٢٧‏/١٠‏/٢٠٠٩

شرق المتوسّط – عبد الرحمن منيف

munif1

حالمٌ شجاعٌ.. حارب النّار حتّى احترقت يداه. يدخل السّجن و فيه يعاني الأمرّين و يتعرّض لجنون الجلاّدين و ساديتهم و كراهيتهم المريضة.. يتعذّب جسمه و تُطعن روحه عندما يفقد سنده.. تلك الأم المناضلة. تضعف قواه لحظةً فيعاني بعدها دهراً...

شرق المتوسّط هي إحدى روائع الرّاحل عبد الرّحمن منيف, و هي حجر الأساس لذاك النّوع من الروايات التي اصطلح على تسميتها بـ" أدب السجون", و هو للأسف أدب واقعي من صلب الحياة اليومية في عالمنا.

كُتبت الرّواية بلسانين, لسان رجب, ذاك الشّاب الطوباوي الحالم, صاحب المبدأ الثابت و الذي يقع ضحية القمع و الغطرسة و الاستبداد, و لسان أخته أنيسة, التي تعاني آلام ذلك الجرح الذي تركته طعنة اعتقال رجب في قلبها. تتناوب الأدوار و المشاعر و الأحاسيس, الأحزان و الآلام و الدموع, في دوّامةٍ عذبة الألم.

شرق المتوسّط- عبد الرحمن منيف

شعرت بما شعر به كلّ من سمعت رأيهم بعد قراءة هذه الرّواية: جفاف الحلق. و قد كتب سعد الله ونّوس عن هذا الشعور في تقديمه رواية "الآن هنا.. أو شرق المتوسّط مرة أخرى", و الآن هنا هي إعادة نظر لواقع تقييد الحرّيات و القمع العربي بعد أكثر من عقدين من كتابه "شرق المتوسط", و قد أراد منيف من إعادة النظر تلك أن يشير إلى أن الواقع العربي لم يتغيّر في هذه السنين, و لو كتبت له الحياة حتى يومنا هذا لكتب "شرق المتوسّط مرة ثالثة" ليعيد الإشارة إلى استمرار القمع و الاستبداد و آلياتهما الجنونية.

أبرز جماليات هذه الرواية الكثيرة برأيي هي شخصية الأم.. تلك المرأة المكافحة الصبورة التي تغلّبت على عاطفتها الغريزية التي تجعلها تتمنى أن يكون ابنها في أحضانها مهما كان الثمن و فضّلت له البقاء في السجن مرفوع الجبين بدل أن يخرج منه خائناً لرفاقه. لم تقرأ تلك المرأة المناضلة الصامتة أدبيات النضال و التحرّر, و لم تكن تعرف أحداً من مفكري الثورة الفرنسية و لا فلاسفة المذهب التحرري الإنساني.. لكنها أيقنت أن خروج ابنها من السجن لن يكون الحرّية له إن كان على حساب كرامته.

شرق المتوسّط رواية قاسية كقسوة الواقع, تسلّط ضوءاً على ظلام دامس مخيّم يأبى أن يزول و ينجلي.

أقرّ بأنني "أحببت" (ربما لا يعبّر هذا اللفظ عن المعنى بشكل جيد) "الآن هنا" أكثر, ربما لأنني قرأتها أولاً و جاءت "شرق المتوسط" كتكملة للشعور الذي بدأ مع ملحمة عادل الخالدي.

"الآن هنا" و "شرق المتوسط" روايتان متكاملتان بشكل أبداعي ساحر, فكلّ منهما سردٌ لجانب من جوانب حياة السجين السياسي, ذاك الذي يقبع أسير الحجر و الحديد لدفاعه عن فكره و قناعاته, و هذا الدفاع عندنا هو أبشع جريمة, فالكلمة جريمة, و الفكر جريمة... و لفظة "لا" هي اغتيالٌ أو أشنع. هذا هو عالمنا.. و هكذا يمضي متخبطاً.

