
إنهم يستغلون صبري..
جال بفكره حينما كان يغلق الباب و يخطو الرّصيف الحجري الرّمادي..
يومٌ كغيره... بأشكاله و ألوانه الاعتياديّة. صباحٌ يبدأ باستيقاظٍ صعبٍ فإفطارٌ سريع, ثم الصدرية و الحقيبة .. ثم عشرة أصابع لا تنال مقابلها من الليرات إلا بعد مطالبة شديدة..
مشى أمتاراً عديدة, يفكّر في نوع البسكويت التي سيشتريها ليأخذها معه إلى المدرسة عندما أحس بصفعةٍ على قفا رأسه جعلته يقفز ملتفتاً نحو مصدرها, فكانت أمامه جارتهم غضبى من دوسه على رصيف بيتها الذي لم يكن قد جفّ بعد الشطف.. فابتعد عنها مسرعاً وهو يشير لها آسفاً..
عبر الشارع بعد التفاته إلى جميع الاتجاهات خوفاً من جارةٍ أخرى.. أو من سيّارة طائشة.. و دخل بقالية جارهم أبو علي, و كالعادة أشار بيده بالسلام و اتجه إلى رف بسكويت الخمس ليرات.. أخذ واحدةً ذات غلافٍ أصفر و أخضر و ترك إحدى قطعتي النقود التي بجيبه على طاولة أبو علي الذي تلقّاها بابتسامة.
بعد خطواتٍ عشرة, انعطف يساراً و اتجه نازلاً نحو الجنوب, أمامه ثلاثة أطفالٍ أحدهم ابن الجارة الغاضبة يتمازحون و يتدافعون فيما بينهم, أبطأ سيره عندما رآهم كي يبتعدوا عنه, حتى دخلوا شارعاً جانبياً تخطّاه بسرعة و حذر خوفاً من السيارات و من أن يروه, فيكفيه صفعة الصباح من الجارة الغاضبة..
وصل محلّ عمّه أحمد فمرّ أمامه ناظراً إلى داخله بحثاً عن عمّه أو أحد أبناءه ليسلّم عليهم لكنه لم يلمح أحداً خلف أكياس البهارات و العطارة المختلفة الألوان و الرّوائح, لكنّه توقف للحظات أمام تلك الأكياس و ألقى نظرةً عليها كلّها و سحب إلى رئتيه نفساً طويلاً ليتذوق روائحها المتمازجة.. و تابع مسيره..
رأى شاباً يركب درّاجةً حمراء مزيّنة بعاكسات ضوء من مختلف الأحجام و الأشكال و الألوان فانجذب لهذا المهرجان اللوني, ما جعله يركض خلف الدراجة دون أن يدري لماذا حتى افترق طريقهما عند الساحة.
التف حول الساحة التي تتوسطها نافورة حجرية صفراء لا يذكر أنه رأى فيها ماءً قط, تحيط بها حديقة يفترض أنها معشّبة إلا أن البقع الترابية أكبر من مساحات العشب الفقير الاخضرار, و أبطأ سيره و هو يمر بمحلات الألبسة و الأحذية الكثيرة في الساحة, و توقّف أمام بعضها و هو ينظر إلى ما عرض على واجهاتها. لم يكن ينظر إلى قطعة اللباس بل كان اللون يستهويه و يسيطر عليه, كان عاجزاً عن ألا يشرد أمام الألوان و أسراره الكثيرة التي لا يستطيع فكّ ألغازها...
هناك ألوانٌ أقوى من ألوان.. ألوانٌ أجمل من ألوان.. ألوانٌ تسرق العين و ألوانٌ تهرب منها..
هناك ألوانٌ ساخنة.. أخرى باردة... أحياناً يكون ذات اللون تارةً ساخناً و تارةً بارداً..
أحياناً للّون رائحةٌ و أحياناً لا يحرّك في الأنف أي إحساس.. لكن ليس دائماً للون رائحة محددة, فنفس اللون قد يكون له أكثر من رائحة, و أحياناً لا يكون له أي رائحة..
هناك ألوان بلا روائح و روائح بلا ألوان.. لماذا يا ترى؟ هل هذا صحيح أم أن لكل رائحةٍ لون و لكلّ لونٍ رائحة؟ هل من الممكن أن يكون عاجزاً دون أن يدري عن رؤية بعض الألوان أو شم بعض الروائح؟ هل سيتعلّم ما لا يعرف لاحقاً؟ أم أن هذا هو كلّ شيء؟
هزّ كتفيه عندما فكّر أن هذا كلّ شيء... لم يكن مقتنعاً أن هذا هو كلّ شيء.. هناك أمرٌ ما يشعر أنه يهرب منه و لا يستطيع إمساكه... لكنه يتنكّر لغيظه من هذا الغائب المجهول بلباس اللامبالاة, فقد ملّ من التفكير في نفس الأمر كلّ يوم.
وصل إلى الطرف الآخر من الساحة فأسرع في سيره في الشارع العريض حتى انعطف نحو شارع جانبي متفرّع عنه, و دخل ثالث بابٍ في الجانب الأيمن منهياً رحلته الصباحية.
كان باباً حديدياً تقشّر طلاءه الأخضر في بعض جوانبه كاشفاً عن صدئ سال بعضه فوق الدهان, و فوق الباب لافتةٌ سوداء علاها الغبار حتى أصبحت رمادية, كُتب عليها بلونٍ أبيض شاحب: "مدرسة السعادة للصم و البكم"..
...







9 تعليقات:
جميلة !
الألوان و الروائح برأي شيئين لا يمكن فصلهما؛الروائح هي عبق الألوان. فعندما تمطر كثيرا ًتبتل الألوان ، فتفوح رائحتها و عندما ترتفع حرارة الشمس تجف الألوان فتعطي رائحة مختلفة . و لكن ربما يحتاج العالم أن يـُسكت ضجيجه الكوني قليلا ً كي يراها ويشتمها بوضوح.
محبتي :)
رائعة رائعة ... تسلم
نهايه صادمه
أحياناً للّون رائحةٌ و أحياناً لا يحرّك في الأنف أي إحساس.. لكن ليس دائماً للون رائحة محددة, فنفس اللون قد يكون له أكثر من رائحة, و أحياناً لا يكون له أي رائحة..
هناك ألوان بلا روائح و روائح بلا ألوان.. لماذا يا ترى؟
جميله.... للغايه
للصمت أحيانا ضجيج..
أقوى من صوت الرعد
البداية
النهاية
السبك
الجمل
العرض
المضمون
الصور
الحزن
الصمت
كله يؤدي إلى أن ينحني القلم تواضعاً
ليضع علامة عشرة على عشرة
كل الشكر لك ولقلمك
انت رائع ياابو العبد ....
مدونة حياة .. مفعمة باللون و الرائحة ... سلمت يداك ياسووو
شام, طارق, ميسم, جرعة زائدة, غير معرف, أبو خالد
أشكركم جزيلاً على المرور و على إغناء الموضوع بتعليقاتكم.
تحياتي و شكري لكم جميعاً
"هناك ألوان بلا روائح و روائح بلا ألوان.. لماذا يا ترى؟"
الجواب بيختلف من شخص لتاني
اتبع قلبك , بتعرف الجواب :)
جميلة جدا . فوق العادة
إرسال تعليق