تعاني بعض مناطق أوروبا من وجود بعض الجماعات الهامشية العنصرية التي تأخذ أسماءً مختلفة من طراز "النازيين الجدد" و "حليقي الرؤوس" و غيرها, و تتباين هذه الجماعات المترسّبة عن أفكار و عقود انتهت في طريقة ممارسة نشاطاتها بين العنف و مجرّد خلق الضجيج للفت الانتباه, لكن جميعها يشترك في فكرة أساسية واحدة و إن تعددت طرق طرحها: المهاجرون هم سبب مشاكلنا.
يحتجّون على ارتفاع نسبة المهاجرين في مدنهم و بلداتهم مما يعكّر صفو و نقاء عرقهم و شعبهم و تقاليدهم و عاداتهم, و يلقون بمسؤولية ارتفاع نسب الجرائم على وجود "هؤلاء المهاجرين" الذين لا وازع أخلاقي لديهم و لا انتماء لهذه الأرض إلا بقدر ما تعطيهم من مال يرسلونه إلى ما وراء البحار, يأخذون فرص عمل أهل البلد و يتركونهم فريسة البطالة لأنهم يرضون بحقوقٍ أقل و رواتب أدنى.
لا يختلف خطاب هؤلاء عن أي خطاب قومي آخر, باختلاف القوميات و أنواعها و باختلاف طريقة عرض الخطاب, لكن المختصر واحد: سبب المشاكل دوماً هم "الآخرين".
تثير هذه الجماعات و الخطابات الهامشية اشمئزاز أغلب الناس بنفحتها العنصرية و الكارهة للآخر و الرافضة للاندماج و التعامل معه, و من المألوف أن يكون وجودها سبباً لنعت شعب كامل بالعنصرية و التمييز العنصري حتى لو كانت جماعات هامشية ترفضها الأغلبية, و من المؤسف أننا نحن العرب أساتذة في إطلاق أحكام العنصرية و الكراهية للعرب و الإسلام دون أي رادع أو منطق, مع أن نفس فكر و منطق هؤلاء العنصريين موجود لدينا و بكثرة, أي أنّه إنتاج محلي بامتياز, يمكن أن يختلط بالتمييز الطائفي و الديني أحياناً لكن هذا ليس شرطاً لكي يكون بعضنا عنصرياً في نظرته إلى الآخرين و تعامله معهم (أو عدم تعامله).
كنت قد كتبت سابقاً جزئية حول هذا الموضوع عندما ناقشت قضية ضرورة أن يعطي الدستور السوري المرأة السورية حق منح الجنسية لأولادها, فعدا عن منطقية هذا الحق الطبيعي فإن هذا الإجراء سيسهّل حياة الكثير من أصدقائنا و جيراننا الذين يعيشون بيننا و لا نعلم كيف أن أي معاملة بيروقراطية تصبح مشكلة لديهم لأنهم لا يملكون الجنسية السورية, بما في ذلك دخول الجامعات و المعاهد (قبل القرار الأخير), و قد نوقشت هذه المسألة في العديد من المواقع و المنتديات السورية و كان من المدهش و المؤسف انتشار رفض منح هذا الحق للأم لأسباب أقل ما يقال عنها أنها عنصرية و تافهة من طراز رفض أن يحمل ابن أبٍ من جنسيات معيّنة يراها المعلّق "دون المستوى" الجنسية السورية أو أن يختلط الدم السوري مع دم "مين من كان", و قد قلت يومها أننا لو سمعنا نفس المنطق الرافض هذا من فم ألماني يرفض أن يُمنح أبناء السوري المتزوّج من ألمانيّة الجنسية الألمانية لسمعنا غالباً كمّاً من الشتائم من نفس هؤلاء الأشخاص ضد ألمانيا و "شعبها العنصري الكاره للعرب".
قد نقول أن هذه الآراء و المواقف المتشنجة الرافضة للآخر هي نتيجة "عصبية سوريّة" أو "شوفينية سوريّة" لكن الأمر لا يقف هنا للأسف, فنفس النوع من العنصرية نجده بين المناطق السورية و المحافظات المختلفة, و الأمثلة كثيرة و مؤسفة.
عندما بدأت وسائل الإعلام تتحدّث عن نيّة حكومية لتنمية المنطقة الشرقية و دعمها لمواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها نتيجة موجة الجفاف التي ضربت قطاع الزراعة, الذي يعتمد عليه اقتصاد المنطقة بشكل أساسي و شبه وحيد خرجت الكثير من الأصوات في مواقع الانترنت المختلفة تعترض على صرف المال على "منطقة الشوايا", فالسبب في مشاكل المنطقة الشرقية هي تخلّف و جهل أهلها على حدّ تعبير بعض القائلين, فالشاوي "يخلّف قطيع أولاد" و يرميهم في الشوارع و يحمّل الحكومة مسؤولية إطعامهم.