أدخل عبد الرحمن منيف مقدّمة أسماها "متأخرة ولكن ضرورية" اعتباراً من الطبعة الثانية عشر من الكتاب, أي بعد ربع قرن على نشره لأول مرّة, و قد أردت أن أدرج بعض الاقتباسات في هذه التدوينة و لكنني وجدت أن هذه المقدمة بصفحاتها القليلة لا يجب أن تُختصر بهذا الشكل, و لذلك سأحاول الحديث عنها و نقل بعض الاقتباسات منها في التدوينة القادمة. فالمقدمة هي نظرة ناضجة و خبيرة لواقعنا المؤلم.. هي نتاج سنواتٍ طويلة من الوقوف مقابل الجدار و المعاناة في دراسة تفاصيله, حجارته, فجواته, شقوقه, تضاريسه...

ككل نتاج منيف أنصح بهذه الرّواية و بشدّة, و أتمنى أن يأتي سريعاً هذا اليوم الذي تصبح فيه هذا الرواية و غيرها من نصوص أدب السجون جزءاً من الماضي. أن يتم تصنيفها كرواية تاريخية أو واقعية قديمة لزمنٍ مضى و ولّى إلى غير رجعة.. بدل أن يكون أدب الواقع الذي يحصل الآن.. و هنا.

أتمنى ذلك لأن كاتبها تمنى ذلك... و روحه تنتظر ذاك اليوم كي تستريح.

..

الصورة: عبد الرحمن منيف

19 تعليقات:

Sham يقول...

أقوم حاليا ً بقراءة الآن هنا و ينتابني الغضب أحيانا ً و الرغبة في الصراخ أحيانا ً أخرى فأضعه جانبا ً كي أستنشق بعض الأمل بأنّه سيـأتي اليوم الذي يصبح الـ " الآن " البارحة و " هنا " هناك ..
لن أعد بقراءة قريبة لـ شرق المتوسط لكنني سأضعها على قائمه الكتب التي سأقرأها قبل نهاية الـ 2010.
عزازيل هو كتابي القادم بعد َ الآن هنا ;) ..

تـحيــّة لكل ما تكتب و تقرأ :)

billal09 يقول...

I wonder if read Mostafa Khalifa book, (( يوميات متلصص ))
http://www.dctcrs.org/s6724.htm

if you did, can you make a comparative analysis betweent he two books.

SyrianGavroche يقول...

شام

أهلاً بك!

قراءة ممتعة لـ "الآن هنا" فهو من أروع ما قرأت في الرواية بحق. و من الجيد برأيي قراءة شرق المتوسط بعد فارق زمني جيد.

تحية
----

بلال

أهلاً بعودتك!

لم أقرأ هذا الكتاب, قرأت عنه على ما أذكر في موقع صفحات سورية منذ فترة.. سأحاول قراءته.

شكراً لك

تحية

Yaz يقول...

مجموعتي من عبد الرحمن منيف لها حقيبة خاصة أحملها معي أينما ذهبت. لدي احساس دائم أن إحساسي بالحقيقية لن يكون كاملاً من دون كلماته.

مقدمة سعدالله ونوس التي دائماً أتخيلها بصوته المنهار تخطف مني كل قوة. هل حقاً يمكننا تغيير هذا اشرق أوسط المستنقع في الفضيحة؟

حين فرغت من رواية عبد الرحمن منيف الجديدة, أحسست حلقي جافاً, وغمرني شعور ذاهل بالعار. كيف نعيش حياتنا اليومية ونساكن هذا الرعب الذي يتربص بنا هنا… والآن؟ أي صملاخ بليد يحجب عن أسماعنا الصراخ والأنين, كي نواصل نومنا كل ليلة! أي ذاكرة مثقوبة تلك التي تتيح لنا أن نتناسى الآلاف الذين يهترئون في السجون هنا… والآن! هذا عار يكاد يلامس التواطؤ. من خوفنا, وغفلتنا, وصمتنا يغزل الجلاد سياطه. ومن خوفنا, وغفلتنا, وصمتنا تغصّ بنا السجون, تغدو الحياة هنا والآن كابوساَ من الجنون والرعب.
إن رواية عبد الرحمن منيف تمزق الصمت, وتعلن الفضيحة. هذه الأوطان – السجون الفضيحة, وهؤلاء المواطنون – المساجين فضيحة, وهذا التاريخ الشرق أوسطي معتقل يستنقع في الفضيحة. ورغم أن الرواية لا تلاحق هذه الفضيحة بتنوعاتها القطرية, وتعدد مستوياتها, فإنها تتعمد أن تظل قولاً ناقصاً, قولاً لا يكتمل إلا إذا أضاف القارئ عليه موقفاً أو فعلاً.
وبين التعرية والتحريض, وبين النمنمة الفنية والوعي التاريخي, يبني عبد الرحمن منيف رواية -شهادة, لن نستطيع الاستغناء عنها إذا أردنا أن نعرف الــ الآن… وهنا, وإذا أردنا أن نغير الــ هنا… والآن أيضاً

