أجد مضحكاً و مبكياً في آنٍ معاً كيف وصل مفهوم السيادة الوطنية لدى حكوماتنا العربية إلى أسفل درك الابتذال, فنرى كيف يستل جهابذة السلطات سيف "السيادة" في وجه "أعدائهم" في معارك خطيرة جداً و مصيرية مثل مباريات كرة القدم, مسابقات التلفزيون, ضد كاتب مقالة, ضد شاعر, ضد فنان... ضد أطفال! و أصبحت هذه الممارسات مادةً دسمة للتندر و للتعليقات الظريفة و الكاريكاتيرات الباسمة, نتناقلها ربما لننسى أننا أصبحنا أضحوكة العالم بسببها, فحكوماتنا لا تجد مساً لسيادتها أموراً ثانوية مثل انعدام العدالة الاجتماعية و لا الفقر و لا الجهل و الأمية و لا البطالة, لا تجد هجرة الأدمغة خطراً على تلك السيادة العتيدة, لا تجد في انعدام الثقة بالنفس و الأمل بالمستقبل مشكلة, بل أنها تتجاهل وجود هذه المشاكل أساساً, السيادة بالنسبة لها أن تجعل الشعوب قطيعاً يلحق الراعي بإشراف و حراسة كلابه.
نعم نضحك.. لكن لا ننسى أن هذه "التفاهات" لها ضحايا, بشرٌ يعانون الاعتقال و الإبعاد و المضايقة, أناسٌ يضحّون بعوامل حياةٍ كريمة و حرّة ضمنتها كلّ الأعراف و الأديان و المنطلقات الفكرية الإنسانية... يتعذبون لأن من يجلس على العرش لا عقل له يسعفه على فهم أن الموقف السياسي أو الفكري أو الوطني و التباين و الاختلاف عليه هو مجال نقاش بعيدٌ كل البعد عن الإنسان و كيانه و حقوقه.
مضى أكثر من خمسة و عشرون يوماً و أمينة (أميناتو) حيدر قابعة في مطار لانثاروتي في جزر الكناري الاسبانية و مضربة عن الطعام بعد أن أبعدتها السلطات المغربية بطريقة مافيوزية لا يمكن تخيّلها إلا من أسوء أنواع العصابات. ذنبها أنها تؤمن بالصحراء الغربية موطناً لها و ترفض "السيادة" المغربية على هذه البقعة من الأرض, و مهما كان الخلاف على هذه النقطة كبيراً و ماساً للأساسيات و الثوابت للطرف الآخر فإنه لا يبرر بأي شكلٍ من الأشكال هذا الأسلوب المعيب و المخجل في التعامل مع هذه الإنسانة المثقفة الهادئة و الضعيفة, الأم و الزوجة و المعلمة... لم يكن من حق أحدٍ أن يطردها من أهلها و من بيتها و أن ينتزعها من بين أطفالها, مهما كان السبب..
هل سيادة المملكة المغربية واهيةٌ لدرجة أنها تضطر لطرد هذه المرأة من بيتها كي تدافع عنها؟ ألا يرون أنهم هم من يضعون مفهوماً سامياً و عظيماً كالسيادة الوطنية في المحك عندما يختلقون له تهديداتٍ من هذا الشكل و يستخدمونه لتبرير ممارسات لا عقلانية و لا منطقية؟
هذه الكلمات هي وقوفٌ بجانب هذه المرأة الشجاعة التي استطاعت بموقفها الصلب أن تعيد إلى الواجهة قضية شعبها الذي يعاني منذ عقود مشاكل التهجير و التضييق و العيش في المخيّمات.. هي تحيةٌ لها بغض النظر عن المسألة السياسية, فالسياسة يجب أن تصمت عندما يكون حق الإنسان في خطر.. الإنسان أولاً و دائماً !
مسألة الصحراء الغربية لها تعقيدات و توابع و جذور صعبة, و تحتاج لقامات كبيرة على قدرٍ كافٍ من المسؤولية و المنطق لحلّها و إنهائها.. لا يمكن حلّها بمحاربة طواحين هواء نظريات المؤامرة.
على أطراف الصراع أن يجلسوا و يتفاهموا, أن يصلوا لنتيجة تتلاءم مع حقوق الشعوب, لا أن ترضي الأنا المنتفخة المريضة لمجنوني العظمة و السلطة.. يجب أن يكون هناك فهمٌ للإرادة الشعبية و عملٌ على جمع الشعوب بالمحبة و التفاهم بدل تفريقها بالمهاترات السياسية و الإعلامية الفارغة و المعيبة... لكننا للأسف يبدو أننا لا نجيد إلا المناطحة, و لذلك نعاني من صداعٍ مزمن سببه نطح جدرانٍ سميكة نبنيها نحنُ بإرادتنا حول "سيادتنا"..
و العدالة لأمينة حيدر.. و لتعد قريباً إلى بيتها و أطفالها.
..