تتوالى الأنباء عن القتل باسم الشرف في بيئتنا السورية بشكل مؤسف و مؤلم, ففي الأسابيع الأخيرة تتالت أخبار الكشف عن جرائم قتل لنساءٍ باسم الشرف لعلّ أقساها كانت تلك المتعلّقة بقتل شاب لأمه و شقيقته بالاشتراك مع خاله, و هذه الجرائم المؤسفة هي صرخات متلاحقة تناجي المجتمع و القائمين عليه بضرورة التحرّك من أجل إنهاء هذا النزيف المتواصل للأرواح.
لم يتوقّف النشاط الحقوقي و المدني الملتزم بقضية إصلاح واقع المرأة و إنهاء العنف ضدها منذ أعوام رغم معاناته من صعوبات كثيرة تعيق تقدّمه, و لعلّ أهم هذه الصعوبات هي اللامبالاة و السلبية لقطاعات واسعة من الأوساط المتعلّمة و المثقفة, حتى ضمن تلك التي قد تعتبر نفسها ملتزمة بمبادئ حقوق الإنسان لكنها تحصر هذا الالتزام بالمجال السياسي فقط, بل أننا سمعنا و شاهدنا من يبرر السلبية تجاه التعامل مع قضية حقوق المرأة ككل و جرائم الشرف كجزئية منها بأن كل هذه القضية هي ستارة دخان لحجب القضية الأهم, و مهما كانت القضية "الأهم" برأيه فأنه من المؤسف و المعيب باعتقادي اعتبار وفاة عشرات النساء سنوياً في سوريا وحدها بأنها "ستارة دخان".
لا يمكن عزل قضية جرائم الشرف و العنف ضد المرأة عن وجود نزعة عنفية متجذّرة في مجتمعاتنا, و هي نزعة ملموسة في حياتنا اليومية و لأسباب شتّى, ما زال هناك قناعة واسعة أن "أخذ الحق باليد" أفضل و أكثر تشريفاً, و هذا طعنٌ بأساسيات المبدأ المدني المنادي بسلطة القانون و صلاحيته الحصرية لأخذ الحق أو إعطاءه لأحد, و دراسة هذه النزعة قد تجعلنا نفهم سبب استمرار وجود عادات الثأر مثلاً. لكن النزعة العنفية ليست كل شيء لأننا قد نجد من يرفض عادة الثأر و يعتبرها متخلّفة و معيبة لكنه قد يبرر أو يتفهّم أو يدعم قتل الزوجة أو الأخت أو حتى الأم بدافع الشرف, بل قد لا يقبل أي خيارٍ آخر, و هنا يجب أن نشير إلى ذكورية المجتمع و نظرته التحقيرية للمرأة بوصفها إما زوجة مطيعة أو أخت حبيسة, و كل ما عدا ذلك هو عار, و عيبٌ على الرجل أن يقبل العار ! (العار دائماً له علاقة بتصرّف "الحرملك" دون أن يكون أي تصرّف للرجل مدعاة عارٍ يستوجب القتل و لا حتى العقوبة... حسب هذا المنطق).
في دولة المدنية و القانون يجب أن تكون حياة الإنسان الكريمة بناءً على حقوقه هي النفيس و الغالي و المقدّس الأوحد, و بالتالي لا يمكن بأي شكل من الأشكال المساومة على هذا الأمر, هذا مبدأ ثابت, خط أحمر و عريض, و لعلّه الخط الأحمر الأوحد. أقول هذا الكلام رداً على "مساومات" تحدث أحياناً في سياق النقاش حول الموضوع عندما يربط أحدهم إمكانية تعديل أو حذف القانون الخاص بتخفيف العقوبات على "مجرمي الشرف" بفرض قوانين جديدة على "الزنا" أو تشديد القوانين الموجودة, و شخصياً أرى في هذا الكلام خلطاً غير مبرر لقضايا و مسائل مختلفة تماماً, نجلس و نتحدّث عن البند الثاني لاحقاً, لا مشكلة... لكن تحصين حياة المواطن و عدم إعطاء أي تسهيلات لمن يقتل هو مبدأ إنساني خارج أي مساومة و لا يمكن ربطه بأي قضية أخرى, أياً تكن.