walid sham يقول...

هي من الروايات التي تجعل قارئها يتصبب عرقا ً في قيظ الحبكة ... قلة من الروايات التي لم أستطع تركها حتى آخر حرف من آخر كلمة من آخر صفحة فيها .. هي روايات (( منيف )) شكرا ً ياسووو على الإضاءة المنتقاة بعناية و صبر الجـّـراح الماهر ... تحيات فراتية

3bdulsalam يقول...

شرق المتوسط من روائع المبدع عبد الرحمن منيف . . تنقل الواقع الصادم ببراعة!!

لا تشرب البيرة يا صديقي حتى لو كانت حلال :)

jafra يقول...

على قائمة القراءة

لكن اظنها تحتاج الى وقت مستقطع من اليوم خاص لها و لاسلوب منيف المتمييز

SyrianGavroche يقول...

Yaz

أهلاً و سهلاً بك في المدونة و شكراً على تعليقك

----

أبو خالد

لنا نفس الهوى الأدبي يابن عمتي.. تحيتي لك

----

عبد السلام

أهلاً و مرحبا! يسعدني مرورك

----

جفرا

أهلاً بعودتك... و شكراً



تحياتي للجميع

Marcell يقول...
تمت إزالة هذه الرسالة بواسطة المؤلف.
Marcell يقول...

شرق المتوسط أقل دخولا ً بالتفاصيل كالآن هنا (حسيت الآن هنا ، عاطيها حقها .. وبالفعل هي شرق المتوسط مرة ثانية )

انا قريت شرق المتوسط قبل الآن هنا ، وحسيت أنها رائعة بس وقت قريت الآن هنا ، خلص ! ما عاد في شي ينحكى يمكن أروع رواية عربية ..

هلق عم بقرالو .. الرواية المشتركة اللي كاتبها مع جبرا

3bdulsalam يقول...

يا جماعة فيما لو أردتم قراءة رواية تنقل واقع السجون بمرارة فتكو ع الرابط اللي حطه بلال بالتعليق . . لكن أنصح بأخذ مضادات كآبة قبل القراءة!!

أنا كتبت عنها بمدونتي بالزمانات:

قوقعة في عالم آخر في بعد آخر

ذكرى الجروح يقول...

متلهفه لقرائته جداً
فأسلوبك مشوق
شكراً لك

Marcell يقول...

أنا قرأت القوقعة :)
وأعتقد أن هناك اختلاف كبير جدا ً ، بين الروايتين
الأثنتان مؤلمتان جدا ً .. خليفة يصور العنف والألم .. ، بطريقة أحيانا ً جافة ( يعني بأوقات حسيتو بدو المشاهد يبكي ويصيح بس )
بروايات منيف " بكل فصل بيكون في مليون جملة .. بتنفع تكون اقتباس .. تكون فكرة تكون تساؤل يضل عالق براسك "

:) لكن ما بيمنع أنو القوقعة ، كتاب يستحق الواحد يوقف عندو

SyrianGavroche يقول...

مرسيل

أهلاً بك!!

بمقدمة الطبعة 12 فما بعد هو يقول أنه شعر أن "شرق المتوسط" لم تف السجن السياسي حقّه تماماً, و يشرح الأسباب و هي نفسها التي حاولت تلافيها في "الآن هنا" لذلك أعتقد كما قلت سابقاً أن "الآن هنا" هي نضوج شرق المتوسط أكثر مما هي متابعة لها.


