03 تشرين الثاني 2009

زهرة, مأساة القضاء و احتضار العدالة

29 October-SWO-02

كان التاسع و العشرون من شهر تشرين الأول يوماً مظلماً يُضاف إلى أيامٍ أخرى جعلت خطّنا الزمني كمجتمع أشبه بسرداب حالك نكاد لا نتلمّس فيه طريقنا.. كان يوماً أثبت فيه القضاء للمرّة الألف أنه يعاني من روماتيزم مزمن في عدالته و مصداقيته كضامن للعدل و الحق.. كان يوماً شاهدنا فيه بدهشةٍ و استنكار كيف أن محكمةً أخلت سبيل مرتكب جريمة قتل مع سبق الإصرار و الترصّد في حين تصدر محاكم من ذات المنظومة القضائية أحكاماً على التنفّس من هواء "ممنوع" أكبر بأضعاف من الحكم الهزيل بحق هذا القاتل, الحكم الذي لا نستطيع أن نرى فيه إلا تتويجاً لقاتلٍ مجرم.

يوم الخميس الماضي, التاسع و العشرون من تشرين الأول, حكمت محكمة على شقيق "زهرة" و قاتلها, الذي لاحق شقيقته من الحسكة إلى دمشق و خطط لقتلها بدمٍ باردٍ و أعصابٍ حديدية, حكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة القتل العمد بدافع الشرف (533 عقوبات, بدلالة 192 عقوبات) مع التخفيف لمدّة سنتين و نصف و إخلاء السبيل فوراً لاحتساب المدة منفذ من خلال فترة توقيفه.

بإلقاء نظرة على مواد قانون العقوبات المذكورة في نص الحكم نجد أن المادة 533 تقول:" من قتل إنساناً قصداً عوقب بالأشغال الشاقة من خمس عشر سنة إلى عشرين سنة", في حين تقول المادة 192:" إذا تبيّن للقاضي أن الدافع كان شريفاً قضى بالعقوبات التالية:

الاعتقال المؤبد أو الخمس عشر سنة بدلاً من الأشغال الشاقة المؤبدة.

الاعتقال المؤقت بدلاً من الأشغال الشاقة المؤقتة.

الاعتقال البسيط بدلاً من الحبس مع التشغيل.

أي أن القاضي لم يستخدم المادة 548 الخاصة بجرائم الشرف و التي تم تعديلها بمرسوم رئاسي هذا العام بعد جهد حقوقي و اجتماعي كبير, و رغم أنها لم تكن على قدر التطلعات إلا أننا, و يالآمالنا العليلة, استبشرنا بها خيراً لأننا رأينا فيها نيّة لرفع الغطاء القضائي عن جرائم الشرف, و هذه المادة تذكر صراحةً أن الأسباب المخففة مستحقة فقط في حالة المفاجأة و أن يكون القتل أو الأذى غير عمد, و هذا ما لم يحصل في هذه الحالة فلم يكن هناك عنصر مفاجأة كما كان القتل عمداً و بساديّة تقشعر لها الأبدان, و لكن تم استخدام مواد أخرى لاستمرار التغطية القانونية على جرائم الشرف.

اعترف للقراء أن المادة 192 ترعبني بطريقة رهيبة, لسببين, الأول له علاقة بوجودها أساساً إذ لا أستطيع أن أفهم معنى "القتل بدافع الشرف" لأنني غير قادر على استيعاب وجود سبب شريف لقتل إنسان.. ربما هو القتل دفاعاً عن النفس أو عن الآخرين ضد عدوان, لكن هذا اسمه قتل دفاعاً عن النفس و لا أرى أن تسمية" الدافع الشريف" المطاطة المبهمة نافعة.

السبب الآخر هو الحرّية الكاملة للقاضي في رؤية "سبب شريف للقتل" حيث يشاء و يرغب, ففي هذه الحالة رأى أن القتل مع سبق الإصرار و الترصّد و التدبير و التخطيط له سبب شريف, رأى أن سفر القاتل مسافة طويلة و شراءه آلة الجريمة و التخطيط لها و تدبيرها ( سرقة مفتاح المنزل و نسخه ثم الدخول بعد التربّص و التأكد من خلو المنزل إلا من أخته و ذبحها و طعنها بهذه السادية الدموية) هو لدافع شريف, رأى سيادة القاضي أن افتخار القاتل بشنيع صنعه و عدم إبداء أي ندم عليه و تهليل الأهل و تصفيقهم هو لدافع شريف..

