21 كانون الأول 2009

تلغراف – إلى جميلة بوحيرد

djamila-bouhired

السيّدة المبجّلة جميلة بوحيرد

تحيّة الإكبار و الاحترام

عليّ أن أبدأ سطوري هذه بالإقرار بأنني عانيت صعوبةً في إمساك القلم و الكتابة إليك, فأنا يا عروس الحرّية لا أجيد مخاطبة الأساطير و رموز المجد, لذلك أرجو أن تعذري ارتباكي و خروجي عن التقاليد و الأدبيات التي من الممكن أن توجد للتوجه للعظماء أمثالك.

أعرف اسمك يا سيّدتي منذ الصغر, و هذا من نتائج الصدف البحتة, فقد كان في حيّنا مدرسة ابتدائية باسمك, لم تكن مدرستي لكن الكثير من تلاميذها كانوا أصدقائي, و كنا نقفز جدارها كي نلعب كرة القدم في باحتها, و غالباً تنتهي المباراة سريعاً بمجيء الحارس لطردنا, و لم نكن نعرف لفظ اسمك جيّداً, فحتّى تلاميذ المدرسة كانوا يقولون "جميلة بحيرة" أو "جميلة مُحيرة".. تعلّمنا اللفظ الصحيح بعد أن كبرنا, و منّا من عرف مَن هي جميلة بوحيرد, و منّا من لا يعرف إلى اليوم..

شاهدت صورتك للمرّة الأولى منذ أعوامٍ قليلة, و أذهلني كيف استطاعت فتاةٌ نحيلة صغيرة أن تهزّ أركان قوّة امبريالية امتلكت نصف العالم و انتصرت في حربين عالميتين.. ربما تكون تلك القوّة التي جعلتكِ تنتصرين هي إحدى هذه الأسرار التي لا نعلمها لكننا نسعد لوجودها في مكانٍ ما, و نتمسّك بالإيمان بها كي لا نفقد الأمل بعالمٍ أفضل.. عالمٍ حرّ من الظلم و الطغيان.

يا جميلة النضال

قرأتُ رسالتيك الموجهتين إلى رئيس الجمهورية الجزائرية و إلى الشعب الجزائري يوم أمس ببالغ التأثّر, آلمني, دون أن استغرب الواقعة, أن تضطر الهامات العظيمة مثلك للشكوى العلنية من ضيق ذات اليد, من تراكم الديون و صعوبة الحياة براتبٍ تقاعديّ هزيل و طلبك من شعبك الذي بذلتِ في سبيله دم الجروح و ليالي التعذيب و الاعتقال أن يساعدك على دفع ثمن عملياتٍ جراحية تحتاجها صحّتك العليلة و تعجزين عن توفير كلفتها المادّية.. لم أتعجّب لأن هذا ما يعانيه بناة الأوطان في الأمم المقلوبة على رؤوسها... هذه أعراض مرض الشعوب و احتضار الحضارات يا سيّدتي. ربما لم يكن ليحدث هذا لو أنك تكيّفتِ مع الزمان الذي نعيش و درّبت صوتك للمشاركة في ستار أكاديمي كي تضطر قوى الأمن و كتائب الجيش للنزول إلى الشوارع لضبط مشجّعيك و أنصارك, أو ربما لو كان لكرة القدم النسوية حضورٌ جماهيري لكانت أشعّة الشمس إن اقتربت منك سبباً لأزمة بين الدول و الشعوب و الجرائد و الفضائيات.

ماذا فعلتِ أنتِ كي يكون من حقّك أن تطالبي بالإنصاف؟ فقط كنت رمزاً عملاقاً لثورة المليون شهيد, فقط تحدّيت العالم و انتصرت, فقط كنت المطلوبة الأولى لإمبراطورية استعمارية لم تنجح في ثنيك عن عزمك لا عندما كنت طليقة, و لا عندما وقعتِ في الأسر... هذه إنجازات زمنِ آخر, عالمٍ آخر, كوكبٍ آخر..

يا رمز الإباء و الشموخ

كنت عظيمةً في كفاحك و أسرك, عظيمةً بعد الانتصار و التحرّر, و أنتِ اليوم عظيمة في مرضك.. رفضُك عروضَ أثرياء الذهب الأسود (أو أغنياء الأزمة السوداء) دليلٌ آخرٌ على كرامتك النفيسة, فأنت يا سيدّتي لا تقبلين أن يشفيك ذات المال الذي يقامر في مونتي كارلو أو يغري بغاء لاس فيغاس, لا تريدين صدقةً, تريدين حقّك و هذا عدلٌ.. لكننا نعيش في بلاد الحقوق الكرتونية..

لا أفقد أملي في نسمة حياة وسط السبات المميت.. فنحن بحاجتك معافاةً لتنتصري على سلطنة الهزيمة كما هزمتِ إمبراطورية ديغول قبلها..

مع تمنياتي بأن أخطّ لكِ رسالةً أخرى قريباً لأهنئك على الشفاء استودعك بقبضة الحرّية المرفوعة تحيّةً لعظمتك.

..

مصدر الصورة