28 تشرين الثاني 2009

قصّة مُعتصِم

cadena[1]

وقف عند عمودٍ خشبي كان نور المصباح الذي يعلوه يتأرجح على إيقاع الريح المشاغبة في ذلك المساء.. نظر إلى العمود مطوّلاً, ثم مدّ يده و دفعه, ثم استعان بيده الأخرى أيضاً و كأنه يتأكد أن العمود ثابت.. و بيّنت نظرة الرضا التي انطلقت من عينيه أن العمود ثابتٌ و صلب بما فيه الكفاية..

فتح كيساً من الخيش و أخرج منه وسادةً ألقاها أسفل العمود و جلس عليها, و أخرج سلسلةً حديدية سميكة لفّها بسرعة حول جذعه و العمود مع التفافة واحدة حول ذراعه الأيمن الذي كان قد ملفوفاً و كأنه مضمّد, و حين تأكد أنه ترك حيّزاً لكي يتنفس بشكل جيّد دون أن تخنق السلسلة أنفاسه أخرج قفلاً ضخماً أغلق به طرفي السلسلة, و ابتسم و كأن تلك البسمة يجب أن تخبر المارّة المذهولين أن مفتاح هذا القفل في مكانٍ مجهول..

وزّع بضع نظراتٍ متعالية على المتفرّجين الذي بدأ عددهم يتزايد حوله, و حين رأى أن الجمهرة قد كبرت بما فيها الكفاية صاح بأعلى صوته: "يا إخوان!", فكانت تلك الصيحة كافية لإسكات همهمة الحضور و حواراتهم الجانبية المتسائلة و المستغربة.. و حين خيّم الصمت بدأ خطابه: " أيها السادة, أيها الأصدقاء.. لقد فرغ صبري و انتهى انتظاري, لن أتهاون بعد اليوم في المطالبة بحقي, و أنا هنا أمام حضوركم الكريم أعلن عن بدء اعتصامي و إضرابي عن الطعام و الشراب حتى يستجيب لمطالباتي من عليه التجاوب واجب... و لن أستسلم و سأبقى صامتاً حتى تنتصر قضيّتي".. و أنهى خطابه بـ "و شكراً لاستماعكم" واثقة و قوية.. استجاب لها أحد الحضور بتصفيقٍ خجول تبعه تصفيقٌ آخر أقل خجلاً من غيره.. ثم تراكمت التصفيقات و هتافات الاستحسان.. و رحل بعض الحضور و جاء بدلهم آخرون يستفهمون عن ما يجري, و كل وافدٍ يدعم الموقف عند معرفته القصة بتصفيق أو بعبارة استحسان.

مضت دقائقٌ لم تتجمّع لتكمل ساعةً عندما ظهرت سيّدة من بين الجموع محمرّة الوجه و هي تطلب من الحضور أن يفسحوا لها مجالاً لتمر, و اقتربت منه حاملة بطانية وضعتها بعناية على جسمه و هي تدعو له بالثبات و النصر بتأثرٍ.. ثم اختفت بين الجموع..

مضت ساعة أخرى ظهرت بعدها مجموعة من الفتيات و وضعن بعض الشموع حوله, و لافتة كرتونية صغيرة كُتب عليها " لن نتزعزع"..

بعدها بساعتين ظهر رتلٌ من الشباب يحملون أعلاماً حمراء و صفراء و خضراء, و وقفوا خلفه يلوّحون بأعلامهم بوجوه متجهمة و أفواهٍ مغلقة... و ظلّوا هناك حتّى خيّم الليل و عندها بدأ الانسحاب التدريجي... و غرق المُعتصم في النّوم عندما ساد السكون حوله..

استيقظ صباح اليوم التالي متألماً من الجلوس المطوّل, و حين تغلّبت عيناه على أشعة الشمس التي كانت تلفح وجهه رأى رتل الأعلام خلفه مرّة أخرى و جمهوراً أكبر من جمهور الأمس, و رأى أيضاً مجموعة كبيرة من اللافتات المعلّقة على الأعمدة الأخرى المحيطة و على شرفات المنازل أيضاً, جميعها تحيي صموده و تتضامن معه و مع قضيته, و في كلّ لافتة ازدان اسم حزبٍ أو جماعة أو منظمة أو جمعيه.. بخطٍ واضح و ألوانٍ أوضح..

