في غابر الزمان, أيام عمر الخيّام, صاحب الرباعيات المعروفة بجرأتها و لسع سياط كلماتها, حدث كثيراً أنه كان هناك من يكتب أو ينقل أبياتاً أو "رباعيات" جريئة و يخشى أن يقول أنه مؤلفها, فكان ينسبها لعمر الخيّام, و قد أدّى هذا الأمر إلى اختلاط نتاج الخيّام الأساسي بكتابات غيره التي نسبت إليه إما لشبه الكلام بأسلوب الخيّام أو للسبب المذكور سابقاً.
من الطبيعي أن يحدث هذا في تلك الحقبة من التاريخ, فلم يكن قد وجد التوثيق الحديث بعد, لكن الغريب هو أن تحدث هكذا أمور في زمننا الحديث, و خصوصاً عندما يكون أحد أطراف الالتباس أدباء مشاهير من الصف الأول.
من المؤكد أن جميع القرّاء يعرف أغنية فيروز "سيف فليشهر" و فيها تغنّي:
سيفٌ فليشهرْ في الدنيا ولتصدعْ أبواقٌ تصدعْ
الآن الآن وليس غداً.. أجراسُ العودة فلتقرعْ
و الأغنية من تأليف و ألحان الأخوين رحباني و غنّتها السيّدة للمرّة الأولى في دمشق عام 1966.
و من المرجح أيضاً أنه قد مرّ على القرّاء ردٌّ شعري يقول فيه الشاعر:
عفواً فيروز و معذرة أجراس العودة لن تقرع
و يأتي هذا البيت في مطلع القصيدة أحياناً و في وسطها أحياناً أخرى, و لا أكمل القصيدة لأن لها من الأشكال ربما كعدد من ينقلها و يرويها, فليس لها نصُّ موحّد و لا ترتيب واضح.
ما قصّة هذه القصيدة؟
إن بحثنا في الانترنت عن هذه القصيدة فسنجد أنها منسوبة في أغلب المصادر لنزار قباني, و سنجدها غالباً في المنتديات و بأشكالها المختلفة, لكنها أيضاً موجودة على مواقع أخرى كشبكات أدبية و مواقع شعرية و غيرها, و قد نجدها أيضاً منسوبة لمظفّر النواب و شعراء آخرين.
أما عن سبب عدم وجودها في نتاج نزار قباني المطبوع و المنشور فتقول الرواية أنها قصيدة ممنوعة من النشر لأنها تهجي الحكام العرب و تقاعسهم في حرب حزيران 1967, و لذلك لم تطبع قبلاً بل يتناقلها الناس فيما بينهم.
السؤال الذي أطرحه بهذا الخصوص هو: هل كان نزار قباني عاجزاً عن نشر القصيدة لو أراد؟ قد تمنع من النشر في دول معيّنة لكن هل كان عاجزاً عن نشرها في لبنان مثلاً, حيث كان يمتلك دار نشر باسم "منشورات نزار قباني"؟ حتى لو لم تنشر حينها أليست موثّقة عند ورثة الشاعر ضمن نتاجه المنشور و غير المنشور؟ و الظريف بالأمر أنني وجدت موقعاً يحوي صيغةً للقصيدة تذكر فيها أسماء قادة و زعماء لاحقين على النكسة بأعوام فكيف هجاهم نزار في قصيدة كتبت عام 1967 كما تؤكد الرواية؟ هل كان يقرأ المستقبل؟
كالعادة تم نقل الموضوع بصيغته هذه من هذا الموقع إلى عشرات المنتديات دون أن يطرح الناقل على نفسه هذا السؤال الذي لا أريد أن أظلم أحداً بقولي أنني أراه بديهياً.
هناك نسبة أخرى للقصيدة أقل شهرةً و تقول أن القصيدة الأساسية كتبها الشاعر الرقّي المرحوم فيصل البليبل (1919- 1984) و هو من الشخصيات المعروفة في المجتمع الرقي و من الأقلام الأدبية المميّزة في مدينة الرقّة, و نتاجه الأدبي المطبوع صغيرٌ بالمقارنة مع ما هو محفوظ عند ورثته من المخطوطات, و من دواوينه المطبوعة: قصائد مزّقها عبد الناصر (1962) و وافيصلاه (1977).
