دُقّت في هذه الأيام المسامير الأخيرة في نعش مصداقية محمود عباس كسياسي (بعد آلاف من المسامير الأخرى) و أصبح محط سخرية الصديق و شماتة العدو بعد مهزلة مطالبة هيلاري كلينتون له بالمرونة تجاه إسرائيل و تراجعها عن كلّ ما أعلنته إدارة أوباما خلال شهورها العشر من مطالبها لإسرائيل بوقف الاستيطان كشرط أساسي لبدء المفاوضات مع الجانب الفلسطيني (أو الجوانب.. اللهم زد و بارك).
الوضع الآن هو التالي: الولايات المتحدة, بعد أن طبطبت قليلاً على كتف المسكين عبّاس و غمزت له كي يتراجع عن دعم تقرير غولدستون غمزةً استجاب لها كالعاشق الولهان... تقول له أن يكون مرناً مع إسرائيل و أن حديثه عن إيقاف الاستيطان كشرط مبدئي هراء غير مقبول, أن هذا الأمر يجب الحديث عنه في سياق المفاوضات التي لا يجب أن تحمل شروطاً و جداول زمنية من أي نوع.
ضحكوا عليك يا عباس!!
إذاً.. موقف الولايات المتحدة حالياً هو التالي: تصفّق لحديث نتنياهو الوقح عن تصوّره لدولة فلسطينية قادمة, و هي دولة بلا سيادة و لا كيان, تابعة كلياً للصهاينة, دون جيش أو قوى أمنية, دون سيادة على أرضها و حدودها, مجبرة على أن تقبل بوجود المستوطنات التي تقسّم أراضيها إلى قصاصات غير مترابطة إلا عن طريق حواجز تحت تصرّف الجيش الصهيوني. بمعنى آخر, تعتبر أن عرض نتنياهو بإبقاء الوضع على ما هو عليه الآن من سوء مع تسمية "مخترة" رام الله بـ "الدولة الفلسطينية" مع إسقاط حق العودة بشكل كامل و الاعتراف بإسرائيل كوطن قومي لليهود, هو عرضٌ يُعتبر مبادرة حسن نيّة من قبل حكومة نتنياهو الفاشية, و تسوّق إدعاءه بقبول التفاوض دون شروط مسبقة.. لكنها الآن تقول لعباس بعد أن أجبرته على التهرب من واجبه بالعمل على ملاحقة المجرمين بحق شعبه الذي تعرّض لهجمة عسكرية وحشية بحجّة عدم الإساءة إلى "مناخ السلام" (تجدر الإشارة أيضاً إلى أن عباس لا يحتاج لكثيرٍ من الدعم المعنوي لكي يتهرّب من مواجهة إسرائيل), تقول له أن طلبه بتجميد الاستيطان (تجميد الاستيطان و ليس إزالة المستوطنات الموجودة حالياً) هو أمر غير مقبول و موقف فقير بليونته و أن عليه أن يقدّم المزيد من التنازلات.
هل تعتقد الإدارة الأمريكية أنها ستحقق السلام هكذا؟ أعتقد أن السؤال الصحيح هو التالي: هل تريد الولايات المتحدة تحقيق السلام فعلاً؟ و هو سؤال برسم جماعة أبو حسين و الـ "يس وي كان".
لا أشك أن عباس سيتنازل و سيذهب ليلتقط الصور بجانب نتنياهو, فهو أقصر نظراً من أن يرى أنه لن يحقق شيئاً إلا وضعه كـ "ملطشة" أو كهدف للسخرية و الشماتة مرة بعد أخرى, موقفاً بعد آخر و مؤتمراً إثر اجتماع.. هو عاجزٌ عن أن يرى أنه لا يحظى باحترام الصديق و لا بمهابة العدو, لا يفهم أنه ضعيف, و في شريعة الغاب المسماة بالسياسة الدولية لا يستحق الضعفاء إلا السحق تحت الأحذية.
إن ولعه بالسلطة و الجاه على تفاهتها في حالته قد جعلت منه مخلوقاً غبياً, و المشكلة أن لغبائه آثار مأساوية على شعب يعاني في أبسط تفاصيل حياته اليومية منذ أكثر من 60 عاماً. استملك السلطة الفلسطينية و يتخبط بها في حين تمضي الأيام و تكبر المستوطنات و تتطور خطوات تهويد القدس و نزع الوجه العربي عنها, في الوقت الذي ما زال أكثر من مليون و نصف فلسطيني قابعين تحت حصارِ شرس لا يرحم, بينما يعاني سكان الضفة الغربية من ويلات الاحتلال الذي يسرق منهم حتى الماء.. و بينما يقبع فلسطينيو الشتات في أوضاع حرجة و مأساوية.
قد يحس القراء بالملل عند قراءة نفس الموضوع بنفس الأفكار و أحياناً بنفس الكلمات, مرّة بعد أخرى, و لكن الموضوع يتكرر لأن المأساة على حالها, بل و تزداد سوءاً يوماً بعد يوم, بل ساعةً بعد ساعة.. إن القضية الفلسطينية تمر اليوم بأكثر مراحل تاريخها الأسود ظلاماً, و الشعب الفلسطيني يعاني من قيادات قزمة لا ترقى لحجم المأساة و لا لقوّة المارد الجاثم على صدرهم, قيادات حوّلت قضية شعبٍ إلى حرب أهليه بأعواد أعلامها. وصلت المفاوضات بينهم إلى طريقٍ مسدود فأعلن عباس عن انتخابات لن تحدث, و سيكون عدم حدوثها شرارة "عراك حارة" جديد بين القادة الأقزام... و نتنياهو يضحك!
ماذا لو أنهم سخّروا كل الطاقات التي وظّفوها لقتال بعضهم البعض ثم التفاوض و التباحث في مجابهة الاحتلال و الوقوف بوجهه وقفة رجلٍ واحد؟ ماذا لو تم استخدام كل الجهد الإعلامي الذي سخّروه لتغطية "الحرب الأهلية و ما بعدها" في فضح الاحتلال و جرائمه؟
لا يستطيعون التفكير في ذلك لأنهم مشغولون بشتم و تخوين بعضهم... و هي مسألة أهم بكثير من معاناة شعبهم..
لخّص لي صديقٌ فلسطيني منذ يومين شعور الإحباط و الحزن و الأسى عندما قال: "يجلس في رام الله اليوم من جعلنا نترحّم على ياسر عرفات, و انتظر قليلاً فسيأتي من يجعلنا نترحّم عليه"...
و ا أسفاه....
..