30 كانون الأول 2009

مصر.. مع المحبّة

mubarak neten

أعترف أنني كلّما اعتقدت أنني قد تخلّصت من الانغماس العاطفي عند النظر في الشأن السياسي العربي, و كلّما توقعت أنني قد وصلت إلى القاع في الاشمئزاز من كلّ ما شاهدت و سمعت و قرأت.. كلّما فكرت بذلك يحدث أمرٌ ما يؤكد لي أننى لم أبلغ القاع.. أنه ما زال هناك ما يستطيع أن يشّطب عاطفتي بسكّين حادّة و أن يؤجج ألمي و معاناتي.. و أتحدث اليوم عن الصورة الموجودة أعلاه... رئيس جمهورية مصر العربية, أم الدنيا.. إخواننا في كل شيء.. يستقبل ابن الفاشية الصهيونية المدلل و تلميذها النجيب, السفّاح بنيامين نتن ياهو.

يعني (بالمشرمحي) كما يقول أهل الشام... أضعف الإيمان ألا يُمنح نتن ياهو هذه الصورة كهديّة.. هكذا صورة قد تجلب الانتقادات لرئيس أي دولة في العالم من قبل قطاعات واسعة من شعبه, لماذا تُمنح من قبل مصر؟ كيف سنعاتب الغير إذن؟

أحاول دائماً ألا أقع في النظرة العاطفية عندما أفكر بالسياسة, لكنني اليوم عاجزٌ عن فهم أي جزئية في هذا اللقاء.. و أضيف على ذلك مسألة توقيتها.. رئيس أكبر دولة عربية يستقبل رئيس الكيان الصهيوني عشية الذكرى الأولى لإحدى أبشع المجازر الوحشية.. في بقعة من الأرض قد تحوّلت إلى سجن عملاق لا يدخل فيه حتّى الاسمنت لبناء شواهد قبور ضحايا العدوان الهمجي الصهيوني... حدث كلّ هذا, و يحدث.. و لا يكفي أهل غزّة المحاصرين همّاً كي يضاف على ذلك دخول النظام بشكل فاعل (أو أكثر فعالية, كي نكون دقيقين) في جهد تقوية الحصار على قطاع غزّة, و بحجّة الأمن القومي!

منذ أسابيع تحوّلت مباراة كرة قدم إلى مسألة أمن قومي, و اليوم أهل غزّة المساكين هم من يهدد الأمن القومي! ماذا سيكون غداً؟ العصافير التي تأكل قمح مصر؟

لست أزايد على أحد, لست في موقع ذلك و لا أبتغيه.. لكن غيظي و ألمي مضاعف.. يؤلمني أن أرى حكومة أكبر دولة عربية وهي تشارك في إحدى أكبر و أعمق وصمات العار في جبين الإنسانية في عصرنا.. و يؤلمني أكثر أن حكومة هذا البلد تستخدم حرقة قلب أمثالي كي توهم قطاعات واسعة من شعبها أنهم مستهدفون من قبل هؤلاء العرب الجاحدين الحاقدين الذي يكرهون مصر و يصبون غضبهم و لعناتهم عليها بشكل متواصل.. آلمني أن أرى تزايد مشاهد موقف الدفاع من قبل بعض الإخوة المصريين تجاه الانتقاد لنظامهم و تعاونه مع العدوان!

لا نعتب على من لا يجدي معه العتب.. نعتب على من نحب.. و نحن نحب مصر و شعبها !

يا إخواننا المصريين, يا أشقاءنا الأعزاء, يا أحبابنا... أرجوكم لا تقعوا في شرك الدعاية المغرضة التي تحوّل انتقاد سياسة حكومتكم إلى نوعٍ من الإهانة و الهجوم عليكم كشعب.. أنتم يا أعزاءنا فوق كل جدل و نقاش.. لا يشكك أحدٌ و لن يشكك بمواقفكم و أياديكم البيضاء كشعب على كل مجالات الحياة في المنطقة العربية, من سياسة و اقتصاد و ثقافة و فن.. لا تسمحوا لهم بأن يستغلوا غيرتكم على سمعتكم و مكانتكم و أن يوهموكم بأنها معرّضة للخطر..

ليس الرّد على انتقاد سياسة النظام المصري تجاه الفلسطينيين بأن "مصر أولاً".. ليس أهل غزّة من يرفعون نسب الفقر و البطالة و الفساد في مصر, ليس الفلسطينيون من يحاصر إسرائيل, ليس الفلسطينيون مشكلة مصر! لا تقتنعوا بمناورة تحويلهم إلى الشمّاعة التي تعلّق عليها كل مشاكلكم الوطنية.. لا أتحدث من موقع انتماء سياسي, لا أدخل غياهب السياسة و منعطفاتها, أتحدث من منطلق شعبي بحت.. من منطلق الأخوّة

أعلم تماماً أن أغلب الشعب المصري الشقيق يعي هذه الحقيقة و يتفهّمها, و ربما تؤلم مواقف و كلمات بعض الأشقاء نتيجة الغضب الناتج عن دسّ السموم و اللعب على وتر العاطفة الانتمائية... نتألم منهم و نعتب عليهم... عتب الشقيق على الشقيق

همّنا همّكم, أملنا أملكم, و مستقبلنا مستقبلكم.... لا تنسوا..

مع كلّ الحب لأم الدنيا مصر...

..

الصورة