تميّز شعر المرحوم البليبل بالنزعة الوطنية و القومية العربية, و له قصيدةٌ خاطب بها دمشق عندما تعرّضت للقصف الفرنسي عام 1945 مطلعها:
نـادت الـشــام فـلبـيـنـا نـداهــــا
أيـنــا لايـشتـهي المـوت فـداهـا
أخت مروان لدى الـفخـر وهل
تـنـبـت العـزة إلا في ربـاهــــا
و لدمشق مكانة خاصة في شعر البليبل, فقد جعل منها مكان إقامته بعد قصة حبٍّ عاشها في الرقة و لم تكلل بالزواج بسبب اعتراض الأهل, و في دمشق عمل في الحقل التعليمي حتى تقاعد نتيجة إصابته بجلطة دماغية شلّت شقّه الأيسر جزئياً. لكن شعره لم ينس جارة الفرات فعاد إليها بزيارات ملؤها الحنين و الفخر, و يقول في بعضها:
تـذكـر الحسنـاء ريـعـان صبـاهــــا
فـاسـألـوا الـرقـة من كـان بـنـاهــــا
قــلـل الـعــز من شـيــدهــــــــــــــا
من بنى الأسوار من أرسى علاهــا
بــــــاب بـغــداد لـقـــد كـان ومــــا
زال يـخـتـال شـمـوخـا واتـجـاهـــا
أخـت بـغـداد لـهـا الـمـجـد وهــــل
أشـرق الـتـاريـخ إلامـن ربـاهـــــا
عـادت الـرقـة في شـرخ الـصبـــا
أيــها الـتـاريـخ قـم كـيـما تـراهــــا
بـشـروا الـرقـة فـالـصـبـح لـهــــــا
مـرة أخـرى إذا الـداعـي دعـاهـــا
تميّزت كتابات البليبل كذلك باستخدام الجرأة ضد ما يراه خطأً, و قد وقفت هذه الجرأة حاجزاً أمام محاولته طباعة عدد من دواوينه خلال حياته و منها (أهل حزيران, و أذلاه) و برع البليبل أيضاً في استخدام التهكم و أسلوب الأدب الساخر في كتاباته الناقدة للفساد و الإفساد.
توفي فيصل البليبل في دمشق عام 1984 و دُفن في الرقّة.
بالعودة إلى موضوع القصيدة, يُسمع في الرقّة و وسطها الثقافي تأكيد على أن قصيدة (أجراس العودة لن تقرع) هي للأديب الرقي الراحل, أو بالأحرى "بذرتها" الأساسية, فقد كتبها حسب ما وصلني في ثمانية أبيات فقط, و يؤكد مقرّبون لورثة البليبل أن المخطوط الأصلي لهذه الأبيات موجودٌ لكنني لم أستطع مشاهدته أو الإطلاع على صورة عنه كما لم أستطع الوصول إلى ما يُفترض أنها الصيغة الأساسية بعد, و هي أبيات كتبها في دمشق و وزّعها في الصالون الأدبي الذي كان يقيمه في العاصمة بشكل متواصل.
شخصياً ليس لي خبرة أدبية لكي أحكم بذلك, لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن القصيدة هي من نتاج البليبل, و ليس فقط بسبب نزعة عصبية رقّية فحسب و إنما بسبب تشابه الأسلوب الناقد الجريء و عدم انسجام مضمون القصيدة مع نتاج نزار قباني في تلك الحقبة, و قد كتب القباني عن نكسة حزيران في "هوامش على دفتر النكسة" و منعت من الإذاعة في بعض المحطات, لكن القصيدة منشورة و موثّقة. (أعيد أنه مجرد انطباع شخصي غير مبني على خبرة أدبية).
قد يكون هناك رأيٌ بأنه لا يهم من كتب القصيدة و إنما ما تقول, و لا أتفق مع هذا الرأي كثيراً, فالأدب, و الشعر خصوصاً, هو جزء من الأديب, و الأديب جزءٌ مما يخط, على عن أنه من حق الكاتب أن يبقى نتاجه باسمه للتاريخ. و أنا هنا لا أؤكد أن القصيدة هي للشاعر فيصل البليبل بل أنني أدعو فقط للبحث عن مصدرها الحقيقي و توثيقها بدل أن نجدها بعشرات الصيغ و بعشرات التأويلات.
عدا عن سجال المصدر... ما نستطيع أن نؤكده هو أن "أجراس العودة لم تقرع", و نأسى لقوّة احتمال أنها "لن تقرع"..
..
المعلومات عن الأديب فيصل البليبل و الأبيات المنشورة مأخوذة من ما كتبه عنه الباحث السيّد حمصي فرحان الحمّادة.
..
الصورة: فيصل البليبل (المصدر)