حويجة زهرة, أو الفخيخة, منطقة جميلة تقع على ضفّة الفرات و تبعد عن مدينة الرّقة حوالي عشرة كيلومترات, و يمكن الوصول إليها إما بأخذ طريق ( أو أوتستراد... و أخيراً) حلب ثم الانعطاف شمالاً باتجاه النهر قبل الوصول إلى السحل (لاس فيغاس الرقة) أو أخذ طريق زراعي صغير بعد معسكر الطلائع يسير بين القرى و الحقول الفراتية الجميلة. و تحوّلت حويجة زهرة منذ سنوات عديدة إلى مقصد رئيسي لأهل المدينة للنزهة, خصوصاً أيام القيظ. لكنني زرتها للمرّة الأولى قبل أن تشتهر بأعوام.
ذهبت إلى حويجة زهرة للمرّة الأولى ذات جمعة من ربيع عام 1992, عندما قرر ابن عمتي و أخي و صديقي وليد (بعد أن تسرّح من الجيش و قبل أن يسافر للدراسة إلى أوكرانيا) قضاء اليوم فيها مع صديقه توفيق (أو ما يمكن تسميته فرقة الاستكشاف أيضاً) و أخذوني معهم, و كنت حينها في السابعة من عمري. و الحقيقة أنني كلّما أشاهد مشهد "قمرة الإخوة ماركس" الشهير أتذكر رحلتنا تلك, فقد كنا ثلاثة أشخاص: شابين و طفل, مع مستلزمات الشواء و الخضار و اللحوم و القهوة و الشاي و "حصيرة" للجلوس و عدّة الصيد.. في دراجة نارية صغيرة (سنفور).
لتلك الرحلة مكانٌ جميلٌ في ذاكرة طفولتي, فأذكر أنني استمتعت بها جداً رغم محاولاتي الفاشلة لصيد سمكة و شوائها على طريقة رامي الصياد الصغير, و يدوم مفعول إحدى طرائف هذه الرحلة حتى يومنا هذا, و هي طرفة "لحم الغزال".
صديقنا توفيق (أبو عبّود, و اليوم عبّود أكبر حجماً من والده في تلك الأيام, و لم يكن قد ولد حينها بعد) طبّاخ ماهر, قضى فترة خدمة العلم في نادي ضبّاط اللاذقية و هناك اكتسب خبرة كبيرة في كل ما يخص عالم "المذاق و البطون" على رأي أحد الأصدقاء, و في تلك الرحلة جهّز مجموعة من المشاوي و من بينها الشيش طاووق (لمن لا يعرفه من الإخوة غير "الشوام" هو لحم دجاج مشوي و يتبّل بطريقة خاصة تكون هي عادةً التي تميّز طباخ عن غيره), و لم أكن حينها قد أكلت الشيش طاووق, أو لا أذكر ذلك, و عندما تذوّقت طعمه أعجبني جداً فسألتهم عنه, و أرادوا مداعبتي و المزاح معي و قالوا لي أنه لحم غزال.
عدت إلى البيت و أخبرت أهلي أنني أكلت لحم غزال مثيراً الاستغراب و الدهشة, ثم شرحت أيضاً في المدرسة عن لذّة لحم الغزال.. و بعدها بأشهر أكلت شيش طاووق في أحد المطاعم و قيل لي أن هذا اسمه "شيش طاووق" فكان رأيي أن له طعمٌ شبيه بلحم الغزال... لكن لحم الغزال أطيب بكثير
ما زلت حتى اليوم, بعد 18 عاماً, أسمّي الشيش طاووق بـ "لحم الغزال" عندما أتحدث مع أحدٍ يعرف هذه الطرفة, و ما زلت أبتسم بحنين كلّما رأيتُ صور تلك الرحلة الممتعة (و أدرجت اثنتين من هذه الصورة, في الأولى منهما أنهش فيها سيخ "لحم غزال"), و التي كانت ورقة جميلة من أوراق دفتر طفولتي.
شاهدتُ صور تلك الرحلة مساء أمس مرّة أخرى, و تذكّرت أن يومها كان ثالث أو رابع أيام عيد الأضحى, و لذلك قررت الكتابة عنها اليوم و استغلالها لتكون تهنئة و مباركة للجميع في هذه الأيام المباركة و الحجاج يوجّهون أدعيتهم إلى ربهم من عرفة, و لأتمنى للجميع عيداً سعيداً و بهيجاً.. أعاده الله علينا و عليكم و على جميع آل البشر بالصحة و العافية و السعادة و النجاح.
و كل عام... و أنتم بألف خير
..