عن أي شرفٍ نتحدّث؟ ما هو مفهوم الشرف الذي يريدون؟

هل الشرف هو حرية الفاسدين و المفسدين و عيثهم في الأرض فساداً, نهاراً جهاراً, بلا رادع قضائي؟

هل الشرف هو الصمت لأن الكلمة جريمة يعاقب عليها القضاء؟

هل الشرف هو مجانية قتل الأخت أو ابنة العم أو الزوجة؟

هل الشرف هو استباحة المال العام من قبل الكثيرين دون رادعٍ إلا بعض الأحكام الهزيلة المتفرّقة؟

إن وجود و لو قاضٍ واحد ضمن السلك القضائي بهذا المفهوم عن الشرف هو مؤشر شديد الوضوح عن ما نعانيه في زماننا من انقلاب عنيف في موازين الثواب و العقاب, لم نعد نميّز بين ما يستحق المكافأة و الاستحسان و بين ما يستحق العقاب و الاستنكار.. و ويلٌ لأمّة لا تملك عيناً ثاقبة تراقب هذه الموازين..

إن النظام العدلي بوضعه الحالي مسؤول أخلاقياً بدرجة كبيرة عن انتشار جرائم الشرف و قتل النساء بتقاعسه عن معاقبتها كجرائم قتل, هو مسؤول أخلاقي لأنه يعطي المبرر القانوني و التسهيل الجزائي لمرتكبي جرائم القتل هذه, فلو كان هناك عقوبة رادعة لكانت مسألة التوعية و مسح هذه العادات البالية و التقاليد الضارّة أسهل بكثير.. فالقانون هو الفيصل, و لا يمكن الإقناع بأن شيئاً ما هو خطأ عندما لا يعاقب عليه القانون بل يبرره.

لقد خطر لي في سطورٍ عديدة من هذه المقالة أن أنعت هذا الحكم النحيف بالمهزلة, لكن من الصعب بمكان أن نطلق لقب مهزلة على قضيّة حساسة مثل موت إنسان على يد أول المعنيين بالحفاظ على حياته.. الأهل, و تبرير هذا الموت و إسناده قانونياً من قبل أول المعنيين بمعاقبة المجرم و مكافحة الجريمة... العدل و القضاء.

ليس هذا الحكم طعنةً أخرى للمسكية زهرة فحسب, بل أنها طعنة جديدة لكلّ ضحية من ضحايا جرائم القتل باسم الشرف الكاذب, السابقات منهنّ و اللاحقات لأن الحكم هو إعلانٌ جديد عن مجّانية القتل باسم الشرف..

اقتل يا رجل باسم شرفك فلن نعاقبك و ستخرج سريعاً إلى أحضان من يصفّق لك شهامتك و كرامتك الرجولية..

لا تعمل يا هذا و لا تتعلّم, كن أزعراً و شريراً و مؤذياً.. هذا لا يمس شرفك بسوء

كن جاهلاً, كن غبياً, البس على رأسك "سطل زنك".. لا بأس.. لا علاقة لهذا بشرفك

اكذب, اسرق, عث في الأرض فساداً.. لا مشكلة, شرفك مصون!

لا مشكلة في أن تكون سافلاً ساقطاً فاجراً خبيثاً.. لا علاقة لهذا بشرفك فأنت رجلٌ و هذا لا يعيب الرجال..

كل ما سبق و غيره لا يمس شرفك و كرامتك.. فقط عليك أن تكون حازماً جباراً على "عرضك" و أن تحبسهن و تقف حارساً على الباب, أن تبرز غيرتك الرجولية بمناسبة و بدونها بكل فخر و غرور كالطاووس, و في حال شاغبت إحداهن فاذبحها.. لا مشكلة.. كلّ ما سيأتيك هو بضعة أشهر في السجن تخرج بعدها بطلاً شريفاً.. السجن للرجال يا معلّم! و ما أجمل الافتخار بأنك قد حافظت على شرفك بإراقة الدماء و سجنت باسم عزتك و كرامتك..

هل هذا هو مفهوم الشرف الذي يريدونه لمجتمعنا؟ شرف الشوارب و باب الحارة؟

رحمة الله على زهرة و غيرها من ضحايا جزّاري الشرف, و العدل لذكراهنّ.. و ليتوقّف هذا الجنون السادي حالاً !!