ليس الجهد الذي ينبغي بذله للتخلّص من آفة العنف ضد المرأة قانونياً فحسب بل أنه يشمل مجالات كثيرة, إن هذه القضية بحاجة لتضافر جهود تربوية و إعلامية و ثقافية و فنية و قانونية, و غيرها الكثير. و يكفي متابعة التعليقات التي ترد على أي خبر خاص بجريمة شرف جديدة أو أي مادة إعلامية خاصة بهذه المسألة لنرى كم يجب أن نعمل لتغيير عقلية متحجّرة و متخلّفة لا ترتبط فقط بشريحة ذات مواصفات اقتصادية أو اجتماعية أو تعليمية معيّنة بل هي آفة عامة تجدها في أعلى مستويات الشرائح المتعلمة كما تجدها بين الجهلة و الأميين, و هذا خلل يجب إصلاحه دون إبطاء, و مسؤولية هذا الإصلاح تقع على عاتق الجميع, رغم أن للدولة و أجهزتها و حصّة الأسد من هذه المسؤولية.
إن كانت الدولة مهتمة فعلاً بتحسين واقع المرأة و إنهاء وباء العنف ضدها, و لا تشير الوقائع إلى ذلك إذ أننا حتى الآن لم نسمع إلا "بعض" الكلام, إن كانت مهتمة فإن عليها أن تقوم بخطوات جبارة في هذا المجال دون أي تأخير أو مماطلة, و هناك الكثير لفعله.. من المفيد مثلاً إنشاء هيئة عامة لرعاية حقوق النساء (و نعني أمراً جدياً و مجدياً, مختلفاً عن الاتحاد النسائي) ذو صلاحيات قانونية و مالية واسعة تمكّنه من تقديم العون القانوني و المأوى و الحماية للنساء المعنّفات بالإضافة للتنسيق الفعّال مع الوزارات المختلفة مثل التربية و الثقافة و الداخلية من أجل نشر الوعي اللازم ضد ثقافة العنف بشكل عام و ضد النساء بشكل خاص. بدون خطوات عملية من هذا النوع لا يمكن التقدم في هذا المجال.
يسخر البعض من تفاؤلي في مناداة من لا حياة فيه, لكنني ربما أفضّل التمسّك بالمطالبة و المناداة بدل القول بحسرة أن "أبشر بطول سلامة يا مربع".. و لست وحدي بل إنني مع الكثيرين و الكثيرات, و هذا منبع أمل نريده أن يكبر.
كما قلنا سابقاً, ليس الجهد الذي يجب بذله قانونياً فحسب, لكن تعديل القوانين الناظمة مطلب أساسي لا يمكن العمل دونه, و هناك أخبار عن نية إلغاء المادة 192 من قانون العقوبات, و هي المادة التي تتحدّث عن "الدافع الشريف" للقتل, و أتمنى أن تكون هذه الأخبار صحيحة, فإلغاء هذه المادة هي خطوة ممتازة, نعم فقط خطوة لكنها خطوة جيدة. على الأقل لن تتكرر وصمات عار قانونية مثل ما حدث في قضية المسكينة زهرة حين تم إخلاء سبيل قاتلها, و هو شقيقها, فور محاكمته بعد الحكم عليه بمدّة هزيلة جداً تماثل مدّة التوقيف انتظاراً للمحاكمة بناءً على هذه المادة المخجلة من قانون العقوبات. و هناك قوانين أخرى يجب إنهاؤها و ليس فقط تعديلها. لا شيء يبرر القتل, و لا أحد يملك أي عذرٍ كان لقتل إنسان آخر, أياً كان الإنسان و أياً كان السبب.
لا للعنف بأشكاله, لا للعنف ضد النساء, لا لجرائم الشرف.... و عمــــــــــار يا بلد
..