مثال آخر: نشرت سيريانيوز يوم أمس تحقيقاً عن عادة الحيار, و هي عادة عربية متجذرة (خط عريض تحت عربية) تعتبر أن الفتاة من حق ابن عمها أولاً و أساساً, أي أن لابن العم أولوية في الزواج منها و لا يجوز أن تتزوّج من غيره إن لم يتنازل هو عن هذا الحق, و يورد التحقيق في سطوره أحداث جريمة شنيعة حدثت في ريف الرقة عندما أقدم شاب على قتل ابنة عمه بعد أن عرف أن والدها يبغي تزويجها من غيره.
الحيار عادةٌ ما زالت موجودة في المنطقة الشرقية, في الرّيف خصوصاً, لكنها في طريق الانقراض منذ مدّة طويلة, فما زال من المألوف أن يكون لابن العم الأولوية في التزويج لكنه عرف لا يحمل هذا الطابع الدموي الذي تركه هذا التحقيق ربما عندما تحدّث عن جريمة شنيعة و بشعة و كأنها هي القاعدة الذهبية و هذا ما يحصل. أنا هنا لا أبرر الجريمة بطبيعة الحال و لا أبرر الحيار حتى لو كان "خفيفاً", لكنني أستغرب أن يُكتب تحقيق صحفي في أحد أشهر المواقع الإخبارية السورية عن عادةً ليست حكراً على الجزيرة السورية, بل أنها ليست حكراً على سوريا فهي عادة عربية قديمة و انتقلت مع الفتوحات إلى الكثير من المناطق الأخرى, بل أن بعض الكثيرين حول العالم يسمّون زواج أبناء العمومة بـ "الزواج العربي", فلماذا تخصيص المنطقة الشرقية بمشكلة ليست خاصة بها بل عامّة؟ قد تكون نسبتها أكبر بسبب الطابع العشائري الذي ما زال مهيمناً على الجزيرة و ريفها خصوصاً, لكن لماذا الحديث عن الجزيرة و كأنها سيبيريا, و عن أبنائها و كأنهم من كوكب الزهرة أو من كوكب غرندايزر انطلق؟
لا يعني كلامي أنني ضد انتقاد الجزيرة و أبنائها و ضد الحديث عن مشكلاتها, فأهل مكّة أدرى بشعابها و العبد الفقير لله من "النقاقين" ضد الخطأ, و الأقرباء أولى بالمعروف, و أنا أدعم و بشدة عمل الصحافة و دورها في الإشارة إلى مواطن الخطأ دون قيد من أي نوع, و هنا لست ضد الكتابة عن الحيار بل أنني أتمنى لو توجد مواضيع صحفية أكثر حول المشكلات الاجتماعية الكثيرة التي نعاني منها, و أنا هنا أشير فقط إلى أن تخصيص أهل الجزيرة بمشكلة عامة و لعلها أحد الأسباب الكبيرة لما يسمّى "جرائم الشرف" في أغلب الدول العربية ليس أسلوباً موضوعياً في النظر إلى مشكلة اجتماعية بل أنه نظرة من زاوية واحدة, و هي زاوية ضيّقة جداً.
كالعادة كان هكذا موضوع فرصةً لظهور عنصرية بعض المعلّقين, فأحدهم قرر أن دمشق و حلب قد خربتا منذ سكنها "هؤلاء الناس" (و يقصد أهل الجزيرة) فقد دخلت في هذه المدن جرائم و وضع اجتماعي مزري لم يكن موجوداً قبل وصول "هؤلاء", بينما كرر آخرٌ رفضه لدعم الجزيرة في أزمتها الخانقة و "ستين عمرينهم" فسبب الأزمة هو جهلهم و تخلّفهم.
الحديث عن مشكلات الجزيرة ليس عنصريةً بالنسبة لي, بل أتمنى لو أن مشكلاتها تظهر في الصحافة أضعاف ما تظهر اليوم, لكنني ضد الأسلوب التحقيري تجاه هذه المنطقة و أهلها, ففيها من المشاكل ما هو موجود في كل مناطق سوريا بنفس النسبة تماماً, فلماذا تحويلهم إلى "شعب متخلّف" و كأنهم المرساة التي تعيق إبحار القارب أو التعامل معهم و كأنهم مواطنو درجة ثانية أو ثالثة من قبل البعض؟
لحسن الحظ فإن العقول الراجحة هي الغالبية, لكن وجود أقلية ذات منطق عنصري هو أمر مؤسف و مؤلم عندما يكونون غرباء, فما بالنا عندما يكونون أهل بلد و أخوة و أبناء وطن؟
لا يسجّل التاريخ أي مثالٍ عن وطنٍ بني بالصفعات...
و عمــــــــــــــــــــار يا بلد