت تبحث عن خطط بديلة لإقامة هذه الدولة القومية في حال فشل مشروع الاستيلاء على فلسطين مثل إقامتها في الأرجنتين أو في إحدى المستعمرات البريطانية في شرق أفريقيا, و هذا يشير إلى أن الصهيونية لم تكن تحتاج لسند تاريخي لاغتصاب أراضي الغير و طردهم منها. و هناك مؤشر آخر و هو أن أنشط العصابات الصهيونية التي ساهمت بشكل فعّال في الأعمال الإرهابية السابقة للنكبة كانت عصابات لا دينية, لكنها صهيونية.. و اليوم نرى أن الصهاينة و المتعاطفين معهم يمكن أن يكونوا يهوداً أو لا, مؤمنين أو ملحدين, لا فرق! الصهيونية منذ إنشائها في فلك الاستعمار البريطاني هي أداة إستراتيجية سياسية و اقتصادية, و الجزئية الدينية التوراتية ليست إلا إطاراً قد ينفع للحفاظ على تماسك هذا الخليط غير المتجانس من الشعوب و الأعراق التي اجتمعت باسم القومية اليهودية, لكنها لا ترتقي لمصاف مبرر الوجود إطلاقاً برأيي. إسرائيل موجودة اليوم بمنطق القوة العمياء و الدعم غير المحدود من القوى العظمى في هذا العالم, و لن تذوب فجأة إن نحن "فضحنا" تلك الحجّة التاريخية التي يعلمون هم أكثر من غيرهم أنها مجرّد "حجّة".

أرى أن الرد على هذه المسألة أبسط من الدخول فيها, و تكفي دراسة التاريخ قليلاً لنعلم أن الحضارات قامت و انتهت, تمددت و تقلصت, هاجرت و استقرت, و هذا لا يعطي لأحدٍ أيّ حقّ تاريخي في أيّ مكانٍ من العالم.. لا يهم إن كان هناك مملكة يهودية قبل آلاف السنين, هذا لا يبرر اغتصاب أرض و طرد شعبها و تشريده, هذا لا يبرر قيام أكبر تجمّع عنصري و إجرامي في التاريخ الحديث, و لا أعني بذلك أنني ضد البحث التاريخي.. أنا معه تماماً, لكنني أعتقد أنه يجب أن يبقى في إطار أكاديمي و لا يتحوّل إلى مسألة عقائدية أو سياسية.. و يكفي تذكّر ما اقترفت أيديهم المجرمة في غزّة العام الماضي كي نقتنع و نُقنِع أنه لا يوجد, كما أسلفنا, أي حقٍ من أي نوع يبرر هذه الوحشية الإجرامية..

ختاماً, و بدايةً و عرضاً.... الحرّية لفلسطين و العزّة لشعبها.

..

الصورة

4 تعليقات:

Kontiki يقول...

ياسين
صباح الخير
تحدثت فشمل كلامك بهدوء كل النقاط فى عمق الموضوع وفندت كل ما يمكن ان يقال وابطلت الحروب الوهمية التى تنقاد لها الشعوب العربية من اجل اثبات بطلان اسانيد واساطير دينية ونصوص الهية قامت بموجبها دولة اسرائيل
وكما قلت هو اضاعه وقت وجهد غير مفيد ورأيى المتواضع هو التركيز الان على حقن دماء الفلسطينين وخاصة االامهات و الرضع والاطفال والتوصل لاى اتفاق او اى وسيلة لضمان منع و وقف نهائى لجرائم جيش اسرائيل ضد الفلسطينين .

Tears يقول...

هذه اصبحت قضية ازلية اصبح عقلى يعتقد ان لا حل لها

Yassin يقول...

كونتيكي, تيرز


أهلاً بكما و شكراً على الاهتمام و التعليق


تحياتي :)

باسل يقول...

مقال جميل عزيزي "ياسين" .. ولو إني لا أستطيع افتراض "عبثية" أي جدال علمي .. ومن مبدأ "برغماتي" آخر فإنّي أجد بالمقابل أهميّة إعلاميّة لهذه الأصوات المجادلة في "الحجّة التاريخية" لوجود "إسرائيل" .. ولو لم أتبنّ شخصياً منطلقاتها شخصياً ..

القبول بهذا النقاش .. لا يماثل بنظري القبول بالثنائيّة التي افترضتهاأنت .. بذات المنطق المستخدم يمكن أن أفترض مثلاً .. أنّ التمنّع عن هذاالنقاش هو "اعتراف" بأحقيّة اسرائيل بالوجود ..

تحيّاتي ..
باسل