تحية

-----

عبد السلام

أهلاً بك و مرحبا

الحقيقة لدي مشكلة مع قراءة نصوص طويلة على شاشة الكمبيوتر, و خصوصاً رواية كبيرة على شكل مقالة! قمت بنسخها على ملف وورد و سأطالعها في نهاية الأسبوع.


شكراً لك و تحية مجدداً

----

ذكرى الجروح

أهلاً بك و شكراً على تعليقك

ميسم يقول...

تحياتي
بعد انقطاع شهر عن القرأه الانترنتيه ....... :( سبق وقرأت الأن هنا روايه تركت في أثرا كبيرا وانشالله راح تكون هاي الروايه على القائمه.

الشجرة الأم يقول...

أنا أول مرة أتعرف على هذه الرواية، فروايات السجن السياسي ممنوعة لدينا، وقد أعجبني كثيراً أنه جعل شخصية الأم المحور الرئيسي فيها، فقلب الأم بكل ما فيه من معاني يثري جمال أي رواية، ويضفي عليها جماليات ومشاعر صادقة.

جزاك الله أخي في الله خير الجزاء، ونفع بك الأمة الإسلامية العربية.

SyrianGavroche يقول...

ميسم

أهلاً بعودتك و شكراً جزيلاً على تعليقك, و بانتظار جديدك في مدونتك

تحية

----

الشجرة الأم

أهلاً و سهلاً و شكراً على كلماتك و تعليقك.

الرواية موجودة ككتاب إلكتروني أيضاًَ, أخبرك بذلك إن كنت تريدين الحصول عليها. لا أحبذ عادةً الكتب الإلكترونية و لكن عند استحالة الحصول على النسخة الورقية يصبح خياراً لا بديل له.


تحية

sona يقول...

جميل ان اقرا اليوم مقالتين عن ادب السجون .. هذا الادب الذي اطلعت عليه جيدا .. وسالت عنه من عاني السجن واقعا .. وليس فقط اعتمادا على الرواية فقط
قرت الرواية منذ حوالي 12 عام ... عندما قرئتها هي والجزئ التالي لها .. عشت الرعب حقيقة .. اسيكون من انتظرناه ربع عقد من الزمن كهذا ؟؟ هل هذه هي نهاية المطاف بعد كل هذا العذاب والبعد
لا اردي.. ولكني ولحسن الحظ عرفت ان من يكتب لا يكتب عن الجميع...
هناك اشكالية كبيرة في ادب السجون وهي تصوير العودة الى الواقع بعد الغياب كصورة رايتها درامية اكثر من الواقع ذاته ..يوجد من الصحة فيها ما يكفي ... ولكن يرافقها شيء من المبالغة .. لم ادر لم وجد....
لا يعني اني لم اعشق الرواية ....
ولكني سعيدة جدا لبعدها عن واقعي الذي عشته بعد عودة الغائب ونفر من الاصدقاء الذين قالوا لا ...ودفعو ثمن ذلك .. وبقوا على قولها ... واسستمروا بحلمهم ....مستقبل بعيد الشبه عن ماضيهم

SyrianGavroche يقول...

سونا


شكراً على مرورك و تعليقك!!

بالنسبة لتجربة منيف في أدب السجون أعتقد أن درامية الخروج من السجن (أو هكذا فهمتها) لم تكن نابعة عن "فوز السجن على المبدأ", ففي شرق المتوسط مثلاً هناك سبب يجعل رجب يخرج مكسوراً من السجن (لا أريد أن أروي كثيراً منها كي لا أفسد المتعة على قراءها) و قد تتذكرين أنه تغلّب على هذا الانكسار و عاد إلى التحدّي بعد برهة.

في الآن هنا كان هناك مرض... له رمزية معيّنة, لم أفهمها أنا على الأقل أنها انكسار..

في الروايات و الأفلام الأخرى التي قرأت و شاهدت رأيت مزيجاً من التصوّرات.. لعل أكثرها درامي كما ذكرت و لكن أعتقد أنه من الطبيعي أن يكون في الإنسان ما يحزنه لفقدان وقتٍ من عمره أبعده عن الحب, أو عن الأسرة, أو عن رؤية أطفاله يكبرون... ليس كل الحزن انكساراً.. بعضه أحياناً قد يكون تحدّياً حتى


شكراً لك مرة أخرى