بدأ الجوع و العطش يؤلمانه بقدر ألم جسمه من الجلوس و الوضعية و القيود, و أصبح يحاول الاقتصاد في الرّد على التحيات و السلامات و عبارات الاستحسان كي لا يجف ريقه أسرع مما يجف الآن... حين كانت سياط الشمس في أشد قسوتها على وجهه الذي أصبح كفطيرة توتٍ خرجت لتوّها من الفرن ظهرت مجموعةٌ من الرجال الأنيقين يترأسهم كهلٌ يضع على عينيه نظاراتٍ و كأنها نظارات بروفسور جامعي أو أمين مكتبة كبرى, و بعد أن وقفوا أمامه و صفقوا طويلاً بدأ رئيسهم خطابه الناري: "في هذا اليوم العظيم, و أمام بطلنا المغوار.. نحيي صمود شعبنا و ثباته و دفاعه المستميت عن قضيته المصيرية.. و إننا نستغلّ الفرصة لكي نؤكد للطغاة أننا لن نكون لقمة سائغة لهم, و سنقلب عليهم الموائد بما فيها, و سنغذّي قضيتنا بنضالنا و ثباتنا حتى النصر..." و لم يسمع المُعتصم بقيّة الخطاب, فالطعنة التي شعر بحرقتها في معدته عندما سمع كلمة "لقمة" كانت كافية لحجب سمعه عن سماع الباقي..

أنهى ذو النظارات خطابه و رفع ذراعيه محيياً الجموع التي كانت تصفّق بحماس, ثم أشار بيديه طالباً السكوت مرّة أخرى و أعلن عن أنهم نظموا مهرجاناً خطابياً بعد ساعةٍ في صالة النصر, و سيليه مأدبةٌ تبرّع بها بعض المقتدرين المتعاطفين تضامناً مع المُعتصم... و بدأ التصفيق مرّة أخرى و لكن أقوى مما سبق بكثير.. و بدأ نزوح الجموع نحو صالة النصر القريبة, و لم يبق أحدٌ عند المُعتصم, لكنهم عادوا جميعاً بعد ساعتين و نيف يتقدّمهم رتل الأعلام الملوّنة..

شاخ العصر و بدأ غياب الشمس و المُعتصم ضائعٌ بين النوم و الصحوة, و حوله الجمهور المتفرّج.. حينها ظهرت في الأفق مجموعةٌ أخرى من الناس من لكنهم وقفوا بعيداً عن الجمهرة إلا واحداً اقترب من المُعتصم و بدأ يخطب: " إننا أيها البطل الثابت نتضامن معك و نحيي نضالك و كفاحك من أجل القضية, و نحن كنا نتمنى لو نشاركك صمودك و ثباتك لكننا نرفض مشاركة المنشقّين الخونة الذين تطفّلوا على قضيتك ليستغلوها في مآربهم الشخصية" فقاطعه أحد حاملي الأعلام شامتاً لاعناً, و قال أنهم هم الذين يرفضون دخول الاستسلاميين و الانبطاحيين و الطابور الخامس في هذا الحشد الكريم.. فتوقف الكلام و بدأ تبادل الصفعات و اللكمات الذي لم يتوقف حتى جاءت الشرطة و قبضت على المتشاجرين و فرّقت باقي الحشد... و تجاهلت المُعتصم الذي كان قد غرق في مزيجٍ من النوم و فقدان الوعي... و ساد السكون في الشارع.

حين استيقظ المُعتصم مرّة أخرى كان ظلام الليل قد خيّم إلا على دائرة النور الشحيح المنبعث من مصباح العمود المتأرجح.. و حين استطاع فتح عينيه شاهد أمامه ولداً واقفاً و بجانبه درّاجته, و كان الولد ينظر و كأنه يرى مخلوقاً فضائياً و هو يأكل شطيرةً ضخمة...

بعد تبادل النظرات لثوانٍ قال المُعتصم للولد: " أتبادلني شطيرتك بقضيتي؟" فرد عليه الولد بهزّة أكتافٍ لا مبالية, فقال المُعتصم محاولاً إغراءه: " أعطيك قضيتي و جمهورها مقابل شطيرتك, فجمهورها يجيد التصفيق بحرارة و يمكنك استخدامه كرابطة مشجعين عندما تلعب الكرة"... فلم يرد الولد و تابع النظر و الأكل لثوانٍ, ثم قال و فمه ممتلئ:" أريد السلسلة لكي أربط بها دراجتي".. فرد عليه المُعتصم:" نعم أعطيك السلسلة أيضاً, لكنني لا أستطيع أن أعطيك القفل", فسأله الطفل عن السبب فرد عليه: " لأنني أحتاجه لكي أقفل به فمي".. فقال الطفل: " لا يهم, سأشتري قفلاً أجمل منه", ثم نهش قضمة أخرى من الشطيرة و كأنه يقتطع منها ثمن القفل, و حينها طلب منه المُعتصم أن يساعده على إخراج المفتاح من حذائه و أن يفتح له القفل, و أخذ الشطيرة و أنهاها في ثوانٍ معدودة, و بعدها بدقيقة حاول النهوض و نجح بعد عذابٍ.. و ظلّ واقفاً دقيقةً أخرى.. ثم بدأ مشيه العرج البطيء نحو حدود دائرة ضوء المصباح, ثم تخطّاها, و ابتلعه الظلام...

..

مصدر الصورة