20 تشرين الأول 2009

العصا و التربية, أو "التربية" بالعصا ..

صف مدرسة

"فلان, روح على الأستاذ (...) و هات من عنده عصاية, و إذا ما عنده روح على الآنسة (...), المهم ما ترجع بدون عصاية, فهمان؟"

ثم يلتفت باتجاه آخر..

"و الله لأشويك شوي, لأربيك على الصحيح يا قليل التربية يا كلب يا بغل يا حمار يا تيس يا كر (و باقي أفراد مملكة الحيوان), و الله لأكسرك مشان تتعلّم مرّة ثانية تضحك \ تتكلّم \ تخطئ \ تشاغب.. الخ ".

لا, ليس مشهداً من (البرتقالة الآلية) لستانلي كوبريك, بل هو مشهد من الذاكرة المدرسية, فالمُهدِّد المتوعّد معلّم مدرسة, و "فلان" هو عريف الصّف أو الأكثر نفاقاً بين التلاميذ أو كلاهما, و متلقّي التهديدات و ضربات العصا تلميذٌ آخر قد يكون السبب في الأزمة الماليّة العالمية و إعصار كاترينا و تسونامي جنوب شرق آسيا, أو ربما مجرّد طفل..

العصا..

العصا إكسسوار لا يمكن أن يغيب في أي وصفٍ للذاكرة المدرسية, بل من الممكن تصنيف المعلّمين بناءً على ملكيتهم لعصا خاصّة من جهة أو اعتمادهم على "الاستعارة" من جهة أخرى, و المعلّمون المتطفلون على عصيّ الغير يقابلون عادةً بالعدوانية من قبل صاحبي العصي لأنهم قد ينسون إعادة ما استعاروا. و لا يستوي أصحاب العصي فيما بينهم فهناك من يمتلك عصا عاديّة و آخر يمتلك عصا "مفيّمة" مجهّزة بطرف ملفوف بالشريط الملّون العازل (الشرشطون) يستخدم كقبضة مريحة ليد المحارب, عفواً الأستاذ, و يمكن أن نجد اسم المعلّم مكتوباً بخط جميل و كبير لتلافي ضياع الملك الثمين, و قد نجد إبداعات أخرى مرسومة أو محفورة على خشب العصا في لحظة ملل أو فراغ.. بل وهناك من يطلع على عصاه اسماً مميّزاً كمعلّم تربية رياضية في مدرستي كان قد سمّى عصاه بـ "أم سنون" (أم أسنان) لأنها كانت تعض و تأكل "لحم المو متربّي ببيت أهله".

يمنع القانون السوري الضرب في المدارس منذ عقود, و تمت محاولة التشدد في تطبيق هذا المنع منذ بضعة سنوات, أو هذا ما قيل في الجرائد. لكن لا يبدو أن الوضع قد تغيّر كثيراً عمّا كان في زماني كتلميذ مدرسة و لسبب بسيط و هو أن المجتمع قد اعتاد على أن يكون الأمر كذلك بل و يدافع عن الحزم و الشدّة من أجل عملية تربوية سليمة, و كأن الاحترام لا يفرض إلا بالضرب و الرّفس و الشتم.

ربما نستطيع أن نبحث في المدرسة عن أحد أسباب انتشار العنف في مجتمعاتنا, فالتلميذ يتعلّم منذ طفولته أن الضرب و العنف هي أساليب مقبولة للتعامل و هي طرق لفرض الشخصية و الاحترام, و كيف لا يتعلّم ذلك و هو يرى معلّمه, الذي هو قدوة و نموذج بالغ يجب تقليده و هو يستخدم هذه الأساليب, و ما يزيد الطين بلّة أن بعض الأهالي يشجّعون معلّم ابنهم على أن لا يتهاون معه و يمنحونه "كارت بلانش" لضرب ابنهم و القسوة عليه متى ما رأى ذلك ملائماً, و هم يفعلون ذلك نتيجة جهل و بحسن نية و يعتقدون أن هذا يصب في مصلحة ابنهم دون أن ينتبهوا إلى أنهم يؤذون شخصيته في طور تكوّنها و نموّها و يعوّدونه على أسلوب تعامل لن يعرف أن يتعامل بغيره عندما يكبر, و سيربّي أبناءه بنفس الطريقة. و ليس علاجُ هذه المعضلة الاجتماعية سهلاً أبداً فمجتمعنا ما يزال يعتبر علم النفس و نظرياته و تطبيقاته مجرّد "كلام فارغ" عدا عن أن العصبية الأبوية قد لا تسمح لـ "كرامة" الأب أن يقبل نصيحة أحد, فهو لا يقبل أن يأتي أحدٌ ليعلّمه كيف يربّي ابنه.

