24 تشرين الأول 2009

Saw VI و مستنقع الرقابة.. أين تقع الضفّة؟

logo_cine

في سابقة اعتبرها بعض المعنيين بالشأن الثقافي و السينمائي في اسبانيا "تاريخية" قامت إدارة تقييم المحتوى السينمائي بمنع عرض الجزء السادس من سلسلة أفلام Saw و حصر عرضها في صالات "البالغين فقط". و تكمن أهمية هذا الخبر بالنسبة لهؤلاء المهتمين بأنها المرّة الأولى التي يتم فيها فرز فيلم في نفس خانة الأفلام البورنوغرافيّة بسبب العنف المفرط في مشاهده. و أثّر هذا القرار على 300 صالة سينمائية كانت قد خططت لبدء عرض الفيلم اليوم الجمعة.

تتألف لجنة التقييم السينمائي في اسبانيا من خمسة أعضاء و تقوم بتقييم جميع الأفلام قبل أن تعرض في صالات السينما و التلفزيون داخل اسبانيا و تصنيفها ضمن درجات معيّنة: لجميع فئات المشاهدين, غير ملائم لأصغر من 7 سنوات, غير ملائم لأصغر من 13 سنة, غير ملائم لأصغر من 18 سنة, أو للبالغين حصراً. الفرق بين الأصناف الأربعة الأولى و الصنف الأخير أن الأصناف الأولى يمكن أن تعرض في صالات السينما العامة و يسمح بدخول من هو دون السن الملائم فقط برفقة ولي أمره البالغ, و يقع على عاتق إدارة السينما الإشراف على تطبيق النظام, بينما ينحصر عرض الصنف الأخير في نوع خاص من صالات السينما تسمّى "صالات البالغين" و يمنع دخولها لمن هو أصغر من 18 سنة كما يمنع الإعلان عنها أو وضع ملصقات خارج أبوابها تشير إلى محتوى أفلامها. و تعرض في هذه الصالات عادة الأفلام الإباحية و الخلاعية.

انتشرت "صالات البالغين" في فترة معيّنة من تاريخ اسبانيا بعد وفاة الجنرال فرانكو و الانفتاح الديمقراطي و الثقافي, و كانت ردة فعل على عقود من الكبت "القومي الكاثوليكي", لكنها لم تتعدّ عن كونها طفرة دامت سنوات قليلة بعد انتهاء ردة الفعل على الكبت, و لم يبق اليوم من هذا النوع من الصالات إلا ثمانية, موزعة على أربع مدن اسبانية فقط.

الجديد في هذا القرار هو أنه صنّف فيلماً على أنه "إباحي" ليس لمحتواه الجنسي بل بسبب مشاهد العنف المفرط الموجودة فيه, و تم إقرار هذا التصنيف بعد تصويت جرى بين أعضاء اللجنة و وافق فيه ثلاثة أعضاء على تصنيفه في الخانة الأخيرة بينما رأى اثنان أنه يكفي وضعه في خانة "غير ملائم لأصغر من 18" كالأجزاء الخمسة السابقة.

لم يلق القرار الكثير من التأييد, فما زال هناك الكثير من الحساسية تجاه مصطلحات "الرقابة" و "التقييم الأخلاقي", فالمعترضون يرون أنه لا يمكن وضع معيار محدد للسير عليه, فلا يمكن رسم حد منهجي ما بين "الساديّة" و فيلم يحوي مشاهد عنف.. فلماذا هذا ممنوع و فيلم تارانتينو الأخير ينال التصفيق في مهرجانات السينما, أهو أقل عنفاً؟ هل نستطيع تقييم العنف؟ هل يوجد "عنف كثير" و "عنف وسط" و "عنف قليل"؟

يرى هؤلاء المعترضون أنه لا يمكن الفصل بين "عنف مجّاني في فيلم مسخّر لعرض مشاهد عنيفة فقط" كما قيّمته اللجنة, و عنف سينمائي ضمن سياق سيناريو لا يأخذ من العنف مقصده.

الجدير بالذكر أنه لم تُسمع أصواتٌ معترضة بسبب دفاعها عن الفيلم بل أن جميع الانتقادات كانت تنال من آلية العمل "الرقابي" و وجود رقابة, فبرأيهم كان هذا التقييم المتطرف وسيلة ملتفّة لمنع الفيلم و حصر عرضه بثمان صالات في أربع مدن فقط بدل عرضه في ثلاثمائة صالة, و لا يقبلون تبرير حماية القاصرين لأن التصنيف "غير ملائم لأصغر من 18" كان كافياً برأيهم, فلن يأخذ والدٌ طبيعي ابنه القاصر لمشاهدة هكذا فيلم.

الحقيقة أن رأيي الشخصي قريبٌ من رأيهم بما يخص رفض وضع رقيب أخلاقي "أبوي" على المشاهد البالغ, و هذا ما حدث عندما حرم القرار الكثيرين من مشاهدة الفيلم (أقرب صالة "بالغين" من حيث أعيش, مثلاً, هي في مدريد, أي تبعد أكثر من 700 كيلومتر), دون أن يعني ذلك أنني ضد حماية القاصرين من المحتوى "الحسّاس", لكن استغرابي الأساسي نابعٌ من اعتقادي بأن اللجنة قد أسدت للشركة المنتجة معروفاً كبيراً جداً, فالكثيرون و أنا منهم لم نسمع بهذه السلسلة قبلاً, و الفضول الناتج عن هذا المنع الجزئي تحوّل إلى دعاية جبارة و مجّانية للفيلم, و لا شك أن عدد من سيشاهده في الصالات الثمانية في الأيام المقبلة سيكون أكبر بكثيرٍ من عدد من كان سيشاهده في الصالات العامة لو لم يمنع, إن كان بسبب الفضول أو فقط نكايةً بالرقابة كما أعلن الكثيرون.

كان الحل الأمثل برأيي هو تصنيفه كـ "غير ملائم لأصغر من 18" و بالتالي إمكانية عرضه في صالات السينما العامة, مع طلب التشديد في تطبيق منع دخول القاصرين (و الحقيقة أنه لا داعٍ للتشديد لأن القانون يطبّق بشكل جيّد جداً, على الأقل في صالات السينما التي أرتادها), و ليس فقط في حالة هذا الفيلم بل مع أفلام أخرى كثيرة.

يبقى أن أشير إلى أن رأيي الشخصي لا يعني أنني سأشاهد الفيلم, فهو خارج ذوقي السينمائي و بعيد عنه بأشواط كبيرة.

..

مصدر الصورة

..

هناك استبيان في القائمة الجانبية حول الموضوع, أرجو المشاركة لمن يرغب بذلك, مع الشكر سلفاً