حالمٌ شجاعٌ.. حارب النّار حتّى احترقت يداه. يدخل السّجن و فيه يعاني الأمرّين و يتعرّض لجنون الجلاّدين و ساديتهم و كراهيتهم المريضة.. يتعذّب جسمه و تُطعن روحه عندما يفقد سنده.. تلك الأم المناضلة. تضعف قواه لحظةً فيعاني بعدها دهراً...
شرق المتوسّط هي إحدى روائع الرّاحل عبد الرّحمن منيف, و هي حجر الأساس لذاك النّوع من الروايات التي اصطلح على تسميتها بـ" أدب السجون", و هو للأسف أدب واقعي من صلب الحياة اليومية في عالمنا.
كُتبت الرّواية بلسانين, لسان رجب, ذاك الشّاب الطوباوي الحالم, صاحب المبدأ الثابت و الذي يقع ضحية القمع و الغطرسة و الاستبداد, و لسان أخته أنيسة, التي تعاني آلام ذلك الجرح الذي تركته طعنة اعتقال رجب في قلبها. تتناوب الأدوار و المشاعر و الأحاسيس, الأحزان و الآلام و الدموع, في دوّامةٍ عذبة الألم.
شعرت بما شعر به كلّ من سمعت رأيهم بعد قراءة هذه الرّواية: جفاف الحلق. و قد كتب سعد الله ونّوس عن هذا الشعور في تقديمه رواية "الآن هنا.. أو شرق المتوسّط مرة أخرى", و الآن هنا هي إعادة نظر لواقع تقييد الحرّيات و القمع العربي بعد أكثر من عقدين من كتابه "شرق المتوسط", و قد أراد منيف من إعادة النظر تلك أن يشير إلى أن الواقع العربي لم يتغيّر في هذه السنين, و لو كتبت له الحياة حتى يومنا هذا لكتب "شرق المتوسّط مرة ثالثة" ليعيد الإشارة إلى استمرار القمع و الاستبداد و آلياتهما الجنونية.
أبرز جماليات هذه الرواية الكثيرة برأيي هي شخصية الأم.. تلك المرأة المكافحة الصبورة التي تغلّبت على عاطفتها الغريزية التي تجعلها تتمنى أن يكون ابنها في أحضانها مهما كان الثمن و فضّلت له البقاء في السجن مرفوع الجبين بدل أن يخرج منه خائناً لرفاقه. لم تقرأ تلك المرأة المناضلة الصامتة أدبيات النضال و التحرّر, و لم تكن تعرف أحداً من مفكري الثورة الفرنسية و لا فلاسفة المذهب التحرري الإنساني.. لكنها أيقنت أن خروج ابنها من السجن لن يكون الحرّية له إن كان على حساب كرامته.
شرق المتوسّط رواية قاسية كقسوة الواقع, تسلّط ضوءاً على ظلام دامس مخيّم يأبى أن يزول و ينجلي.
أقرّ بأنني "أحببت" (ربما لا يعبّر هذا اللفظ عن المعنى بشكل جيد) "الآن هنا" أكثر, ربما لأنني قرأتها أولاً و جاءت "شرق المتوسط" كتكملة للشعور الذي بدأ مع ملحمة عادل الخالدي.
"الآن هنا" و "شرق المتوسط" روايتان متكاملتان بشكل أبداعي ساحر, فكلّ منهما سردٌ لجانب من جوانب حياة السجين السياسي, ذاك الذي يقبع أسير الحجر و الحديد لدفاعه عن فكره و قناعاته, و هذا الدفاع عندنا هو أبشع جريمة, فالكلمة جريمة, و الفكر جريمة... و لفظة "لا" هي اغتيالٌ أو أشنع. هذا هو عالمنا.. و هكذا يمضي متخبطاً.
أدخل عبد الرحمن منيف مقدّمة أسماها "متأخرة ولكن ضرورية" اعتباراً من الطبعة الثانية عشر من الكتاب, أي بعد ربع قرن على نشره لأول مرّة, و قد أردت أن أدرج بعض الاقتباسات في هذه التدوينة و لكنني وجدت أن هذه المقدمة بصفحاتها القليلة لا يجب أن تُختصر بهذا الشكل, و لذلك سأحاول الحديث عنها و نقل بعض الاقتباسات منها في التدوينة القادمة. فالمقدمة هي نظرة ناضجة و خبيرة لواقعنا المؤلم.. هي نتاج سنواتٍ طويلة من الوقوف مقابل الجدار و المعاناة في دراسة تفاصيله, حجارته, فجواته, شقوقه, تضاريسه...
ككل نتاج منيف أنصح بهذه الرّواية و بشدّة, و أتمنى أن يأتي سريعاً هذا اليوم الذي تصبح فيه هذا الرواية و غيرها من نصوص أدب السجون جزءاً من الماضي. أن يتم تصنيفها كرواية تاريخية أو واقعية قديمة لزمنٍ مضى و ولّى إلى غير رجعة.. بدل أن يكون أدب الواقع الذي يحصل الآن.. و هنا.
أتمنى ذلك لأن كاتبها تمنى ذلك... و روحه تنتظر ذاك اليوم كي تستريح.
..
الصورة: عبد الرحمن منيف