يمكن أن يقوم الأهل كذلك بدور معاكس تماماً و يكون أيضاً سلبياً, و ذلك عندما لا يعلّمون أبناءهم على احترام الغير و خصوصاً المعلم, و يقابلون بحساسية مفرطة أي ملاحظة بخصوص ابنهم و يرفضون قبول أن ابنهم قد أخطأ و يجب أن يتعلّم من خطأه بل أن ابنهم أعجوبة العالم الثامنة و المعلّم يكرهه لذكائه. هذا تطرّف مؤذي و غير مقبول بنفس الشكل الذي نرفض فيه عنف المعلم, و كلاهما مؤذٍ للتلميذ بشكل أساسي.

لا نبغي في هذه النظرة النقدية أن نحوّل المعلّمين إلى جلادين, كما لا ننسى وجود عدد كبير من المعلّمين الرائعين و المربّين الأجلاّء, و لعلّ أغلبنا يتذكّر من حياته المدرسية ذاك المعلّم الجيّد الحنون الذي أحببنا مادته فقط لأنه هو من يعطيها. و ربما تفيد هذه النظرة أيضاً للإشارة إلى الخلل في الواقع التعليمي و ظروف القائمين عليه كجزء من أسباب إشكالية التعليم و التربية, فنسبة عالية جداً من المدرسين دخلوا السلك التعليمي ليس حبّاً بالتعليم أو ملاحقةً لموهبة في التعامل مع الآخرين, الأطفال منهم خصوصاً, بل أنهم دخلوا هذه المهنة لضيق الأفق فقط, و عدا عن غياب الحافز فإن أغلب هؤلاء الدارسين لم يتلقوا تنشئة مهنية سليمة تهيئهم للوقوف أمام لوحٍ مقابل الطلاب و تساعدهم على إدارة عملهم بشكل مهني و سليم, بل يجدون أنفسهم فجأة أمام عشراتٍ من التلاميذ (العفاريت) دون أن يعرفوا ماذا يجب أن يفعلوا للسيطرة على الوضع بالشكل الأمثل.

لا يمكن أيضاً أن ننسى الظرف المادّي للمعلّم و اضطراره للقيام بأعمال أخرى, داخل و خارج التعليم, من أجل توفير متطلباته المادّية, على حساب صحته النفسية و راحته, و بالتالي على حساب مهنته الأساسية.

في أي مجتمع سليم تمنح مهنتان عناية خاصة و رعاية فائقة, أحداهما هي السلك القضائي و الأخرى هي الوسط التعليمي, و يعود ذلك إلى أهمية استقرار العدل و التربية على أسس متينة و سليمة تضمن حسن سير المجتمع و تعنى بمستقبله. و هذا ما لايحدث عندنا على الإطلاق, فالدخل الرسمي للمعلّم لا يكفي لحياة كريمة (بالتناغم مع الوضع العام) مما يضطره للعمل بشكل إضافي, في الدورات الخصوصيّة أساساً, مما يسيء إلى أركان كثيرة من العملية التربوية, فالمعلم لن يجتهد في المدرسة كي يضطر الطالب لطلب دروس خصوصية مكلفة جداً, كما أن الدورات تؤذي العلاقة بين المعلّم و التلميذ لأنها تتحوّل إلى علاقة تجارية بحتة مع كل ما يرافق ذلك من منافسات و مضاربات و احتكارات و دعايات... و كل ذلك على حساب المدرسة.

لا تتوقّف إشكالية العملية التربوية عند وجود الضرب أو عدمه بل أنها تتعلّق بشكل دقيق و حسّاس بكل ما يحيط بالإنسان في هذه المرحلة المبكّرة و الهامّة من عمره, فجودة التعليم و متانة الأسس التربوية بالإضافة إلى النشاطات الترفيهية و اللاصفيّة و مراقبة صحّة العلاقة ما بين التلاميذ (لأن قسوة الأطفال على بعضهم البعض يمكن أن تكون هائلة و مخيفة, خصوصاً إن وجدت فروقات اجتماعية و مادية فيما بينها), بل حتّى شكل الصف و المقعد و الباحة و البناء المدرسي. كل هذه الأمور هي أساسيات يجب أن تُدرس بعناية فائقة, لأن سيكولوجيا الطفل دقيقة و حساسة جداً و أي حادثة أو عارض مهما كان صغيراً و بدا سخيفاً يمكن أن يؤثر على شخصية الإنسان في المستقبل حتى لو مُسحت هذه الحادثة من ذاكرته. و لا يعني هذا الكلام الدعوة إلى الإفراط في حماية الطفل و فرض القيود عليه و إبعاده عمّا حوله, بل أنها دعوة لأن تكون علاقة الطفل بما حوله و من حوله مبنية على أسس صحيحة و سليمة, خصوصاً في المدرسة.

أطفال اليوم هم جيل المستقبل و لذلك يجب العمل على أن يقفوا على قاعدة تربوية صلبة و سليمة تشمل جميع النواحي و المجالات... إلا إذا كنا نرغب أن يستمر العالم بيد من لا يعرف أن يعبّر و لا يفهم إلا بلغة العصا و "ياحمار يا تيس"..

..

الصورة