22 تشرين الأول 2009

بابلو بينيدا و الإعاقة المعجزة

pablo pineda

بابلو بينيدا (Pablo Pineda) هو شاب اسباني في الثلاثينات من عمره اشتهر منذ عدّة أعوام باعتباره أول مصاب بمتلازمة داون (Down syndrome) يحصل على ليسانس جامعي في أوربا. و متلازمة داون هي علّة جينية ناتجة عن وجود نسخة إضافية من الصبغي رقم 21 أو جزء منه, و الأعراض الأساسيّة لهذه المتلازمة هي وجود تخلّف عقلي بدرجات متفاوتة و بنية جسمانية و ملامح شكلية مميّزة, بالإضافة إلى قابلية الإصابة بأمراض قلبية و هضمية و غدديّة معينة. يسمّى هذا المرض شعبياً باسم "البلاهة المنغولية", و لكنه اسم يستخدم في كثيرٍ من الأحيان بشكل تحقيري أو كشتيمة, و لذلك يفضّل غالبية العاملين في الوسط الطبّي عدم استخدامه.

عاد بابلو بينيدا إلى الأضواء منذ عدّة أسابيع عندما نال فيلم (Yo También ), أي "و أنا أيضاً", الذي شارك في بطولته, نال العديد من الجوائز في مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي, و هو أهم مهرجان سينمائي في اسبانيا و أحد أبرز تظاهرات الفن السابع في أوربا بعد كان و فينيسيا و برلين, و يعرض الفيلم حالياً في صالات السينما, و رغم أنني لم أشاهده بعد إلا أن بعض الأصدقاء الذي أثق بذوقهم السينمائي أكدوا لي أنه فيلم ممتاز و أن بينيدا قد أبدع في أداء دوره.

لا شك أن بابلو بينيدا هو إنسان "فوق العادة", فرغم أن درجة الإعاقة العقلية لديه متدنية بشكل كبير إلا أنها تؤثر على قدرته على الاستيعاب و التعلّم و اكتساب المهارات بشكل طبيعي, هذا عدا عن الحواجز الاجتماعية و النفسية التي يمكن أن تقام بوجهه كمريض بمتلازمة داون في عالمٍ يقدّس الكمال (أو بالأصح يقدّس ما اصطُلح في ما بعد الحداثة أنه الكمال), و بطبيعة الحال يستحق نتاجه أن ينال التقدير و الاحترام و التقدير الذي يستحقه بجدارة.

لكن هناك مسألة مهمّة يبدو أنها غائبة بعض الشيء عن كثيرٍ من الناس, و لا تخص بينيدا بذاته كشخص و إنما تعنى بالتعامل الإعلامي مع قصته و تأطيرها ضمن سياق صحيح. يغيب عن ذهن الكثيرين أن بابلو و قصته لا يمكن أن تكون مثالاً نمطياً عن مصابي متلازمة داون أو غيرها من الأمراض ذات التأثير العقلي. هذا الشخص هو إنسان "فوق العادة" و خارج عن المألوف ليس فقط على مستوى المرضى بل على المستوى العام للبشر, و لا شك (كما أسلفنا) أن مرضه قد أعاقه, لكن مستوى إعاقته رغم تقييدها له في العديد من المسائل لا علاقة لها بالحالة العامة لمرضى متلازمة داون و ظروفهم الفيزيولوجية و العقلية, و لا يمكن اعتباره "ممثّلاً" لهم.

يتم اعتبار بابلو بينيدا في العديد من المواد الصحفية التي نشرت عنه مثالاً للإرادة, و حياته تروى كقصة نجاح يضرب بها المثل, و هذا صحيحٌ و لكن إلى حدّ ما فقط, و من الخطأ عدم تحديد هذا "الحد". صحيحٌ أن بابلو يتمتّع بإرادة صلبة تحرّك الجبال, لكنه لا يتمتّع فقط بالإرادة بل يمتلك أيضاً ذكاءً لامعاً , عدا عن اختلاف مستوى إعاقته عن المألوف بين المرضى.

مشكلة إظهار هذا "الرمز" لمرضى داون هو أنه قد يسبب في نشوء عرف عام يقول أنه بالإرادة فقط يمكن أن يصل مريض متلازمة داون إلى أن يكون أنيقاً و لبقاً و محادثاً بارعاً و صاحب نكتة, أن يحصل على ليسانس جامعي و أن يشارك بدور البطل في فيلم قد يرشّح لجائزة أوسكار. هذا خطأ شنيع! الأغلبية الساحقة من مرضى داون لا يستطيعون ذلك, و لا حتّى ربع ذلك, و ليس لغياب الإرادة بل أنهم يعانون من عوائق بنيوية فيزيولوجيّة و عقلية لا يمكن التغلّب عليها بالإرادة. الغالبية منهم يحتاجون عناية مكثفة و مساعدة كبيرة في كلّ شؤون حياتهم, كما أن نسبة عالية منهم عاجزة عن التفكير و التصرّف بأدنى أشكال المنطق لأن مرضهم حكم عليهم بدرجة عالية من التخلّف العقلي, و أكثر من نصفهم يعجز عن النطق أو يكاد.

إن خطر اعتبار بابلو و حياته هدفاً لمرضى داون و أخذ قصته كقضية إرادة فقط يكمن في نقطتين: الأولى هي أن هذه الفكرة يمكن أن تسبب بدرجة عالية من الإحباط للمريض أو وسطه العائلي عندما يجدون أنهم عاجزون عن متابعة خطوات "قدوتهم", و الثانية هي غياب الوعي العام بصعوبة وضع مرضى داون و احتياجاتهم الكبيرة و المكلفة و الصعبة بسبب القناعة بأن حالة بابلو هي عادية و ليست استثناءً نادراً.

الصحيح و المفروض برأيي هو التعامل مع بابل كما هو في الواقع (و كما يعلم هو نفسه): كاستثناء يستحق الإعجاب و الثناء, لكن ليس كقدوة. و تقديم العون الاجتماعي لمرضى داون و من يحيط بهم أسريّاً و مساعدتهم على الاقتناع بأن عليهم أن يحاولوا أن يعيشوا سعداء و مرتاحين ضمن ظروفهم الخاصة, بدل مواجهتهم (لا إرادياً و بحسن نيّة طبعاً) بتحدّيات لا ذنب لهم في أنهم لا يستطيعون التغلّب عليها و تخطّيها.

سأحاول مشاهدة الفيلم خلال عطلة نهاية الأسبوع القادمة و ربما أكتب عنه بعد ذلك.

..

مصدر الصورة.